مقالات

حين يقترب البرلمان.. هل يحق للقرار بقانون أن يسبق إرادة الناخب؟

نقابة المحامين تضع الإصبع على الجرح الدستوري: الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى سلطة تشريعية دائمة

حين يقترب البرلمان.. هل يحق للقرار بقانون أن يسبق إرادة الناخب؟

نقابة المحامين تضع الإصبع على الجرح الدستوري: الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى سلطة تشريعية دائمة

بقلم رئيس التحرير 

لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: هل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. السؤال الأخطر هو: من يملك حق التشريع، ومتى، وتحت أي ظرف؟

هذا هو جوهر الموقف الذي عبّر عنه أمين سر نقابة المحامين المحامي أمجد الشلة، عندما دعا إلى وقف التعديلات على القوانين، أو على الأقل التعديلات غير العاجلة، في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية. وهي دعوة تستحق أن تُقرأ باعتبارها موقفاً دستورياً ومهنياً، لا مجرد اعتراض نقابي على قرار بقانون بعينه.

فالقانون الأساسي الفلسطيني جعل المجلس التشريعي صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، بينما جاءت المادة (43) كاستثناء يسمح لرئيس السلطة بإصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، على أن تعرض لاحقاً على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها، وإلا زال ما لها من قوة القانون.

وهنا بيت القصيد: الاستثناء الدستوري لا يمكن أن يتحول إلى أصل، ولا يجوز أن يصبح غياب البرلمان مبرراً مفتوحاً لممارسة الوظيفة التشريعية دون سقف زمني أو موضوعي.

لقد حدد المرسوم الرئاسي يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، أي إن المجتمع الفلسطيني أمام مسار معلن لاستعادة المؤسسة التشريعية المنتخبة.

ومن هنا تصبح المسألة أكثر حساسية: عندما يكون البرلمان على مرمى أسابيع، هل من الحكمة الدستورية أن تستمر السلطة التنفيذية في إصدار تعديلات جوهرية تمس قوانين تنظم حقوق المواطنين ومراكزهم القانونية، ما لم تكن هناك ضرورة حقيقية لا تحتمل الانتظار؟

الإجابة القانونية الدقيقة ليست أن كل قرار بقانون يصدر قبل الانتخابات يصبح باطلاً تلقائياً؛ فهذا استنتاج لا تسنده المادة (43). لكن الصحيح أن عبء تبرير الضرورة يصبح أكثر إلحاحاً كلما اقترب موعد انعقاد السلطة التشريعية المنتخبة.

فالضرورة شيء، والملاءمة شيء آخر. والفراغ التشريعي العاجل شيء، والرغبة في تطوير قانون أو إعادة هيكلة مؤسسة أو تعديل قواعد مستقرة شيء آخر.

وتزداد خطورة المسألة عندما يتعلق التشريع بالأراضي والتسوية والملكية والتقاضي. فقد صدر القرار بقانون رقم (19) لسنة 2026 بشأن محاكم تسوية الأراضي والمياه في 24 آب/أغسطس 2026، وحدد لنفاذه تاريخ 29 أيلول/سبتمبر 2026.

ليس الاعتراض هنا على مبدأ تطوير منظومة العدالة أو إصلاح نظام التسوية؛ فالإصلاح ضرورة، ولكن الإصلاح ذاته يجب أن يحترم الدستور. وعندما تكون هناك انتخابات تشريعية مقررة، فإن التشريعات الجوهرية التي لا تحتمل وصف الضرورة العاجلة ينبغي، من حيث الأصل، أن تترك للمجلس المنتخب.

وهنا تظهر أهمية نقابة المحامين.

النقابة ليست سلطة تشريعية، ولا تدّعي لنفسها أن تحل محل البرلمان أو المحكمة الدستورية. لكنها بحكم رسالتها المهنية والقانونية معنية مباشرة بسلامة التشريع، واستقلال القضاء، وحماية حقوق المتقاضين، وصيانة سيادة القانون.

ولذلك فإن صوتها ليس تدخلاً في السياسة، بل رقابة مهنية ومجتمعية على سلامة البيئة القانونية التي يعمل فيها القضاء والمحامون والمواطنون.

لقد طال غياب المجلس التشريعي، وطالت معه مرحلة التشريع الاستثنائي. والمشكلة ليست في وجود الاستثناء، وإنما في أن يعتاد النظام السياسي عليه حتى يصبح قاعدة.

الديمقراطية لا تعني فقط أن نذهب إلى صناديق الاقتراع؛ بل تعني أيضاً أن نحترم المؤسسة التي ينتخبها الشعب، وأن نترك لها مساحة ممارسة اختصاصها الأصيل.

ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة:

ما لا يحتمل التأخير فليُعالج وفق المادة (43)، وما يمكن تأجيله فليُترك للبرلمان القادم.

هذه ليست دعوة لتعطيل الدولة، وإنما دعوة إلى احترام الدستور. وليست مواجهة بين السلطة التنفيذية ونقابة المحامين، وإنما دفاع عن مبدأ أعلى: أن التشريع باسم الشعب يجب، في الظروف الطبيعية، أن يصدر عن ممثلي الشعب.

وعندما يصبح موعد الانتخابات محدداً، فإن أفضل اختبار لحسن النية الدستورية ليس زيادة القرارات بقوانين، وإنما الامتناع عن كل ما يمكن تأجيله، وتمكين المجلس التشريعي المنتخب من استعادة وظيفته التي غابت طويلاً.

فإذا كان الاستثناء قد نشأ بسبب غياب البرلمان، فإن اقتراب عودة البرلمان يجب أن يكون سبباً منطقياً لتقليص الاستثناء، لا لتوسيعه.

وهنا بالضبط تكمن مسؤولية نقابة المحامين: أن تبقى حارساً أميناً على سيادة القانون، وأن تقول إن الدستور ليس مجرد نصوص تُستدعى عند الحاجة، بل قواعد ملزمة للسلطة وللمجتمع وللمؤسسات كافة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب