حكايات في التعلّم الكاتب: تفيدة الجرباوي

حكايات في التعلّم
الكاتب: تفيدة الجرباوي
الحكاية ١٨
وصية الأرض
كان جود في السابعة من عمره عندما بدأ ينتظر موسمَي الزيارة إلى أراضي العائلة في القرى المجاورة بشوق خاص. فمرافقة عمّه في تلك الرحلات كانت متعة لا تضاهيها متعة أخرى.
فجود كان يعيش في المدينة، أما تلك الأراضي فبدت له عالماً مختلفاً تماماً.
كانت الزيارة تمتد عدة أيام في كل موسم. وهناك، كان يشعر أنه يغادر حياة المدينة المزدحمة إلى حياة أبطأ وأكثر اتساعاً.
كان العمال ينشغلون بحصاد المحاصيل الوفيرة، بينما يتنقل عمّه بينهم يتفقد الزرع ويشرف على العمل.
وكان جود مأخوذاً بخيرات الأرض.
بطيخات ضخمة لم يرَ مثلها في الأسواق، وشمامات كبيرة تفوح رائحتها الحلوة من بعيد.
وكان ينتظر لحظة شق البطيخة أكثر من أي شيء آخر. فما إن تُسمع طقطقتها الخفيفة حتى يظهر قلبها الأحمر المرصع بالبزر البلدي الأسود المنقط.
وبعد انتهاء الحصاد كانت تُحمّل الكارّة التي يجرها البغل بالبطيخ والشمام.
ولم تكن تلك الحمولة للبيع.
كان عمّه قد خصصها للأقارب.
تتوقف الكارّة أمام كل بيت، فيُنزل منها خمس أو ست بطيخات، ومثلها من الشمام.
وكان جود يقفز مسرعاً ليساعد في حملها إلى داخل البيوت.
وفي كثير من الأحيان كان يساعد أصحاب الدار في ترتيبها تحت الأسرّة حيث تبقى أبرد وتحافظ على نكهتها مدة أطول.
وكان يظن أن عمّه يوزّع البطيخ والشمام فقط. لكنه أدرك لاحقاً أنه كان يوزّع معهما المودّة وصلة الرحم أيضاً.
وفي القرية كانت للعائلة دار قديمة خُصصت غرفها لتخزين الغلال بعد الحصاد.
وكان جود يحب دخول تلك الغرف.
تملؤها رائحة القمح، والسمسم، والحمص، والشعير.
وتنتصب فيها أكوام المحاصيل كأنها كنوز خرجت تواً من الأرض.
في أحد الصباحات دخل العم إلى غرفة الغلال وقال:
«هيا يا جود، أحضر الأكياس الورقية».
أسرع جود وجمعها.
أخذ العم يملأ الأكياس من القمح والشعير والحمص، ويكتب على كل واحد منها اسم صاحبه.
راقبه جود وسأل: «لمن هذه الأكياس يا عمي؟».
ابتسم العم: «لأناس يحتاجونها أكثر منا».
ثم أشار إلى الأكياس: «هذا لأبي محمود، وهذا لأم سالم».
سأل جود: «لو بعنا هذه الأكياس سنحصل على مال أكثر، أليس كذلك؟».
ربت العم على كتفه: «صحيح».
«إذاً لماذا نعطيها للناس؟».
أغلق العم الكيس الذي بين يديه وقال:
«لأن الأرض لا تبارك لمن يأخذ منها ولا يعطي».
ساعده جود في وضع الأكياس داخل الخرج المعلّق على ظهر الفرس.
وحين اكتمل التحميل امتطى العم فرسه، وصعد جود خلفه.
وانطلقا بين الحقول والطرقات الترابية التي تربط بيوت القرية بعضها ببعض.
عند أول بيت ترجّل العم.
وكاد جود يقفز مسرعاً من على ظهر الفرس.
فضحك العم: «على مهلك يا جود».
ثم أمسك بيده وأضاف: «اجعل المسافة بين خطاك صغيرة».
«ففي كل خطوة تخطوها لمساعدة الناس أجر وثواب».
حمل جود الكيس وسار على مهل كما أوصاه عمه.
وتكرر المشهد من بيت إلى آخر؛ كيس يُسلّم، وسؤال عن الأحوال، ودعوات صادقة تودعهما في الطريق.
وفي أحد البيوت استقبلت امرأة مسنّة جود بابتسامة وقالت:
«الله يجعلك من أهل الخير».
وظلت العبارة ترافقه بقية الطريق.
وكان يلاحظ شيئاً واحداً في كل بيت.
لم يكن الناس يفرحون بالغلال وحدها.
بل كانوا يفرحون لأن أحداً تذكّرهم.
أما الرحلات على ظهر الفرس فكانت الأقرب إلى قلب جود.
كان يحب أن يربّت على عنقه قبل الانطلاق، ويستمع إلى وقع حوافره المنتظم على الطريق الترابي.
وفي الطريق كان العم يحدّثه عن الخيول العربية الأصيلة؛ كيف يعرفها من شكل رأسها واتساع عينيها وخفة حركتها، وكيف تُطعم وتُعتنى بها حتى تبقى قوية ومعافاة.
كان العم يجد في تلك الرحلات وقتاً للحديث، بينما كان جود يصغي ثم يسأل ليكتشف عالماً جديداً.
وفي أحد الأيام، بينما كانا يسيران بين الحقول، التفت العم إلى جود وقال:»اسمعني يا جود».
وأضاف: «أعرف أنك ما زلت صغيراً على ما سأقوله، لكن جزءاً منه سيبقى في ذهنك».
وأشار إلى الأرض الممتدة أمامهما، وقال:
«هل تعرف اللاصّة التي يرشقها الأولاد على الجدار؟».
ضحك جود: «طبعاً».
فقال العم: «حتى عندما تسقط، يبقى جزء منها ملتصقاً بالحائط».
تابع: «وكذلك الكلام».
«قد لا تتذكره كله اليوم، لكن شيئاً منه سيبقى معك عندما تكبر».
سارا قليلاً، ثم سأل العم:
«شو فكرك نستفيد من الأرض؟».
فكر جود للحظات: «منها مناكل».
وأشار إلى الأشجار القريبة: «وفيها رمان وبرقوق وتين».
أضاف: «ومنمشي فيها ومنلعب».
«والخيول بتعيش فيها».
«وفيها فراشات وعصافير».
ضحك العم: «أحسنت».
ثم نظر إلى الأشجار الممتدة أمامهما وأضاف:
«جدودنا زرعوا الليمون والزيتون فأكلنا من خيرهما».
«ونحن نزرع ليأكل من بعدنا».
تابع: «علينا ألا نفكر بأنفسنا فقط».
«الأرض تعطي أكثر مما نظن».
«منها نأكل».
«ومن مائها نشرب».
«وعليها نبني بيوتنا».
«وفيها نجتمع بأهلنا وأصحابنا».
ثم التفت إليه مباشرة وقال:
«حافظ على الأرض».
«لا تفرّط فيها».
«ولا تبيعها بسهولة».
«أنت أكبر أبناء عمك، وسيأتي يوم تصبح فيه مسؤولاً معهم عنها».
«إذا أراد أحدهم بيعها، فحاول أن تثنيه».
«فالمال يأتي ويذهب».
«أما الأرض، فإذا ذهبت لا تعود».
ثم أكمل بهدوء:
«كل جيل يستلمها ممن قبله».
«ويعتني بها».
«ثم يسلمها لمن بعده».
ثم ختم حديثه قائلاً:
«تذكّر دائماً يا جود..».
«ما نرثه من الأرض ليس التراب وحده».
«نرث معها حياة من سبقونا».
«ونسلمها أمانة لمن سيأتون بعدنا».
لم يفهم جود يومها كل ما قصده عمّه.
لكنه أدرك لاحقاً أن الرجل لم يكن يورّثه أرضاً فحسب.
كان يورّثه علاقة بالأرض تقوم على رعايتها وعدم استنزاف مائها وخيراتها، وعلاقة بالناس تقوم على مشاركة الخير لا احتكاره، وعلى شعور بالانتماء إلى أرضٍ نرثها أمانة ونسلّمها لمن بعدنا.
فالأرض التي تعطي تستحق أن نحسن رعايتها.




