عربي دولي

خامنئي يعيد هيكلة السلطة: «التيار الصلب» يتصدّر

خامنئي يعيد هيكلة السلطة: «التيار الصلب» يتصدّر

لا تبدو إعادة مجتبى خامنئي هيكلة القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية مجرّد عملية لملء الشواغر التي خلّفتها الاغتيالات، بل تعكس توجّهاً لتوحيد مراكز القرار، وتعزيز حضور «التيار الصلب» في الحرس، استعداداً لمواجهة طويلة مع واشنطن، وتحصيناً للجبهة الداخلية.

محمد خواجوئي

طهران | في خضمّ التجاذبات المحتدمة بين طهران وواشنطن، وحال الضبابية التي تكتنف المشهد الإقليمي، وعدم وضوح ما إذا كان الطرفان يتّجهان نحو المواجهة العسكرية المباشرة، أو نحو تهدئة التوترات عبر إحياء التفاهمات السابقة، بدأ المرشد الإيراني، آية الله مجتبى خامنئي، عملية إعادة هيكلة واسعة النطاق على أعلى المستويات العسكرية والأمنية في البلاد. فعبر سلسلة من الأحكام والتعيينات التي صدرت على مدار يومَين متتاليَين (الأحد والإثنين)، تمّ ملء الشواغر في المناصب الحيوية داخل «هيئة الأركان العامة» للقوات المسلحة و«الحرس الثوري» و«الباسيج»، في حين جاء تعيين محسن رضائي، ممثّلاً للمرشد في «المجلس الأعلى للأمن القومي» وأمیناً للأخير، لينبئ بتغيير جوهري في معادلات القوة داخل النظام.
وتأتي هذه التعيينات في إطار سدّ الثغرات القيادية التي خلّفتها عمليات الاغتيال التي طاولت كبار القادة الإيرانيين؛ إذ فُقدت خلال المواجهة الأخيرة أسماء ثقيلة كانت تشكّل ركائز أساسية في الهرم العسكري، ومن بين أبرزها رئيس «هيئة الأركان العامة» للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، والقائد العام لـ«الحرس الثوري»، محمد باکبور، وقائد القوات البحرية لـ«الحرس»، علي رضا تنكسيري، بالإضافة إلى قائد قوات «الباسيج»، غلام رضا سليماني. وعليه، جاءت أحكام المرشد لتعيد رسم خارطة القيادة عبر انتداب أسماء جديدة -من بينها علي عبداللهي، وأحمد وحيدي، وعلي عظمائي، وحسين طائب- لتولّي تلك المهام الحساسة، في ما من شأنه ضمان استمرارية العمليات العسكرية والأمنية في ظلّ ظروف استثنائية.

وكشف مضمون الأوامر الصادرة عن المرشد، بصفته القائد العام للقوات المسلّحة الإيرانية، عن تحوّلات في بنية هذه القوات، في مقدّمها دمج «هيئة الأركان العامة» مع «مقرّ خاتم الأنبياء المركزي». وقبل ذلك، كانت الهيئة تضطلع بدور المؤسسة العليا للتخطيط والتنسيق بين مجمل أفرع القوات المسلحة، فيما يتولّى «خاتم الأنبياء» أعلى مستويات القيادة العملياتية في زمن الحرب. ومن هنا، فإن تعيين اللواء علي عبد اللهي، الذي كان يتولّى سابقاً قيادة المقرّ، رئيساً للهيئة، يعني عملياً توحيد المؤسّستَين، ونقل خبرة القيادة الميدانية إلى قلب منظومة التخطيط والتنسيق العسكري. وبالفعل، كلّف حكمُ القائد العام، عبد اللهي بـ«استكمال دمج هيئة الأركان العامة مع مقرّ خاتم الأنبياء المركزي»، وهي مهمّة تشير إلى أن إيران تتّجه نحو مأسسة هياكل قيادتها الحربية، بما يرفع مستوى المرونة والفاعلية والتنسيق داخلها. كذلك، يحمل اختيار القائد السابق للقوات البرية في الجيش، العميد كيومرث حيدري، نائباً لرئيس «الأركان العامة»، دلالة على السعي إلى مدّ جسر مؤسسي بين الجيش و«الحرس»، عند أعلى مستوى من مستويات القيادة.
ولا يخلو انتقاء الشخصيات المشار إليها في هذه المرحلة المفصلية، من رسائل استراتيجية واضحة؛ فاللواء عبد اللهي يجمع في سيرته بين خبرة قتالية عريقة تعود إلى حقبة الحرب العراقية – الإيرانية، وبين دور محوري أداه في السنوات الأخيرة كقائد لـ«مقرّ خاتم الأنبياء»، حيث أدار ملفات استراتيجية كبرى، على رأسها العمليات الصاروخية، وتفعيل ورقة «مضيق هرمز» كرافعة ضغط عسكرية. وعلى المقلب الآخر، يمثّل تعيين اللواء أحمد وحيدي قائداً عاماً لـ«الحرس»، عودة لوجه مألوف إلى واجهة القيادة. ومع أن وحيدي، الذي كان يشغل منصب نائب القائد، تولّى تلك المهمّة عملياً عقب استشهاد باكبور، إلا أن صدور المرسوم الرسمي، أول من أمس، يضفي صبغة مؤسّسية نهائية على هذا الموقع. وبصفته مؤسّس «فيلق القدس»، ووزيراً سابقاً للدفاع في حكومة أحمدي نجاد، وللداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي، فإن ترقيته إلى رتبة لواء، ووضعه على رأس أقوى مؤسسة عسكرية في البلاد، يبعثان بإشارة حاسمة؛ خصوصاً أن وحيدي يعدّ، داخلياً وخارجياً، رمزاً لنهج الحزم والتشدّد في السياسة الإيرانية.

إيران تعيد ترتيب أوراقها لتكون في جاهزية قصوى

أمّا تعيين حسين طائب رئيساً لمنظمة «الباسيج»، فيشكل عودة لشخصية أمنية وازنة، سبق لها أن ترأست جهاز استخبارات «الحرس»، قبل أن تُعفى من منصبها عام 2022 عقب سلسلة من الاختراقات الأمنية والعمليات الإسرائيلية في الداخل الإيراني. ويُعرف طائب بقربه الشديد من الشبكة الأمنية والاستخباراتية المحيطة بالمرشد الحالي، وهو ما يجعل تعيينه على رأس «الباسيج»، القوة الشعبية الضخمة التي تضطلع بدور مفصلي في إدارة الأمن الداخلي، والتعامل مع أيّ اضطرابات محتملة، مؤشراً على توجّه نحو «أمننة» هذا الجهاز العريض في المرحلة المقبلة.
ولعلّ التحول الأبرز والأكثر دلالة في هذا المشهد، يكمن في إعادة موضعة محسن رضائي في قلب صُنع القرار السيادي؛ فالرجل، الذي يحمل في جعبته 16 عاماً من قيادة «الحرس»، وما يقارب عقدَين من رئاسة «مجمع تشخيص مصلحة النظام»، يعود اليوم في سن الحادية والسبعين، ليتصدّر مركز الثقل في رسم السياسات الأمنية والخارجية للجمهورية الإسلامية.
وممّا يمنح هذا التعيين أبعاداً استثنائية، هو الازدواجية الوظيفية التي يتمتّع بها رضائي؛ فمن جهة، يستمدّ الرجل شرعيته المباشرة من حكم المرشد بصفته ممثلاً له في المجلس، ومن جهة أخرى، يحمل تفويضَ الرئيس مسعود بزشكيان لتولي أمانة السرّ في هذه المؤسسة. ومن شأن تلك الازدواجية أن تمنحه نفوذاً غير مسبوق في صياغة الاستراتيجيات الأمنية، وتنسيق العمل بين المؤسسات المتعدّدة، مما يحوّله إلى حلقة الوصل الأقوى في هيكلية الدولة.
وتأتي هذه الخطوة لتنهي مرحلة انتقالية قصيرة، كان محمد باقر ذوالقدر قد تولّى خلالها أمانة السرّ لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر فقط -وذلك عقب استشهاد علي لاريجاني في الهجمات الإسرائيلية-، قبل أن يُنقل إلى منصب مستشار سياسي للمرشد. ومن الملاحظ أن ذوالقدر، طوال مدة تولّيه الأمانة، لم يُصدر أيّ قرار رسمي بصفته ممثلاً للمرشد في المجلس، ممّا يؤكد أن المرحلة السابقة كانت مجرّد ترتيب مؤقّت.

ولا يترك المشهد الذي ترسمه هذه التعيينات، مجالاً للشك في أن ثمّة استدارة استراتيجية في عقيدة إيران الأمنية. فالوجوه التي تصدّرت اليوم مراكز القرار في المؤسّستين العسكرية والأمنية، لا تنتمي فقط إلى مدرسة «الحرس»، بل تمثّل «التيار الصلب» الذي يتبنّى قراءة وجودية للصراع. ويعني ذلك أن إيران تعيد ترتيب أوراقها لتكون في حال جاهزية قصوى؛ ليس فقط للردّ على التحدّيات الخارجية، بل أيضاً لضبط الجبهة الداخلية، ومنع أيّ محاولات استغلال للضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن ضدّ طهران.
في المقابل، ورغم هذه التعيينات، لا تزال عدّة مواقع مفصلية في البنية الاستخبارية والأمنية الإيرانية، من بينها رئاسة استخبارات «الحرس»، ورئاسة جهاز استخبارات الشرطة، ووزارة الأمن، ووزارة الدفاع، من دون خلفاء رسميين ومعلنين. وتلك فراغات تكشف أن إعادة ترتيب هرم القيادة لا تزال غير مكتملة، وأن مسار الهيكلة الجديدة يمكن أن يتواصل في الأسابيع المقبلة.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب