حوار مع بلال شلش: سقوط يافا وأثر مقاومتها على المناطق الأخرى

حوار مع بلال شلش: سقوط يافا وأثر مقاومتها على المناطق الأخرى
يقدّم الباحث بلال شلش، في هذا الحوار شرحا حول كيف أثّرت معركة يافا على مسار الأحداث في مناطق فلسطينية أخرى، وما إذا كانت المدينة قد شكّلت نقطة تحول في تاريخ النكبة عام 1948.
يختلف المؤرخون في تحديد التاريخ الدقيق لسقوط يافا، فبينما يذهب البعض إلى تاريخ 26 نيسان/ أبريل 1948، الذي يصادف هجوم واجتياح منظمة “إيتسل” للمدينة للمرة الأولى، يفضل آخرون تاريخ 13 أيار/ مايو 1948، الذي يتزامن مع ما يُعرف باتفاقية تسليم يافا أو استسلامها، بعد تهجير الغالبية الساحقة من أهلها ومغادرة المقاتلين الذين دافعوا عنها، والبالغ عددهم 1500 متطوع، كانوا يواجهون 5000 جندي صهيوني.
فيما بدأ هجوم منظمتَي “الهاغاناه” و”إيتسل” على المدينة، وفقًا لما يقوله المؤرخ إيلان بابه، في أواسط نيسان/ أبريل، وانتهى بسقوطها في 13 أيار/ مايو، لتكون يافا آخر المدن الفلسطينية التي تسقط بأيدي المنظمات الصهيونية، بالتزامن مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين والإعلان عن إقامة دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايو 1948.

حول سقوط يافا ومقاومتها التي ربما شكلت حالة فريدة مقارنة بسائر المدن الفلسطينية، أجرينا هذا الحوار مع الباحث بلال شلش، صاحب كتاب “دم على حجر: سقوط يافا والفعل المقاوم”.
“عرب 48”: بعكس حيفا وغيرها من المدن الفلسطينية، يبدو أن يافا شهدت مقاومة شديدة، وكانت آخر المدن الرئيسية التي سقطت في فلسطين، وكأن سقوطها كان سقوطًا للبلد بكامله؟
شلش: في البداية، هناك حاجة لمراجعة هذا القول، لأنه فعليًا لا تكاد توجد مدينة فلسطينية لم تقاتل، لكن هناك تفاوتًا في حجم القتال وحدّته بين مدينة وأخرى، وهذا يرتبط أساسًا بحجم القوة المتوفرة لدى كل مدينة، وهو ما لا تتوفر حوله معلومات كافية.
نحن نعرف ما حدث في يافا لسبب بسيط، وهو أننا استطعنا الوصول إلى يوميات مقاتلي يافا من شباط/ فبراير 1948 حتى نيسان/ أبريل من العام نفسه، أي حتى آخر أيام الاشتباك تقريبًا، ما مكّننا من إجراء مراجعة دقيقة، وأتاح لنا أرشيفًا للمقاتلين يقدّم تفاصيل عن كمية الذخيرة والسلاح وأوقات الاشتباك، وتأثير هذه الاشتباكات، إضافة إلى تفاعلهم مع القوات الصهيونية.

بمعنى أنه إذا ازدادت قوة القوات الصهيونية ازدادت قوة المقاتلين العرب أيضًا، وهذا جعلنا قادرين على تصور المعركة في يافا يومًا بيوم، في حين أن أرشيف حيفا موجود لكنه غير متاح، وهناك محاولات لاستعادته.
“عرب 48”: الروايات تقول إن حيفا سقطت خلال يوم واحد؟
شلش: هي في النهاية سقطت في يوم واحد، لكن القتال فيها استمر من كانون الأول/ ديسمبر 1947 وحتى 22 نيسان/ أبريل 1948، وما حسم المعركة في النهاية كان التدخل البريطاني لصالح القوات الصهيونية.
هذا نراه أيضًا في طبرية وصفد وغربي القدس؛ إذ لا نرى نتائج هذه المعارك بوضوح لأن هذه المدن سقطت، لكن الحرب كانت سلسلة تراكمات، واستمرت نحو سنة ونصف تقريبًا، وشهدت مناطق سقطت لكنها في الوقت نفسه منعت سقوط مناطق أخرى.
يافا نموذج واضح على ذلك، إذ إن القوة التي رُصدت من قبل المنظمات الصهيونية هناك تراوحت بين خمسة إلى عشرة آلاف شخص، مقابل 1500 مقاتل عربي.
هذا القتال، الذي استمر نحو خمسة أشهر، شغل نحو 10 آلاف جندي صهيوني كان يمكن أن يُستخدموا في جبهات أخرى. وعندما جاءت الحاجة لفتح طريق القدس في إطار عملية “نحشون”، التي هدفت إلى قطع الطريق أمام القوات القادمة عبر أريحا، عجزت المنظمات الصهيونية عن ذلك بسبب نقص القوات.
وكما هو معروف، فإن نجاح عملية “نحشون” كان سيفتح طريق باب الواد أمام القوافل نحو المناطق الداخلية، وبالتالي فإن السيطرة على أريحا ومنطقة القدس كانت تعني محاصرة مناطق واسعة تشمل بدو، وبيت سوريك، وبيت إكسا، والعيسوية، وأبو ديس، وصولًا إلى أريحا.

السبب الرئيس في فشل عملية “نحشون” أنهم لم يتمكنوا من حشد قوات كافية، لأن القوة الأساسية كانت منشغلة في منطقة تل أبيب، ولم يكن بالإمكان نقل عدد كبير من المقاتلين بسبب القتال الدائر في يافا. في الوقت نفسه، كان هناك تركيز على رواية تفيد بأن يافا بدأت بتصنيع “مدفع محلي”، ما شكّل هاجسًا لدى بن غوريون، الذي خشي من تطوره، حتى إنه فكّر في إرسال فرقة لتفجيره لاعتقاده بأنه قد يشكل خطرًا على تل أبيب.
وبالتالي فإن حجز القوات الصهيونية في منطقة المركز منع سقوط مناطق في الجنوب، وأدى إلى تأخير السيطرة على مناطق أخرى، وحافظ على مناطق بقيت خارج السيطرة.
“عرب 48”: تقصد شرقي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة؟
شلش: الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة، وكذلك الداخل الفلسطيني عام 1948. بمعنى أن أحد أسباب بقاء مناطق الجليل والمثلث والنقب هو أن مصيرها كان سيختلف لو واجهتها القوات الصهيونية في تلك الفترة، في ظل معطيات دولية وميدانية مختلفة. إذ إن سرعة القتال والسيطرة حالت دون تنفيذ مخططات تهجير شاملة.
“عرب 48”: تقصد أن بقاء الجليل والمثلث والنقب “عامرًا” يعود إلى تأخر احتلاله؟
شلش: جزئيًا نعم. فبعض مناطق الجليل تم احتلالها في كانون الأول/ ديسمبر، وأجزاء أخرى في مراحل لاحقة. هذا الاحتلال المتأخر كان سريعًا وخاطفًا، ولم يترك وقتًا كافيًا لتنفيذ تهجير واسع، بخلاف ما حدث في 1948 في مناطق أخرى.
كما أن بعض السكان قرروا البقاء بعد رؤية ما حدث للنازحين في مناطق أخرى مثل الطيبة والطيرة وغيرها من بلدات المثلث.
“عرب 48”: لكن هذه المناطق جرى تسليمها لإسرائيل بعد اتفاقية الهدنة مع الأردن عام 1949؟
شلش: صحيح، لكن سكانها قرروا البقاء فيها رغم ضمها لإسرائيل، بعد أن رأوا ما حدث للنازحين، رغم أن الاتفاقيات منحتهم خيار البقاء أو المغادرة مقابل تعويضات.
يمكن القول إن صمود المقاتلين في يافا ومناطق أخرى أتاح فرصة بقاء هذه المناطق، وهو ما جعل فلسطين تبقى على الخريطة. نموذج يافا يتكرر أيضًا في القدس وأحيائها الغربية مثل القطمون والبقعة.

لدينا اليوم وثائق جديدة من مقاتلي حي القطمون تُظهر حجم القتال الذي جرى هناك، والذي لم يكن لحظة أخيرة فقط، بل امتد على مدى 4 – 5 أشهر قبل أن يخرج المقاتلون شهداء أو جرحى في الأيام الأخيرة.
وبالتالي فإن احتدام القتال في القطمون منع القوات الصهيونية من الوصول إلى البلدة القديمة قبل دخول القوات الأردنية في 18 أيار/ مايو، ما ساهم في منع سقوط القدس بالكامل.
بمعنى أنه لو تمكنت القوات الصهيونية من حسم معركة “نحشون” ومعركة القطمون مبكرًا، لسقطت القدس والضفة الغربية بالكامل.
“عرب 48”: يافا هي بوابة القدس وفلسطين كما يقال؟
شلش: بل هي شوكة في خاصرة المشروع الاستيطاني الصهيوني. صمودها شكّل تحديًا حقيقيًا، وإن كان بن غوريون قد حاول التقليل من أهميتها، فإن بيغن قال لاحقًا إنه لو صمدت يافا أيامًا إضافية حتى دخول القوات المصرية، لأصبحت سكينًا في خاصرة المشروع الصهيوني.
لكن يجدر التنويه أيضًا أن يافا لم تسقط عسكريًا بالمعنى المباشر، بل إن أسباب السقوط كانت تنظيمية وتراكمية، مع فشل “الهاغاناه” في احتلال “تل الريش”، إضافة إلى انهيارات داخلية وصراعات قيادية داخل الحامية.
كان قائد الحامية في يافا صلاح الناظر، وقد غادر المقاتلون مع عتادهم باتجاه اللد، حيث توزعوا وأكملوا القتال في مناطق أخرى. كما أن وثائق يوميات المقاتلين التي بين أيدينا اليوم عُثر عليها في اللد وليس في يافا، ما يعزز فكرة أن سقوط المدينة كان سقوطًا منظمًا.
*بلال محمد شلش مؤرخ ومرشح لبرنامج الدكتوراه في العلوم الاجتماعية في جامعة بير زيت، ويعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بصفته مسؤولًا عن أرشيف ذاكرة فلسطين ومنسقًا لفلسطين في هيئة البلدان ضمن الموسوعة العربية “أرابيكا”. يتمحور عمله البحثي حول تاريخ المقاومة الفلسطينية المسلحة.
صدرت له أعمال عدة، منها: شيء عابر… نابلس تحت الاحتلال (حزيران/ يونيو 1967 – آذار/ مارس 1969): مذكرات ووثائق حمدي طاهر كنعان، دراسة وتحقيق (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023).
كما صدر له عن حرب 1947 – 1949 كتاب: داخل السور القديم.. نصوص قاسم الريماوي عن الجهاد المقدس، دراسة وتحقيق (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، إضافة إلى كتاب يافا: دم على حجر.. حامية يافا وفعلها العسكري: دراسة ووثائق (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).
عرب 48




