حين يكون القانون فوق الجميع.. تبدأ الدولة
سيادة القانون وبناء المؤسسات وحماية الحقوق والحريات

حين يكون القانون فوق الجميع.. تبدأ الدولة
سيادة القانون وبناء المؤسسات وحماية الحقوق والحريات
بقلم: رئيس التحرير
إن بناء الدولة ومؤسساتها الوطنية لا يبدأ بكثرة الهياكل أو تعدد الأجهزة، وإنما يبدأ من قاعدة دستورية وسياسية راسخة قوامها سيادة القانون واحترام القانون الأساسي والقوانين النافذة. فالدولة القانونية هي التي تكون فيها ممارسة السلطة مقيدة بأحكام القانون، وتكون فيها الحقوق والحريات مصونة، وتخضع فيها جميع السلطات والمؤسسات والأجهزة والأفراد للقواعد القانونية، كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته.
وقد جعل القانون الأساسي الفلسطيني مبدأ سيادة القانون أساساً للحكم، بما يؤكد أن القانون يشكل الإطار الناظم لممارسة السلطة العامة وإدارة الشأن العام. ومن ثم، فإن احترام القانون لا يمثل التزاماً موجهاً إلى الأفراد وحدهم، بل هو التزام عام يشمل السلطات العامة والهيئات والمؤسسات والأجهزة، وفقاً للاختصاصات والصلاحيات التي يحددها القانون.
وتستند شرعية ممارسة السلطة إلى احترام مبدأ المشروعية، بحيث تكون القرارات والإجراءات الصادرة عن الجهات المختصة مستندة إلى أساس قانوني، وصادرة وفق الإجراءات المقررة، وفي نطاق الاختصاص، وبما ينسجم مع الحقوق والحريات التي يكفلها القانون الأساسي والتشريعات النافذة.
حماية الحقوق والحريات
إن سيادة القانون ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. فالحرية الشخصية حق أصيل ومكفول، ولا يجوز تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبالإجراءات والضمانات التي يحددها، وبما يراعي اختصاص الجهات القضائية المختصة.
ويشمل ذلك ضمان حقوق من يتعرض لإجراء يمس حريته، وفي مقدمتها معرفة الأسباب والحقوق القانونية ذات الصلة، والاستعانة بمحامٍ، واللجوء إلى القضاء، وضمان المحاكمة العادلة وحق الدفاع، مع احترام أصل البراءة إلى حين ثبوت المسؤولية بحكم قضائي وفقاً للقانون.
كما يشكل حظر التعذيب والإكراه وسوء المعاملة، واحترام الكرامة الإنسانية، جزءاً أساسياً من منظومة حماية الحقوق والحريات، ومن متطلبات العدالة وسيادة القانون.
حرمة المساكن والخصوصية
وتشمل حماية الحقوق كذلك حرمة المساكن والحياة الخاصة والخصوصية. فلا يجوز دخول المساكن أو تفتيشها أو مراقبتها أو اتخاذ أي إجراء يمس الخصوصية إلا وفقاً للأحكام والإجراءات التي يقررها القانون والجهات المختصة، وبما يكفل الضمانات القضائية حيث يشترط القانون ذلك.
ويجب أن تظل الصلاحيات التنفيذية والأمنية ضمن حدود الاختصاص القانوني، وأن تمارس وفق القواعد والإجراءات المقررة، باعتبار أن حماية النظام العام والأمن لا تنفصل عن احترام القانون والحقوق والحريات.
ممارسة الحقوق دون إضرار بالآخرين
وفي الوقت ذاته، فإن ممارسة الحقوق والحريات، بما فيها حرية الرأي والتعبير والمشاركة العامة، ينبغي أن تتم في إطار القانون وبما يحترم حقوق الآخرين وحرياتهم وكرامتهم، وفقاً للقيود التي يقررها القانون وبالقدر الذي تسمح به القواعد الدستورية والقانونية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراء أو ممارسة تتعلق بشخص أو مؤسسة ينبغي أن تستند إلى سبب قانوني مشروع، واختصاص محدد، وإجراءات واضحة، وألا تتجاوز الحدود التي رسمها القانون.
ولا يجوز أن تُفهم ممارسة الصلاحيات العامة باعتبارها سلطة مطلقة، كما لا يجوز أن تُفهم ممارسة الحقوق والحريات باعتبارها إعفاءً من احترام حقوق الآخرين أو القواعد القانونية الناظمة للمجتمع.
وهنا تتجسد المعادلة الأساسية لدولة القانون: الحقوق مصونة، والواجبات محددة، والصلاحيات مقيدة، والمساءلة تتم وفق القانون.
القضاء ضمانة سيادة القانون
ويظل القضاء المستقل والاحتكام إلى القانون من أهم ضمانات حماية الحقوق وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة. فالقضاء هو الجهة المختصة بالفصل في المنازعات وتطبيق القانون وفقاً للاختصاصات والإجراءات المقررة.
ومن ثم، فإن احترام استقلال القضاء وأحكامه وقراراته النهائية، وفقاً للأصول القانونية، يشكل ركناً أساسياً في بناء المؤسسات وترسيخ الثقة العامة، كما أن حق التقاضي ووسائل الطعن والمراجعة القانونية توفر الإطار المؤسسي لمعالجة أي خلاف أو تظلم أو نزاع.
وبذلك، تصبح المشروعية القانونية هي الوسيلة الطبيعية لمعالجة الاختلافات والنزاعات، بدلاً من تركها للتقديرات الشخصية أو الضغوط غير المنظمة أو خارج الأطر التي حددها القانون.
المساواة أمام القانون
ولا تكتمل سيادة القانون إلا بالمساواة أمامه، وتطبيق القواعد القانونية على أساس موضوعي مجرد، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية، مع احترام الفروق التي يقررها القانون بصورة صريحة ومشروعة.
فالقانون يكتسب قوته وثقة المجتمع به عندما يكون معياراً عاماً لتنظيم الحقوق والواجبات، وعندما تكون الإجراءات القانونية واضحة وقابلة للمراجعة، وعندما تتوافر الضمانات اللازمة لحماية الحقوق ومعالجة أي خلاف وفق الأصول القانونية.
من النص إلى ثقافة مؤسسية
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص وحدها، وإنما في تحويلها إلى ثقافة مؤسسية وسياسية وإدارية تحكم ممارسة السلطة وتوجه أداء المؤسسات.
وهذا يتطلب ترسيخ عدد من المبادئ: وضوح الاختصاصات، الالتزام بالقانون، احترام القضاء، ضمان حق التقاضي والدفاع، حماية الحقوق والحريات، تعزيز الشفافية، إخضاع المال العام للرقابة، وتوفير آليات فعالة للمراجعة والمساءلة وفق القانون.
كما يتطلب أن تكون ممارسة الصلاحيات العامة قائمة على قواعد موضوعية وإجراءات معلومة، وأن يكون لكل صاحب حق أو مصلحة وسيلة قانونية للطعن أو التظلم أو طلب المراجعة عندما يجيز القانون ذلك.
إن الدولة القوية ليست التي تتوسع فيها الصلاحيات دون ضوابط، وإنما التي تكون مؤسساتها قوية بالقانون، واضحة الاختصاص، خاضعة للرقابة، وقادرة على حماية الحقوق وتحقيق المصلحة العامة.
ولهذا فإن سيادة القانون ليست شعاراً سياسياً ولا مبدأً نظرياً، بل هي أساس استقرار المؤسسات وثقة المجتمع بها. وكلما ارتبطت ممارسة السلطة بالقانون، وأصبحت الحقوق والحريات جزءاً أصيلاً من العمل المؤسسي، تعززت شرعية الدولة وقدرتها على أداء وظائفها بكفاءة وعدالة.
وفي المحصلة، فإن بناء المؤسسات يبدأ من قاعدة واضحة:
القانون مرجعية الجميع، والسلطة تمارس اختصاصها في حدوده، والحقوق والحريات تحمى في إطاره، والخلافات تعالج من خلال مؤسساته وآلياته، والمساءلة لا تكون إلا وفق أحكامه وضماناته.
وهكذا تتحول سيادة القانون من نص دستوري إلى منهج للحكم، وثقافة للمؤسسات، وضمانة للمواطن، وأساس لدولة مستقرة وقادرة وعادلة.
فحين يكون القانون فوق الجميع، تصبح المؤسسات أقوى، وتصبح الدولة أكثر استقراراً، ويصبح المواطن شريكاً في بنائها، لا طرفاً في مواجهة معها.