مقالات

حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

الحكاية ٢٣
خلف المعادلات

كان جود يتصفح صفحة خريجي جامعته على فيسبوك حين توقفت عيناه عند صورة عميد الجامعة الراحل. امتلأت الصفحة بكلمات الترحم والامتنان.
كتب أحد الخريجين: «لم يكن عميدًا فحسب، بل أبًا لكثير من الطلبة».
وأضاف آخر:
«لولا فرصة العمل التي وفرها لي لما استطعت إكمال دراستي».
ابتسم جود، وأعادته الذاكرة إلى يومه الأول في الجامعة.
كانت الجامعة آنذاك في طور بناء مكانتها ورسالتها في خدمة المجتمع. ومن بين أساتذتها برز أستاذ للفيزياء أصبح عميدًا لها لاحقًا، وأسهم في نحت هويتها. أما اللقب الذي التصق به بين الطلبة والأساتذة فكان: «العبقري».
في أول لقاء تعريفي، استمع الطلبة إلى العميد باهتمام. وحين خرجوا، كانت كلمة واحدة تتكرر بينهم:
«العبقري».
اقترب بعض الطلبة القدامى من المجموعة الجديدة، وقال أحدهم:
«إذا عرف اسمك مرة فلن ينساه».
وأضافت طالبة:
«ولا تستغرب إذا وجدته بين الطلبة في الساحات أكثر مما تجده في مكتبه».
فكر جود:
«ألهذا يسمونه العبقري؟»
بعد أيام، جاء موعد جلسات الإرشاد الفردية. دخل جود مكتب العميد، فرفع الرجل عينيه من خلف نظارته وابتسم:
«أهلًا يا جود. أعتقد أنني رأيتك في معظم مراحل القبول: اختبارات الرياضيات والتفكير التحليلي واللغة الإنجليزية… ثم المقابلة».
أغلق الملف وسأله: «والآن أخبرني… ماذا تريد أن تصبح؟»
امتد اللقاء أكثر مما توقع جود. سأله العميد عن أسرته وهواياته وطموحاته، وما يتمنى أن يقدمه لبلده. شعر جود أن الرجل لا يبحث عن طالب ينجح في الامتحانات فقط، بل عن شاب يملك طموحًا يتجاوز الدراسة.
وبعد نقاش طويل، اتفقا على أن يكون تخصصه الفيزياء. ربت العميد على كتفه وقال:
«أظن أننا وجدنا التخصص المناسب. تعال معي».
في كافتيريا الجامعة، مرّ عدد من الطلبة لتحيته، فقال جود:
«يبدو أن الجميع يعرفك».
ضحك العميد: «وأنا أحاول أن أعرف الجميع».
وأشار إلى طلبة يعملون في المكتبة، وقال:
«بعضهم يدرسون ويعملون في الوقت نفسه».
وعلم جود لاحقًا أن العبقري كان من أوائل من دعموا برامج العمل الطلابي، حتى لا يضطر طالب محتاج إلى ترك دراسته بسبب ضيق الحال.
خرج جود من اللقاء بإعجاب كبير.
في أول محاضرة للفيزياء، وقف العبقري أمام اللوح وبدأ يتحدث ويكتب. تدفقت المعادلات بسرعة مذهلة، وحين يصل إلى طرف اللوح ينتقل إلى اليد الأخرى، مواصلًا بالسرعة والخط الواضح نفسيهما. وبدا حديثه المملوء بالرموز كأنه ينتمي إلى عالم آخر.
ساد القاعة صمت كامل، ولم يطرح أحد سؤالًا.
بعد المحاضرة، التفت جود إلى زملائه وسأل:
«هل فهم أحد منكم ما قاله؟»
تبادلوا النظرات، ثم انفجروا ضاحكين.
قالت طالبة: «ولا كلمة».
وأضاف طالب: «كنت أحاول فقط متابعة ما يكتبه».
استمر الوضع على حاله خلال الأسابيع التالية، وحوّل بعض الطلبة تخصصاتهم إلى مجالات أخرى.
وفي أحد الأيام، أصيب العبقري بوعكة صحية حالت دون حضوره، وسرعان ما بدأت الأحاديث عنه في أروقة الجامعة.
قالت طالبة: «هو نفسه الذي زار أخي عندما مرض».
وأضافت أخرى: ساعدني في الحصول على فرصة عمل داخل الجامعة».
وتتابعت الشهادات. عرف الطلبة أنه كان حاضرًا في الانتخابات الطلابية، يصغي إلى المرشحين والناخبين، ويحرص على عدالة المنافسة وسلامتها. ولمسوا شغفه بالموسيقى وبراعته المبكرة في الحوسبة؛ فقد أعدّ برنامجًا ينظم جداول أساتذة الجامعة ومحاضراتهم بلا تعارض.
تنوعت الحكايات، لكنها اتفقت على أن العبقري كان حاضرًا في حياة الجامعة أكثر مما يدرك كثيرون.
في ذلك اليوم، كُلّفت الدكتورة ليليان بإعطاء المحاضرة بدلًا منه.
دخلت مبتسمة، ووضعت حقيبتها على الطاولة، ثم سألت:
«من جاء اليوم في باص أبي العبد؟»
تعالت الضحكات، وتحول الحديث إلى الطريق والسرعة والتجاوزات التي شاهدوها خلال الرحلة. شارك الطلبة بحماس، يناقشون ويجادلون ويقترحون.
استمعت الدكتورة ليليان، ثم قالت:
«ممتاز… هذا هو درسنا اليوم: السرعة والتسارع».
فتحت حقيبتها وأخرجت كرات وساعات توقيت ومسارات مائلة. وكان جود أول من غادر مقعده ليساعدها في إعداد المسارات وقياس الزمن. وخلال دقائق، تحلّق الطلبة حول الطاولة. بدأت التجارب، فالقياسات والحسابات والاستنتاجات، ولم يشعر أحد بمرور الوقت.
وبعد الحصة، ظل الطلبة يناقشون أخطار التجاوز وسبل جعله أكثر أمانًا. ولأول مرة منذ بداية الفصل، خرج جود من قاعة الفيزياء وهو يشعر أنه فهم، بل استمتع بالحصة.
وفي اختبار الأسبوع التالي، نجح الجميع وأبدع كثيرون.
ظل جود يفكر في الفرق بين الحصتين. لم تكن الدكتورة ليليان أعلم بالفيزياء من العبقري، ولم يكن أحد يشك في ذلك؛ لكنها استطاعت أن تجعل الطلبة يلمسون الفيزياء في حياتهم قبل أن يروها في المعادلات.
عاد جود إلى صفحة الخريجين وأكمل قراءة التعليقات. كان بين أصحابها وزراء وأطباء ومهندسون ومعلمون. اختلفت مساراتهم، لكن كلًّا منهم تذكّر موقفًا جمعه بالرجل، أو فرصة أتاحها له، أو كلمة بقيت معه.
عندها فهم جود ما لم يفهمه في سنته الأولى. لم تكن عبقرية الرجل في سرعة كتابة المعادلات وحدها، بل في قدرته على أن يرى في كل طالب ما قد لا يراه الطالب في نفسه.
ومع مرور السنوات، توطدت علاقتهما؛ فكان العبقري يستشير جود في شؤون الجامعة وهو لا يزال طالبًا، ثم تحولت بعد التخرج إلى صداقة امتدت إلى أسرته. وكانا يعودان في حديثهما دائمًا إلى التعليم والشباب، وما تستطيع الجامعة أن تفعله خارج قاعاتها.
كان يرى الجامعة أكثر من محاضرات وشهادات؛ كان يراها مكانًا يكتشف فيه الشباب قدراتهم، ويجدون فرصتهم.
تأمل جود صورة العميد قليلًا، ثم كتب:
«رأيتَ فينا أكثر مما كنا نراه في أنفسنا».
ونشر تعليقه بين عشرات التعليقات.
كانت المعادلات قد مُحيت عن اللوح منذ زمن، لكن أثره بقي في حياة طلابه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب