خفض الفائدة: تحسن اقتصادي محدود

خفض الفائدة: تحسن اقتصادي محدود
الرهان الذي يقوم به بنك إسرائيل حاليًا هو أن التضخم المنخفض يسمح بإعطاء الاقتصاد مساحة أكبر للنمو من دون أن يؤدي ذلك سريعًا إلى موجة تضخم جديدة. إلا أن نجاح هذا الرهان يعتمد على عوامل لا يسيطر عليها البنك…
قرر بنك إسرائيل، في الأول من أيلول/سبتمبر 2026، خفض سعر الفائدة الأساسية بربع نقطة مئوية، من 3.5% إلى 3.25%، في ثالث خفض متتالٍ. ويشير القرار إلى تحوّل تدريجي في السياسة النقدية الإسرائيلية؛ فبعد سنوات كان الهمّ المركزي فيها كبح التضخم، بات بنك إسرائيل يرى أن هناك مجالًا أكبر لاستخدام الفائدة من أجل دعم النشاط الاقتصادي وتحفيزه وتخفيف تكلفة الائتمان على الأسر والمصالح التجارية.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الإسرائيلي تجاوز تداعيات الحرب أو دخل مرحلة من الاستقرار. على العكس، يظهر بيان بنك إسرائيل أن القرار اتُّخذ في ظل مزيج غير اعتيادي من المؤشرات، منها: تراجع واضح في التضخم الفعلي في الأشهر الأخيرة، مقابل نمو اقتصادي لا يزال هشًا في بعض مكوناته، وحالة مرتفعة من عدم اليقين الأمني والمالي.
لماذا خفّض بنك إسرائيل الفائدة؟
العامل الأول والأهم هو التضخم. فقد بلغ معدل ارتفاع الأسعار خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في تموز/يوليو 1.5% فقط، أي أقل من نصف نطاق التضخم السنوي الذي يحدده بنك إسرائيل. كما تشير التوقعات إلى بقاء التضخم خلال الأشهر المقبلة قريبًا من هذا المعدل. وهذا التطور منح البنك مساحة لخفض الفائدة من دون أن يبدو أنه يتخلى عن مهمته الأساسية في الحفاظ على استقرار الأسعار.
العامل الثاني يتعلق بوضع النشاط الاقتصادي. للوهلة الأولى، تبدو بيانات النمو قوية للغاية؛ فقد نما الناتج المحلي في الربع الثاني من عام 2026 بنسبة سنوية بلغت 15.4% مقارنة بالربع الأول، وأصبح أعلى بـ6.2% من مستواه في الربع الأخير من عام 2025. لكن بنك إسرائيل نفسه يحذر من قراءة هذه الأرقام بصورة متفائلة أكثر مما ينبغي؛ إذ إن جزءًا منها ناجم عن التعافي من الانكماش الذي حدث في الربع الأول خلال الحرب على إيران. وعند استثناء نشاط الشركات الإسرائيلية في الخارج، يصبح الناتج في الربع الثاني أعلى بـ3.8% فقط من الربع الأخير من 2025، بالمصطلحات السنوية.
وهذه تحديدًا إحدى النقاط التي ركز عليها تحليل صحيفة “غلوبس” الاقتصادية (2 أيلول)، التي شددت على أن بنك إسرائيل اختار إبراز مؤشرات تكشف أن النشاط الاقتصادي الحقيقي ما زال دون مستواه الممكن، رغم أرقام النمو المرتفعة ظاهريًا. ومؤشرات النشاط الاقتصادي في غالبية الفروع لم تعد بعد إلى المستويات التي سبقت آذار/مارس 2026، بينما كان تجنيد رأس المال في قطاع التكنولوجيا العالية في الربع الثالث عند مستوى أدنى من الربعين الأول والثاني.
بهذا المعنى، يمكن قراءة قرار خفض الفائدة باعتباره محاولة لإعطاء الاقتصاد دفعة إضافية، في وقت لم يعد التضخم يشكل العقبة التي شكّلها في السنوات السابقة.
خفض الفائدة في بيئة غير مستقرة
اللافت في القرار أنه جاء رغم استمرار عوامل كان يمكن أن تدفع بنك إسرائيل إلى التريث. فالتوتر الجيوسياسي لا يزال مرتفعًا، وأسعار الطاقة العالمية ارتفعت بشدة، كما أن مستقبل النفقات العسكرية والعجز المالي الإسرائيلي ما زال غير واضح، ناهيك عن اقتراب انتخابات الكنيست.
وبحسب البنك، بلغ العجز الحكومي المتراكم خلال اثني عشر شهرًا 3.4% من الناتج في حزيران/يونيو وتموز/يوليو، لكن لا يزال هناك عدم يقين كبير بشأن الزيادة المتوقعة في ميزانية الأمن وكيف ستمولها الحكومة خلال السنوات المقبلة. فإذا موّلت الحكومة الزيادات العسكرية من خلال توسيع العجز، يمكن لذلك أن يعيد احتمال التضخم المالي ويحد من قدرة البنك على مواصلة خفض الفائدة.
وفوق ذلك، يسير بنك إسرائيل حاليًا، إلى حد ما، بعكس الاتجاه الدولي؛ فالبنوك المركزية الرئيسية في الاقتصادات المتقدمة أبقت أسعار الفائدة دون تغيير، بينما ارتفعت توقعات مسار الفائدة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.
لذلك، لا ينبغي قراءة القرار بوصفه بداية مضمونة لسلسلة طويلة وسريعة من استمرار خفض الفائدة. بنك إسرائيل نفسه يشدد على أن خطواته المقبلة ستتعلق بالتضخم والنشاط الاقتصادي وعدم اليقين الجيوسياسي والتطورات المالية.
ماذا يعني خفض الفائدة للأسر
سيكون الأثر الأكثر مباشرة لخفض الفائدة على المقترضين الذين ترتبط قروضهم بالفائدة المتغيرة، وفي مقدمتها القروض المرتبطة بالفائدة الأساسية “البرايم”، وكذلك جزء من القروض التجارية والاستهلاكية وبعض مسارات الرهن العقاري.
لكن خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لن يحدث انقلابًا في ميزانية الأسر. فذلك يساهم في الأساس في تخفيف تكلفة التمويل، وبدرجة محدودة. ويعني ذلك انخفاضًا تدريجيًا في العبء على الأسر، وقد يحرر جزءًا من دخلها للاستهلاك. وبالنسبة إلى المصالح التجارية، فإن انخفاض تكلفة الاقتراض يمكن أن يشجع على الاستثمار والتوسع وزيادة توظيف العمال.
لكن الوجه الآخر للعملة هو أن أصحاب الودائع والمدخرات سيحصلون تدريجيًا على عوائد أقل، فيما قد يشجع انخفاض تكلفة التمويل من جديد على زيادة أسعار الأصول والعقارات إذا استمرت التخفيضات.
سوق الإسكان: راحة للمقترضين أم عودة لارتفاع الأسعار
يأتي خفض الفائدة في لحظة حساسة في سوق الإسكان. فقد انخفضت أسعار الشقق خلال السنة الأخيرة بنحو 1.5%، في حين بقي مخزون الشقق الجديدة غير المباعة مرتفعًا. وفي تموز/يوليو وحده، بلغت القروض العقارية الجديدة نحو 10 مليارات شيكل بعد احتساب العوامل الموسمية.
ومن شأن خفض الفائدة أن يحسن تدريجيًا قدرة الأسر على تمويل شراء المساكن وأن يقلل كلفة الرهن العقاري. لكنه قد يدعم في الوقت نفسه الطلب على العقارات، وبالتالي يوقف انخفاض الأسعار أو يعيد دفعها إلى الارتفاع إذا استمرت التخفيضات.
وهنا تظهر مشكلة أساسية؛ فالسياسة النقدية تستطيع تخفيض تكلفة المال، لكنها لا تستطيع زيادة العرض في الأسواق ولا رفع مساحات الأراضي المخصصة للبناء أو تسريع التخطيط.
خفض الفائدة لا يعني خفض تكلفة المعيشة
ومن المهم أيضًا ضبط التوقعات. فخفض الفائدة لا يعني أن أسعار المواد الغذائية أو الكهرباء أو السكن ستنخفض. بل يمكن أن يحدث العكس، إذ إن وظيفة خفض الفائدة هي تحفيز الطلب والاستهلاك والاستثمار، وإذا أصبح التحفيز قويًا أكثر من اللازم فقد يرفع الأسعار مجددًا.
الرهان الذي يقوم به بنك إسرائيل حاليًا هو أن التضخم المنخفض يسمح بإعطاء الاقتصاد مساحة أكبر للنمو من دون أن يؤدي ذلك سريعًا إلى موجة تضخم جديدة. إلا أن نجاح هذا الرهان يعتمد على عوامل لا يسيطر عليها البنك، منها: استمرار التوترات الأمنية أو اتساعها، وسعر الطاقة العالمي، وسعر صرف الشيكل، وحجم ميزانية الأمن، والعجز الحكومي، والسياسة الاقتصادية التي ستتبعها الحكومة.
قرار خفض الفائدة إيجابي للمقترضين، ويمكن أن يساهم تدريجيًا في إنعاش الاستهلاك والاستثمار وسوق الإسكان. وهو أيضًا إشارة إلى أن بنك إسرائيل أصبح أكثر قلقًا على النشاط الاقتصادي وأقل قلقًا، في المرحلة الحالية، من التضخم. لكن هذا لا يعني عودة الاقتصاد الإسرائيلي إلى حالة طبيعية.




