مقالات

حكايات في التعلم

آراء
حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

الحكاية 27
النبضة

رنّ هاتف عليا. كانت أختها تستعيد معها بعض ذكريات المدرسة، وتتحدثان عن اختلاف اهتماماتهما في تلك الأيام.
قالت أختها:
«أنا كنت مهتمة بحصص الأدب والقراءة، وأنتِ ما كان يشغلك غير العلوم والتجارب».
ضحكت عليا: «صحيح. وعندي تجربة من أيام المدرسة عمري ما حكيت لك عنها».
« شو هي؟»
ترددت عليا قليلًا، ثم قالت:
«قصة دجاجة شرّحتها وأنا في الصف الحادي عشر».
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم قالت أختها غير مصدقة:
«شرّحتِ دجاجة؟ أنتِ؟»
ضحكت عليا من وقع المفاجأة في صوت أختها:
«نعم. وما زلت أذكر ذلك اليوم كأنه حدث بالأمس».
وتابعت:
«دخلت معلمة الأحياء إلى المختبر تحمل دجاجة ومشرطًا وزجاجة كلوروفورم. وضعت ما تحمله على الطاولة، فتبادلنا نظرات الفضول، واقتربنا منها بشيء من التردد».
كنا قرابة عشرين طالبة، تحاول كل واحدة منا أن تحجز لنفسها مكانًا ترى منه الطاولة. شرحت لنا المعلمة ما ستقوم به، ثم قالت:
«علينا أن نعمل خلال دقائق قليلة، حتى نتمكن من رؤية القلب وهو ينبض».
ازداد تركيزنا جميعًا. لم تكن المعلمة تريد أن نضيّع لحظة من الوقت القصير الذي يبقى فيه القلب نابضًا. ثم بدأت عملها بهدوء وثقة».
قالت أختها: «وأنتِ أكيد حاولت الوصول للمقدمة».
ضحكت عليا:
«لكنني لم أصلها! كنت في منتصف الحلقة. حاولت التقدم أكثر من مرة، ورفعت رأسي فوق الرؤوس، ومددت عنقي بين الأكتاف، لكن المشهد لم يكن يصل إليّ إلا في لمحات متقطعة. كنت بدي أشوف كل شيء، مش ألتقط جزءًا ويفوتني الباقي.
وفجأة، تعالت أصوات الطالبات القريبات من الطاولة:
«انظرن… القلب!»
وقفتُ على أطراف قدميّ، وبحثت عن فجوة بين الرؤوس. وفي لحظة خاطفة رأيته.
قلبًا ينبض».
قالت أختها بدهشة: «عن جد شُفتيه وهو بنبض؟»
أجابت عليا: «لثوانٍ فقط، لكنها غيّرت فهمي لأشياء كثيرة».
ثم أكملت:
«شرحت لنا المعلمة كيف يعمل القلب والرئتان معًا، وكيف يحمل الدم الأكسجين من الرئتين، ثم يضخه القلب إلى أنحاء الجسم. عندها اتصلت المعلومات التي حفظناها طويلًا. لم تعد الدورة الدموية والجهاز التنفسي موضوعين منفصلين، بل جزأين من عمل واحد متكامل.
للمرة الأولى، لم أكن أحفظ أسماء الأعضاء ووظائفها فحسب، بل بدأت أفهم كيف يعمل بعضها مع بعض.
لكن الزحام حرمني من كثير من التفاصيل. كلما ظننت أنني سأرى ما تشير إليه المعلمة، سبقتني الرؤوس إليه. كانت الصورة تكتمل أمامي للحظات، ثم تضيع من جديد. وكلما فاتني جزء، ازدادت لهفتي لرؤيته.
خرجتُ من الحصة مبهورة بما رأيت، ومشغولة أكثر بما فاتني. لم أنم تلك الليلة. ظل القلب النابض حاضرًا في ذهني، وبقيت أستعيد المشهد وأحاول أن أتخيل ما حجبته عني الرؤوس.
وقبل أن ينتهي الليل، كنت قد اتخذت قراري».
سألتها أختها: «وشو عملتِ؟»
«قررت أن أشرّح دجاجة بنفسي».
صمتت أختها لحظة، ثم هتفت:
«وااال!»
واصلت عليا:
«في الصباح، جمعت مدخراتي وأنفقت ستين قرشًا كاملة: ثلاثين قرشًا ثمن الدجاجة، والثلاثين الباقية على لوح خشبي وبعض الأدوات التي احتجتها للتجربة».
استعدتُ خطوات المعلمة، وهيأت ما أحتاج إليه. ترددتُ قليلًا قبل أن أبدأ. كانت رهبة المشهد حاضرة، لكن رغبتي في رؤية الصورة كاملة كانت أقوى.
هذه المرة لم تكن هناك رؤوس تحجب عني المشهد.
رأيت القلب النابض بوضوح. كان أكثر ما أسرني.
بقيت أراقب حركته، مأخوذة بإيقاعه الدقيق. ولليوم، ما زالت تلك الحركة تثير دهشتي كلما استعدت المشهد.
ثم بدأت أتتبع مواضع الأعضاء واحدًا تلو الآخر. كنت أبحث بعيني عن كل ما فاتني في المختبر، وكلما اكتشفت تفصيلًا جديدًا، دفعتني متعة الاكتشاف إلى متابعة البحث.
لم أكن أتعجل الانتهاء. كنت أريد أن أرى كل شيء، وأن أفهم أين يقع كل عضو، وكيف يتصل بما حوله. وكنت أتوقف بين ملاحظة وأخرى لأدوّن ما أراه في دفتر صغير، كأنني أعيد ترتيب ما تعلمته على الورق».
قالت أختها، وما زالت غير مصدقة: «يعني شرّحتِ الدجاجة لحالك؟»
«نعم». قالت عليا، ثم أضافت:
«ربما لو كنت في المقدمة يومها، لاكتفيت بما شاهدت، وانتهى الأمر عند تلك الحصة. لكن ما فاتني ترك أثرًا أكبر مما رأيته».
ساد الصمت بينهما لحظات، قبل أن تتابع عليا بصوت أكثر هدوءًا:
«ظل ذلك اليوم معي، لكنني لم أعد أراه بالطريقة نفسها. حين اتسع وعيي بالرفق بالحيوان وبالمسؤولية التي ترافق البحث العلمي، حزنت لأن فضولي يومها لم يترك مساحة للتفكير في ألم الدجاجة.
كنت أريد أن أعرف، ولم أكن قد تعلمت بعد أن للطريقة التي نبحث بها عن المعرفة أهميتها أيضًا».
قالت أختها: «ما أنتِ ما كنتِ واعية لكل هاي الأشياء وقتها».
هزت عليا رأسها:
«صحيح. كنت أرى العلم يومها من زاوية الاكتشاف وحده. احتجت إلى سنوات حتى أفهم أن المعرفة لا تنفصل عن الرحمة والمسؤولية».
سكتت عليا قليلًا، ثم أضافت:
«أما ذلك القلب الذي لمحته بين رؤوس زميلاتي، ثم رأيته ينبض بوضوح أمامي، فما زالت حركته حاضرة في ذهني إلى اليوم.
يومها كنت أبحث عن إجابة، ولم أكن أعرف أن تلك اللحظة ستقودني إلى أسئلة لا تنتهي».
قالت أختها بدهشة: معقول كل هذا بدأ من كم ثانية؟»
ابتسمت عليا:
«كانت نبضة قصيرة… لكنها فتحت أمامي طريقًا طويلًا».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب