تحقيقات وتقارير

رسائل إسرائيلية (بالنار) إلى تركيا: حكومة الشرع تنتظر «كلمة» ترامب

رسائل إسرائيلية (بالنار) إلى تركيا: حكومة الشرع تنتظر «كلمة» ترامب

لا يزال من المبكر إصدار الأحكام على الحكومة السورية الجديدة التي حملت بعض التغييرات في هيكليتها عن الحكومة التي سبقتها (المؤقتة أو تسيير الأعمال)، فيما حافظت بشكل كامل على بنائها التابع – في وزاراتها السيادية – لرئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع. ويأتي هذا في وقت تشتد فيه الضغوط على الأخير في ظل استمرار الانفلات الأمني والمجازر في الساحل، ويتجه نظره إلى العاصمة السعودية الرياض، حيث من المُنتظر أن يحسم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هناك، موقفه الضبابي من سوريا.

وتكشف نظرة خاطفة على التشكيل الوزاري في نظام الحكم الرئاسي الجديد، والذي تمّ فيه شطب منصب رئيس مجلس الوزراء وتكليف الرئيس بمهامه، عن حرص شديد أولاه الشرع لبناء توازناته الداخلية والخارجية. لكنّ مراعاة هذه التوازنات لم تمنع استمرار التحكّم المطلق بالدولة، عبر وزارات الخارجية التي تابع العمل فيها أسعد الشيباني، والدفاع التي استمر فيها مرهف أبو قصرة، والداخلية، التي تولاها رئيس جهاز الاستخبارات في الفترة المؤقتة السابقة، أنس خطاب، والعدل التي تابع عمله فيها مظهر الويس، على الرغم من الانتقادات العديدة التي طاولته سابقاً بسبب تورّطه في عمليات إعدام في إدلب.

وفي سياق التوازنات الخارجية، يظهر بوضوح التأثير التركي والقطري على الحكومة، في ظل العلاقات المتينة التي تربط أنقرة والدوحة بالشرع، ودورهما الذي كان حاسماً في إيصاله إلى سدّة الحكم، إذ تمّ تكليف رئيس الحكومة في الفترة المؤقتة، محمد البشير، لإدارة وزارتَي النفط والكهرباء، بعد دمجهما في وزارة واحدة (وزارة الطاقة)؛ وهذان القطاعان هما اللذان أبدت تركيا رغبة كبيرة في الانخراط فيهما، ضمن خطط تهدف لاحقاً إلى تعزيز دورها باعتبارها نقطة عبور استراتيجية للنفط والغاز، تأكّدت أهميتها إثر الحرب الروسية – الأوكرانية.

ويتّسق تكليف البشير بهذه الوزارة مع توجهات الشرع المنفتحة على المشاريع التركية، وهو يرتكز بشكل أساسي على علاقة الأول بأنقرة، خصوصاً أنه كان يشغل سابقاً منصب رئيس «حكومة الإنقاذ» التي نشطت في إدلب، واستمر في دوره بعد وصول الشرع إلى السلطة، في وقت كثّفت فيه تركيا عمليات مسحها للقطاعين المذكورين، منذ سقوط نظام الرئيس السابق، بشار الأسد، تمهيداً للانخراط في مشاريع عديدة فيهما.

أما قطر، الشريك الاستراتيجي الثاني للشرع، فكان لها دور اعتباري وشرفي في الحكومة عبر تعيين وزيرين: في وزارة الإعلام التي تولّى إدارتها حمزة المصطفى، وهو مدير «تلفزيون سوريا» المموّل من مؤسسة «فضاءات» التي يملكها عزمي بشارة في قطر، وفي وزارة الثقافة التي تمّ تكليف محمد صالح، المذيع في قناة «الجزيرة» القطرية، بإدارتها. كذلك، حملت الحكومة الجديدة رسائل عديدة موجّهة إلى الغرب عموماً، والولايات المتحدة وبريطانيا بشكل خاص، عبر إنشاء وزارة جديدة حملت اسم «وزارة الطوارئ والكوارث»، تمّ تكليف مدير «منظمة الدفاع المدني» (الخوذ البيضاء)، رائد الصالح، بها. كما كُلّف عبد السلام هيكل، الذي يملك مؤسسة إعلامية اقتصادية وتكنولوجية في الإمارات، وزيراً للاتصالات.وفي سياق تحقيق نوع ما من أنواع التوازن الداخلي، اعتمد الشرع في تشكيل وزارته على مبدأ التكنوقراط في عدد من الوزارات، في ما يشبه العباءة التي تمّ تحتها تكليف وزراء من طوائف وأديان وقوميات مختلفة، لضمان وجود تمثيل للشرائح السورية، إذ عُينت هند قبوات (امرأة مسيحية) في منصب وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، ويعرب بدر (علوي من اللاذقية) وزيراً للنقل، ومحمد تركو (كردي ينحدر من عفرين في ريف حلب) وزيراً للتربية، وأمجد بدر (من السويداء) وزيراً للزراعة، في حين تمّ تعيين محمد أبو الخير شكري (من دمشق) وزيراً للأوقاف، ونضال الشعار (من حلب) وزيراً للاقتصاد، ومحمد نزال العلي (من دير الزور) وزيراً للصحة.

تتابع تركيا عملية توسّعها العسكري، تحت عباءة مساعدة الجيش السوري، و«الاتفاق الخماسي» لمكافحة الإرهاب

وفي وقت جرى الحديث فيه عن تعيين وزيرين سابقين من حقبة الأسد (يعرب بدر ونضال الشعار)، باعتباره يهدف أيضاً إلى تحقيق أكبر تمثيل ممكن، فهو يتّسق في واقعه مع توجهات الشرع الاقتصادية، والتي تهدف إلى بناء اقتصاد حر، إذ عمل الوزيران في حكومات سابقة شهدت على محاولة النظام السابق الانتقال إلى الاقتصاد الحر بشكل تدريجي، بقيادة عبدالله الدردري الذي عمل على تحويل سوريا إلى نظام أطلق عليه «اقتصاد السوق الاجتماعي»، وهدف في محصّلته إلى تخفيف الأعباء التي تتحمّلها الحكومة عبر رفع الدعم الذي كانت تقدّمه لحزمة من السلع (على رأسها النفط والكهرباء والمواد التموينية) بشكل متتابع، وتقديم الدعم للقطاع الخاص. كما يمتلك الوزيران خبرة كبيرة في المجال الذي تولّيا إدارته.

وبعيداً عن التوازنات السياسية، تواجه الحكومة السورية المؤلّفة من 23 وزيراً مهامّ صعبة، في ظل الانهيار الكبير الذي أصاب مؤسسات الدولة، سواء بسبب الحرب التي عاشتها سوريا منذ عام 2011، وما تخلّلها من عقوبات ضاعفت من آثارها، أو بسبب ما تعرّضت له بعد سقوط نظام الأسد من عمليات تخريب وسرقة وإحراق، ولاحقاً فصل للموظفين من وظائفهم، في إطار ما أطلقت عليه الحكومة المؤقتة «الإصلاح الإداري».

كذلك، تواجه الحكومة تحديات عديدة على الأرض، أبرزها استمرار الحالة الفصائلية بالرغم من الإعلان عن حل الفصائل ودمجها في وزارة الدفاع، إلى جانب معوقات أخرى تتعلق بالتمويل، والأطر القانونية التي ستستند إليها، في ظل عدم وجود مجلس تشريعي حتى الآن (مجلس الشعب الذي من المنتظر تشكيله عبر عملية يتولى الشرع خلالها تسمية ثلث أعضائه البالغ عددهم 100، فيما يقوم مؤتمر النصر الذي تمّ تشكيله بعد سقوط النظام بتسمية باقي الأعضاء)، علماً أن مجلس الشعب لا يمتلك صلاحيات عزل الوزير، وبطبيعة الحال لا يمتلك أي آلية واضحة لمحاسبة الرئيس وحكومته.

وسبق تأليف الحكومة الإعلان عن تشكيل مجلس للإفتاء، برئاسة أسامة الرفاعي الذي تولّى منصب مفتي البلاد، قبل أن يتم الكشف في وقت لاحق عن دور واسع سيلعبه هذا المجلس، وفق ما أفاد به عضوه، نعيم عرقسوسي، في تصريحات صحافية، إذ أكّد الأخير أن من مهام التشكيل الجديد الرقابة على القوانين وقرارات الوزراء وغيرها من القرارات التي قد تصدر عن مسؤولين ويمكن أن تخالف الشريعة الإسلامية، في ما يشبه رقابة دينية، أو مرجعية دينية، لعمل الحكومة.

على أن الحكومة، التي كان ينتظر الشرع أن تخفّف من الأصداء السلبية الواسعة التي تسبّبت بها المجازر التي شهدها الساحل، وما رافقها من تغيّر في النبرة الغربية والأميركية حيال الإدارة الجديدة، تعرّضت بعد ساعات من تشكيلها لصدمة إضافية إثر ارتكاب مجزرة في قرية حرف بنمرة، قرب مدينة بانياس، التي شهدت واحدة من أقسى مجازر الساحل على خلفية طائفية.

ومن شأن هذا الأمر أن يضاعف الضغوط التي ستواجهها هذه الحكومة، في وقت بدأ يدور فيه الحديث عن إمكانية لعب مصر دوراً بارزاً في تقريب وجهات النظر مع الولايات المتحدة، التي ما زال موقفها متردّداً وغير واضح. وبحسب ما تسرّب، من المنتظر أن يمنح ترامب، خلال زيارته إلى الرياض، بعضاً من وقته للقاء الشرع هناك، الأمر الذي – إن حدث – من شأنه أن يعيد ترتيب أوراق الأخير، ويخفّف الضغوط المتزايدة التي يواجهها، علماً أن «المجلس السوري – الأميركي» أعلن رسمياً عن لقاء بينهما منتصف الشهر المقبل برعاية ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

في الغضون، تتابع تركيا عملية توسّعها العسكري، تحت عباءة مساعدة الجيش السوري، و«الاتفاق الخماسي» الموقّع مع العراق والأردن ولبنان وسوريا لمكافحة الإرهاب، وذلك عبر تأهيل قاعدة جوية ثانية في البادية السورية، بالتزامن مع عملية تأهيل مطار منغ العسكري في ريف حلب. وكان الاهتمام التركي بإقامة قاعدة جوية قد ظهر بُعيد سقوط نظام الأسد؛ إذ تمّ اختيار قاعدة «تياس»، أو ما يُطلق عليها «مطار تي فور العسكري» لبناء منظومة دفاع جوي، بعدما دمّرت إسرائيل القدرات العسكرية السورية بشكل شبه كامل.

ويتيح امتلاك تركيا هذه القاعدة إشرافاً مباشراً من أنقرة على معظم الأراضي السورية، في وقت تسعى فيه هي لترسيم الحدود البحرية التي تمنحها أيضاً مساحة بحرية واسعة تمكّنها من استغلال الثروات البحرية. ومساء أمس، استهدفت الطائرات الإسرائيلية محيط دمشق ومحيط «تي فور» في البادية، في ما يبدو أنه رسالة مباشرة إلى أنقرة التي تثير تحركاتها مخاوف إسرائيلية. وكانت طائرات إسرائيلية استهدفت، الشهر الماضي، مطار تدمر العسكري، وتحدّث جيش الاحتلال، حينها، عن مهاجمة «قدرات استراتيجية عسكرية بقيت في منطقة قاعدتي تدمر وT4 السوريتين».

الا خبار اللبنانيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب