
حكاية الكاتب الذي مات قبل أن يكتب.
بقلم زكريا نمر -السودان –
لم يعد المشهد الثقافي بحاجة الى ضوء اضافي كي نرى الحقيقة فقد انكشف كل شيء. الكلمات التي يفترض ان تكون ضمير المجتمع صارت تستأجر، والاقلام التي يفترض ان تفضح الظلم اصبحت حرسا لمعابده. وسط هذا الخراب، يتقدم الكاتب الميت كصوت هش يكرر ما يملى عليه، بينما يواصل الواقع انهياره بلا مقاومة تذكر.
في واقع تتكاثف فيه طبقات النفاق الاجتماعي كما تتكاثر الطحالب فوق الماء الراكد، نجد انفسنا وسط معركة يختلط فيها صوت الاكاذيب بدخان التقديس الاعمى للاصنام البشرية. وبينما يغرق البعض في تمجيد الوهم، ينهض صاحب القلم الحر ليشق الظلام بومضة وعي، محاولا ايقاظ عقول ارهقها الخداع واستنزفتها الشعارات.ورغم تعاقب الحكومات وتبدل الوجوه، لا تزال الحقوق الاساسية مجرد حلم بعيد، ولا تزال المعيشة الكريمة رفاهية لا تعرف طريقها الى الناس. ومع ذلك، لا يزال البعض يصر على النظر الى هذه الانظمة بوصفها الخلاص، غافلين عن الخراب الذي تخلفه سياسات العمى والاستبداد.
الكاتب الميت يدافع عن المستبد. الكاتب الميت ينسج الاكاذيب ويمنحها ثوب الحقيقة. الكاتب الميت يقرع طبول التمجيد لكل صنم. الكاتب الميت لا يعرف شيئا عن الانسان وكرامته. الكاتب الميت يصمت عن اغتصاب النساء وقتل الابرياء. الكاتب الميت يعجز عن فضح الفساد لانه جزء من منظومته. الكاتب الميت يمجد قبيلته كأنها الوطن كله. الكاتب الميت يكتب تاريخ الاشخاص وينسى تاريخ البلاد. الكاتب الميت قلمه مرتش، وضميره مفقود. الكاتب الميت يرى التغيير تهديدا، والبناء عبئا.
وسيبقى هذا الكاتب الميت يلوث وعي الناس، مزينا وجه نظام يأكل ابنائه بينما يختبئ خلف شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع.اما نحن، فنقاتل من اجل ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ الوطن؛ مرحلة تبنى على وعي الشباب وتضحياتهم، لا على فلسفة المظاهر ولا على غرور الذات. فالانسان الحقيقي يصنع مجده حتى وهو يعيش تحت ظلال انظمة شمولية تقمع كل صوت حر.
ان واقعنا لا يحتاج الى مزيد من التواطؤ، بل يحتاج الى شجاعة وبصيرة. فالنفاق الاجتماعي خطر يمزق نسيج المجتمعات، ولا بديل امامنا سوى مواجهة المرحلة القادمة بوعي ومسؤولية. وان اردنا وطنا يسوده السلام والعدالة، فعلينا ان نرفض تحويل الانسان الى فريسة، وان نتمسك بقيم الكرامة والحرية، وان نبحث عن حلول تنقذ هذا المستقبل الذي يقف الان على حافة المجهول.



