حكايات في التعلم الكاتب: تفيدة الجرباوي

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية ١٩
الصف الذي تنفّس
في المرحلة الإعدادية، كانت عليا تعبر بوابة المدرسة كل صباح بسرورٍ صادق؛ فمدرستها كانت من أحبّ الأماكن إلى قلبها.
تحبّ ساحاتها وأشجارها العتيقة، وملاعبها، وممراتها، ومختبراتها. وكانت تحبّ النظام الذي يضبط الإيقاع، والحصص التي تشعر فيها أن المعرفة تُقدَّم بحبّ. لكن هذا الحب كان يثقُل أحيانًا بأسئلة لا تجد لها مكانًا سهلًا.
وكانت تتشوّق لحصّة بعينها؛ معلمة تشرح بطريقة جذّابة، وتوقظ الشغف بالقراءة خارج الكتب المدرسية، والانخراط في المشاريع الجماعية، وتفتح باب النقاش لمن حضرت مستعدة. كانت الطالبات يستعرن الكتب من مكتبة المدرسة أو من المكتبة العامة في البلدة، ويسألن أقاربهن عن معلومات إضافية، ويدخلن الصف متحمسات للمناقشة.
لكن المشهد كان ينقلب أحيانًا.
طالبة تتأخّر، وأخرى تنسى كتابها، وثالثة لم تُنجز واجبها. يتغيّر صوت المعلمة حين تغضب، وتعلو نبرته، ثم يأتي العقاب بالضرب على الأيدي بالمسطرة ذات الحافة المعدنية.
ومع الشتاء، كان الأمر أشدّ.
فالصف غير مُدفّأ، والبرد قاسٍ إلى حدّ أن الفتيات كنّ يرتجفن على مقاعدهن. كثيرًا ما لجأن إلى النفخ على أيديهن قبل الإمساك بالقلم ليكتبن بخط ثابت. وفي هذا البرد، كانت اللسعة تتضاعف حين تهوي المسطرة على كفوف صغيرة متجمّدة. كانت الدموع قريبة، والرهبة حاضرة حتى قبل أن تُمدّ الأيدي بتردد. بل كانت بعض الطالبات يشعرن بتسارع دقات قلوبهن منذ اللحظة التي يتغير فيها صوت المعلمة.
ولم تكن عليا من اللواتي يُعاقبن، لكنها كانت تتألم كأن الدور دورها. وكانت تحسّ بالتوجّس ينتشر في الصف ويتسرّب إلى الأسئلة.
وكان ما يحزنها أكثر أن الحصّة التي أحبّتها أكثر من غيرها هي نفسها الحصّة التي بدأت تُجمّد الأفكار في الرؤوس.
وفي الفسحة، كانت تجلس إلى جانب طالبات ما زالت آثار الضرب مرتسمة على كفوفهن؛ احمرارٌ في بعض الأيدي، وانتفاخٌ خفيف في أخرى، ورعب صامت أثقل من الدموع أحيانًا. كانت تهدّئهن بكلمات قليلة، وترى بعضهن منكسِرات، وأخريات يُخفين وجعهن بقسوة مفاجئة.
ذات يوم، جلست عليا مع صديقتيها في زاوية من الساحة. كنّ ثلاثتهن متفوّقات ويحظين باحترام المعلمات والمديرة. ومع ذلك، لم تكن أيٌّ منهن بمنأى عن القلق الذي يخيّم على الصف. فحين كانت المسطرة تُرفع، كانت الأسئلة تتجمّد على ألسنتهن، ويخفت حماس المشاركة ولو للحظات.
قالت عليا:
— بصراحة، أنا مش قادرة أتعلم وأنا شايفة بنات صفنا مرعوبات.
قالت إحدى صديقتيها:
— الحصّة حلوة، بس الصراخ والضرب بيخنقوا الصف.
صمتن لحظة.
قالت عليا:
— طيب… ليش ما نصارح المديرة؟ بس بهدوء.
اتفقن أن يكون الكلام سؤالًا لا مواجهة، وأن يطلبن لقاء المديرة.
دخلن بهدوء. قلن، إنهن يحببن المدرسة والحصّة، لكن التوجّس يؤثر في التعلّم حتى لدى من لا يتعرّضن للعقاب. لم يذكرن اسم المعلمة ولا الصف. وحين أنهين حديثهن، شعرت عليا أن الكلمات اختيرت بعناية؛ لا تدين أحدًا، ولا تساوم على الحقّ في التعلّم.
بعد خروج الطالبات، جلست المديرة وحدها لحظات. استعادت نبرة أصواتهن؛ هادئة، متّزنة، وخالية من الاتهام. وفكّرت أن القسوة لا تنبع دائمًا من نِيّات سيئة، بل أحيانًا من عادات مقبولة في المجتمع وتُمارَس في المدرسة بلا مراجعة.
نظرت عبر النافذة إلى الساحة حيث كانت الطالبات يتفرّقن بين لعبٍ وضحكٍ وجدّ. وقالت في سرّها، إن مهمتها ليست حماية الأساليب المعتادة في ضبط الصف كما هي، بل حماية ما يجعل المدرسة مكانًا تُقبل عليه الطالبات دون رهبة، ومكانًا يشعرن فيه بالأمان والاحترام.
في اليوم التالي، عقدت المديرة اجتماعًا مع المعلمات. كان الحديث صريحًا ومتزنًا. وطُرحت بدائل تحافظ على الانضباط دون إيذاء: تذكير واضح بالقواعد، وفرص لتصحيح الخطأ، ومتابعة للطالبات اللواتي يحتجن دعماً إضافياً، وتواصل عند الحاجة مع الأسر، مع تفهّم أكبر للظروف المختلفة ومزيد من التعاطف في التعامل مع الطالبات.
واتفقت المعلمات على أن يكون الصف مكانًا تشعر فيه جميع الطالبات بالطمأنينة، وأن يكون التشجيع متاحًا لكل طالبة، لا للمتفوّقات فقط.
في الأسبوع التالي، دخلت المعلمة المعنيّة الصف. وبعد أن ألقت تحية الصباح، توقفت لحظة وقالت بلطف:
— هذا الصف مكان للتعلّم، لا للخوف. سنعالج التأخير أو النسيان بطرق تساعد على الفهم، ونختار معًا ما يناسب كل حالة.
وفي أثناء الحصّة دخلت طالبة متأخرة.
توقفت عند الباب، متوقعة ما اعتادت عليه.
لكن المعلمة قالت بهدوء:
— تفضلي، اجلسي، وبعد الحصة نتفق كيف تعوضي ما فاتك.
جلست الطالبة مكانها.
تنهدت براحة، وتنفّس الصف معها.
وفي الفسحة، مرّت إحدى الطالبات قرب عليا وصديقتيها وقالت بخجل:
— اليوم نسيت دفتري… ولأول مرة ما ضلّيت طول الحصّة خايفة.
ثم ابتسمت ومضت.
لم يُصبح كلّ شيء مثاليًا، ولم تختفِ الصعوبات.
لكن الأيدي لم تعد تُخفى، والأسئلة عادت تُرفع. ولم تعد الإجابة حكرًا على القليلات الجريئات. فشيئًا فشيئًا، بدأت أصوات جديدة تُسمع، وشاركت طالبات كنّ يلتزمن الصمت خوفًا من الخطأ.
وبدأ الدفء يتسلل إلى الصف ببطء وثبات.
عادت عليا إلى بيتها تشعر براحة لم تعرفها منذ مدة.
لم تتغير المدرسة كلها بين يوم وليلة، ولم تختفِ القسوة من كل الصفوف. لكن شيئًا مهمًا كان قد بدأ يتغيّر في ذلك الصف.
وإلى اليوم، ما زالت عليا تتساءل كم من طالبٍ وطالبة ما زالوا يتعلمون في ظل الخوف أكثر مما يتعلمون في بيئةٍ يسودها الاطمئنان والتعاطف.
لكنها شعرت أن ما بدأ بسؤالٍ صغير في زاوية من الساحة فتح نافذة لم تكن مرئية من قبل.
نافذة يدخل منها شيء من الضوء…
ويجد الصف من خلالها مساحةً ليتنفّس.




