حمل تشوبه المخاوف.. شبح الإجهاض يلاحق الحوامل في غزة

حمل تشوبه المخاوف.. شبح الإجهاض يلاحق الحوامل في غزة
غزة: ببطن أثقله حمل في شهره السابع، ترفع الفلسطينية هديل المدني غالون المياه وتتنقل به داخل خيمتها، مؤدية مهاما يومية بسيطة حولتها حرب الإبادة الإسرائيلية إلى أعباء شاقة تستنزف جسدها وتثير مخاوفها على جنينها.
فالغسيل والطهي وجلي الأواني وتنظيف مكان الإقامة، هي أعمال كانت تُنجز قبل الحرب في وقت قصير، لكنها اليوم باتت تتطلب ساعات من الجهد، بدءا من جلب المياه وحملها، مرورا بغسل الملابس وعصرها يدويا، وصولا إلى إشعال النيران لطهي الطعام.
وتؤدي النساء الفلسطينيات في غزة هذه المهام في ظروف إنسانية قاسية، تحت سيف حرارة الصيف التي تختزنها خيام مصنوعة من أقمشة بلاستيكية رديئة، فتحولها خلال ساعات النهار إلى أماكن يستحيل الإقامة فيها.
كما فاقم صعوبة ظروف الحياة داخل الخيام استمرار انقطاع التيار الكهربائي منذ بدء إسرائيل حرب الإبادة الجماعية.
ولا تتوقف آثار هذه الظروف عند الإرهاق اليومي، إذ تتزايد مخاوف الحوامل من فقدان أجنتهن، في ظل حالة نزوح متواصلة وسوء تغذية وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية، فضلا عن الجهد البدني الشاق وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام.
وتشير معطيات وزارة الصحة في قطاع غزة إلى تسجيل 3 آلاف و958 حالة إجهاض خلال النصف الأول من عام 2026، بمعدل 208.5 حالات لكل ألف مولود حي، مقابل 64 حالة لكل ألف مولود حي خلال النصف الثاني من عام 2025، ما يعني تضاعف المعدل 3.3 مرات.
قلق على الجنين
وسط هذا الواقع، تعيش المدني قلقا متواصلا على جنينها، بينما تقضي يومها في إنجاز أعمال مرهقة بلا مياه جارية أو كهرباء أو وسائل تبريد في حياة تصفها بـ”المأساوية” داخل الخيام.
وفي أحد أركان الخيمة، تتفقد المدني أدويتها التي تحتفظ بها بين مقتنياتها القليلة، متخوفة من تأثرها بالحرارة الشديدة التي يختزنها المكان أو بوجود القوارض التي تختبئ بين المقتنيات وفي تربة الخيمة.
وتقول المدني: “حياتنا صعبة، نحن غير قادرين على التأقلم. الحياة مأساوية وصعبة جدا على الحوامل في الخيام”.
وأعربت عن تخوفها من أن تلقي هذه المتاعب والظروف القاسية بتداعياتها على صحة جنينها، قائلة: “أخشى أن يكون لدى طفلي تشوهات أو مشاكل بسبب الظروف القاسية والحر. الجو خارج الخيمة يكون أحيانا أبرد من داخلها”.
ولادة محفوفة بالخوف
في خيمة أخرى، تنتظر الفلسطينية دعاء النجار ولادتها خلال أيام، بعدما دخل حملها شهره التاسع، وسط معاناتها مضاعفات صحية جراء الظروف المعيشية التي فرضتها الخيمة.
وقالت النجار إن حرارة الخيمة تؤثر عليها بشدة وتصيبها بارتفاع في درجة حرارة جسدها، ما يضطرها للذهاب إلى الطبيب للعلاج.
وأضافت أنها ذهبت، الخميس الماضي، للعيادة الصحية بعدما شعرت بارتفاع حرارتها، ما أثار مخاوفها من إصابتها بمشكلة صحية قد تؤثر على جنينها.
وتابعت: “أشعر بالخوف على الحمل، ومتأثرة (من هذه الظروف)، وأنتظر أن يأتي المولود سليما”.
تهديد جديد
تقارن النجار بين حملها اليوم وفي الفترة التي سبقت الحرب، قائلة إن الحامل قبل الحرب كان يتوفر لها الطعام وراحة البال والاحتياجات الأساسية.
وأوضحت أنها اليوم لا تجد شيئا مما يحتاج إليه مولودها المرتقب، من ظروف الحياة ومستلزماتها، سواء فيما يتعلق بالسرير أو الملابس أو الحفاضات أو الحليب.
ورغم اقتراب موعد ولادتها، إلا أن النجار ما زالت تفكر في كيفية تأمين هذه المستلزمات، في وقت تسعى فيه أسرتها لتوفير احتياجاتها الأساسية اليومية.
كما تلاحق النجار مخاوف من انتشار القوارض والحشرات والخطر المحتمل على حياة جنينها منها، في ظل غياب سرير مرتفع يمكن أن يحاط بحماية له.
وقالت عن ذلك: “أخاف عليه من الفئران والجرذان والحشرات وحرارة الخيمة. يجب أن يكون له سرير يحميه منهم”.
صعوبات متعددة
داخل مستشفى الحلو الدولي في حي النصر غربي مدينة غزة، تنتظر عشرات الحوامل دورهن لإجراء الفحوصات والاطمئنان على صحة أجنتهن.
ويقول رئيس قسم أمراض النساء والتوليد في المستشفى إياد أبو حصيرة إن الحوامل واجهن خلال الحرب صعوبات متعددة كالنزوح المتكرر وتدمير المنازل وانهيار الرعاية الصحية الأولية جراء الدمار الذي طال المستشفيات والمرافق الطبية.
وأوضح أن الحوامل عشن خلال الحرب وما بعدها في أماكن غير صالحة للإقامة مثل الخيام التي لا تتوفر فيها المياه الجارية أو الكهرباء، واضطررن كذلك للقيام بمهام شاقة مثل رفع غالونات المياه من مكان لآخر ما عرض حياة الأجنة للخطر.
وذكر أن هذه الظروف تسببت بمشاكل صحية للحوامل منها فقر الدم، حيث أظهرت معطيات وزارة الصحة أن الإجهاض خلال النصف الأول من 2026 تضاعف أكثر من 3 مرات مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025.
مضاعفات صحية وإجهاض
وتعكس بيانات وزارة الصحة في غزة اتساع المخاطر التي تحيط بالحوامل رغم اتفاق وقف إطلاق النار، إذ سجل القطاع نحو 3 آلاف و958 حالة إجهاض خلال الفترة الممتدة من يناير/ كانون الثاني حتى يونيو/ حزيران 2026.
وأشار إنفوغرافيك نشرته الوزارة في 20 يوليو/ تموز الماضي، إلى أن معدل الإجهاض خلال النصف الأول من العام الجاري بلغ 208.5 لكل ألف مولود حي، مقابل 64 حالة لكل ألف مولود حي خلال النصف الثاني من عام 2025، أي أنه تضاعف 3.3 مرات.
ووفق الوزارة، سجل شهر أبريل/ نيسان الماضي أعلى معدل شهري للإجهاض بواقع 377.25 حالة لكل ألف مولود حي، في حين سجل يونيو أعلى رقم لحالات الإجهاض بواقع 790 حالة.
وتشير البيانات إلى أن 73.6 بالمئة من حالات الإجهاض وقعت خلال الثلث الأول من الحمل، أي قبل إتمام الأسبوع 13، مقابل 26.4 بالمئة خلال الثلث الثاني، الممتد من 13 حتى 24 أسبوعا من الحمل.
كما أظهرت البيانات إصابة 57.1 بالمئة من الحوامل المسجلات خلال عام 2025 بفقر الدم، مقابل 42.9 بالمئة لم يسجلن إصابات.
(الأناضول)




