حكايات في التعلم الكاتب: تفيدة الجرباوي

آراء
حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الـحـكـايـة 24
الـوديـعـة الأثـمـن
جلست عليا مع صديقها جود في ركن هادئ بأحد المقاهي. وضعت هاتفها على الطاولة وقالت:
«هل جرّبت استخدام المحفظة الإلكترونية؟».
ابتسم جود: «أستخدمها أحياناً. لماذا؟».
أجابت: «ساعدتنا في حل مشكلة في الجمعية. كنا نصرف للمتدربات بدل التنقّل نقداً، لكن الإجراءات أصبحت أكثر صرامة، فكان علينا إيجاد وسيلة أخرى».
وأضافت: «حضر ممثل عن البنك، وفتح لهن محافظ إلكترونية، وشرح طريقة استخدامها وكيفية المحافظة على بياناتهن. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الجمعية تحوّل البدل مباشرة إلى محافظهن».
قال جود: «حل سريع وعملي».
أومأت عليا: «لكن توفير الوسيلة وحده لا يكفي. المهم أن تتعلم المتدربات استخدامها بثقة، وأن تساعدهن على إدارة أموالهن بأنفسهن».
ارتسمت على وجه جود ابتسامة تحمل شيئاً من الحنين.
«حديثك أعادني أكثر من ستين عاماً إلى الوراء، إلى أول حساب بنكي فتحته في حياتي».
سألته عليا: «في الجامعة؟».
هز رأسه: «كنت في الصف الرابع أو الخامس. أخذني أبي إلى البنك، وكان الموظف الذي فتح لي الحساب من أقاربنا. سجّلني في برنامج للادخار، وأعطاني حصّالة معدنية عليها شعار البنك، لم أكن أستطيع فتحها بنفسي».
تابع: «كنت أضع فيها جزءاً من مصروفي وعيدياتي. وعندما تمتلئ، أحملها إلى البنك، فيفتحها الموظف ويعدّ النقود أمامي، ثم يودعها في حسابي ويسجل المبلغ في دفتر الادخار».
ابتسم وهو يتذكر: «كنت أفرح كلما رأيت الرصيد يكبر، وأشعر أن البنك يعاملني كواحد من الكبار».
سألته عليا: «وهل كان والدك يرافقك؟».
«رافقني يوم فتح الحساب فقط. بعد ذلك كنت أذهب وحدي، بل كان يعطيني أحياناً مبالغ لأودعها له».
قالت عليا: «إذاً لم يكن يعلّمك الادخار فقط، بل كان يتيح لك ممارسة المسؤولية».
أومأ جود: «كان يثق بي من دون محاضرات طويلة».
صمت قليلاً، ثم قال: «وبعد نحو عامين، سافرت إلى الكويت».
رفعت عليا حاجبيها في دهشة: «وحدك؟ في ذلك العمر؟ والدي لم يكن ليسمح لي بذلك أبداً».
ابتسم جود: «لم يرسلني أبي إلى المجهول. كان يعرف عدداً من ركاب الباص، وأوصاهم بي. وعندما توقفنا في عمّان، جاء عمي إلى الباص ليطمئن عليّ ويحضر لي ما أحتاج إليه. وعند وصولي إلى الكويت، كان خالي في انتظاري، وأقمت عنده طوال الزيارة».
قالت عليا: «إذاً لم يتركك وحدك تماماً، ولم يمنعك من خوض التجربة أيضاً».
قال جود: «رتّب أبي الرحلة، واطمأن إلى من سيرعاني في الطريق وعند الوصول، ثم ترك لي أن أدير شؤوني بنفسي».
ثم استطرد: «أعدّ لي جواز السفر، وأخذني إلى البنك لأسحب مدخراتي، وأضاف إليها مبلغاً للطريق. وعندما حان موعد السفر، وقف يودعني أمام الباص، وناولني حقيبتي والنقود، وقال: دير بالك على حالك يا جود، أنا أثق بك».
صمت لحظة، ثم قال: «كانت كلمات قليلة، لكنها بقيت معي طوال الطريق».
وتابع: «انطلق الباص إلى عمّان، ومنها إلى بغداد، ثم البصرة، وصولاً إلى الكويت. وكنت مسؤولاً عن حقيبتي ونقودي، وأشتري الطعام والشراب من مدخراتي، مزهواً بقدرتي على تدبير أموري».
سألته عليا: «وهل كنت تفكر قبل أن تنفق؟».
ضحك: «كنت أعدّ ما بقي معي بعد كل مرة أُنفق فيها. وخلال إقامتي عند خالي احتجت إلى المال، فاستخدمت معظم مدخراتي، وكانت نحو ثلاثة عشر ديناراً».
قالت عليا: «لا بد أنها كانت تبدو لك ثروة».
«كانت ثروة فعلاً لطفل في ذلك الزمن».
سألته: «ألم تحزن عندما أنفقتها؟».
أجاب: «ترددتُ، لكنني لم أشعر أنني خسرتها؛ فقد أدى الادخار الغاية التي ادخرت من أجلها. هذا ما علّمني إياه أبي: لا ندخر لمجرد أن يكبر الرصيد، بل ليكون المال حاضراً عندما نحتاج إليه أولنمد به يد العون إلى من يحتاج».
قالت عليا: «علّمك أن تدخر، من دون أن يجعلك تخاف من الإنفاق».
ابتسم جود: «وعلّمني أن أحسن الاختيار».
صمت قليلاً، ثم قال: «كان صارماً أيضاً في الدراسة. لم يكن يسمح لي بالخروج للعب قبل أن أنهي واجباتي. كنت أتضايق وأنا أسمع أصوات أولاد الحارة في الخارج».
علّقت عليا: «وأغلبنا مرّ بذلك بطريقة أو بأخرى».
أطرق جود برأسه وقال بصوت هادئ: «الله يرحمه. كنت أظن يومها أنه يحرمني من اللعب، أما اليوم فأفهم أنه كان يريدني أن أنجز ما عليّ أولاً».
أشار إلى هاتف عليا وقال: «اليوم تتعلم المتدربات التعامل مع المال من خلال المحافظ الإلكترونية، أما نحن فتعلمناه من حصّالة ودفتر ادخار».
أومأت عليا: «تغيّرت الوسائل، لكن فتح المحفظة، مثل فتح الحساب، ليس سوى البداية».
سألها جود: «وما الباقي؟».
أجابت: «أن نتيح للإنسان فرصة استخدامها بنفسه، وأن ويتعلّم من تجربته».
نظر جود إلى ساعته، ثم إلى فنجانَي القهوة الفارغَين، ونهض مبتسماً وصافح عليا مودعاً.
التقطت هاتفها وغادرت المقهى.
وفي طريق عودتها، أصدر هاتفها صوت تنبيه، فظهر إشعار بحركة في رصيد محفظتها الإلكترونية.
نظرت إلى الرقم على الشاشة، فتذكرت الدنانير القليلة التي كان جود يراقبها تكبر في دفتر ادخاره، والحصّالة المعدنية التي كان يحملها إلى البنك طفلاً.
عندها أدركت أن والد جود لم يكن يفتح لطفله حساباً مصرفياً فحسب، بل كان يفتح حساباً آخر في شخصيته. وفي كل مرة ائتمنه فيها على مال أو مهمة أو قرار، كان يضيف إلى ذلك الحساب وديعة جديدة.
كبر جود، وأنفق الدنانير التي ادخرها، واختفى دفتر الادخار، وربما ضاعت الحصّالة أيضاً.
لكن ما أودعه أبوه فيه بقي ينمو مع السنين.




