زهران ممداني عمدة في نيويورك… مخاوف إسرائيل في يومه الأول

زهران ممداني عمدة في نيويورك… مخاوف إسرائيل في يومه الأول
تُمثّل هذه القرارات في اليوم الأول وُجهة العمدة وفريقه تجاه القضية الفلسطينية داخل مدينة نيويورك وأروقة مؤسساتها البلدية. يبقى السؤال مدى قدرة ممداني وفريقه المعروف بمواقفه المناصرة للحقوق الفلسطينية، في تنفيذ خطوات أكثر تأثيرًا من هذه القرارات الرمزية…
ألغى زهران ممداني، في يومه الأول بعد تنصيبه رسميًا عمدة لمدينة نيويورك، كل قرارات الإدارة السابقة المتعلقة بتأييد إسرائيل، الأمر الذي يفتح مستقبلًا الباب أمام خطوات فعلية على الأرض تتجاوز التصريحات والخطوات الرمزية، التي قد تضر بمكانة إسرائيل وصورتها، ومن اقتصادها المتربح من علاقات دولية تتسامح مع كونها دولة احتلال لشعب آخر، ودولة لا تحترم القانون الدولي ارتكبت في العامين الماضيين إبادة جماعية في غزة.
كان من هذه القرارات في اليوم الأول، إلغاء تبني تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة” حول معاداة السامية الذي ينص على أن بعض أشكال انتقاد إسرائيل تُعدّ معادية للسامية، وهو تعريف تبنته عدد من الحكومات والمؤسسات الغربية، بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية وجماعات ضغط مناصرة لإسرائيل في السنوات الأخيرة، وهو تعريف يعارضه عدد كبير من اليهود حول العالم لربطه إسرائيل وأفعالها مع يهود العالم.
كذلك ألغى ممداني أمرًا تنفيذيًا ضد حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها المعروفة باسم حركة BDS، اتخذته الإدارة السابقة، الذي يقضي بوضع “قائمة سوداء” للشركات والمؤسسات التي تقاطع إسرائيل، ويمنعها من الحصول على عقود حكومية أو استثمارات من المدينة، إذ قال الحاكم السابق أندرو كومو عبارته المعروفة وقت إصدار هذا الأمر التنفيذي عام 2016: “إذا قاطعت إسرائيل، فإن نيويورك ستقاطعك”.
تُمثّل هذه القرارات في اليوم الأول وُجهة العمدة وفريقه تجاه القضية الفلسطينية داخل مدينة نيويورك وأروقة مؤسساتها البلدية. يبقى السؤال مدى قدرة ممداني وفريقه المعروف بمواقفه المناصرة للحقوق الفلسطينية، في تنفيذ خطوات أكثر تأثيرًا من هذه القرارات الرمزية، مع العلم أن قضايا ممداني الرئيسية هي المسكن وغلاء المعيشة وغيرها من قضايا اجتماعية لسكان نيويورك وليست القضية الفلسطينية.
فهل سنشهد على سبيل المثال في الأشهر القادمة محاولة لتوجيه صناديق التقاعد الضخمة لمدينة نيويورك بعيدًا عن السندات الإسرائيلية أو الشركات التي تعمل في المستوطنات؟ تمتلك مدينة نيويورك تقليديًا مئات الملايين من الدولارات في شكل “سندات إسرائيل”، وهي بمثابة قروض مباشرة تمنحها المدينة للحكومة الإسرائيلية مقابل فوائد مالية. هل سيتوقف ممداني عن شراء هذه السندات أو تسييل الموجود منها، مما يمثل ضربة رمزية واقتصادية قوية لتمويل الحكومة الإسرائيلية؟
يستطيع ممداني وفريقه القول بأن الاستثمار في سندات إسرائيل أصبح “عالي المخاطر” بسبب خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل نتيجة الحرب والاضطرابات السياسية، مما يبرر سحب الاستثمارات كقرار مالي وليس سياسيًا فقط لحماية أموال المتقاعدين. أو الدفع بمعايير “الاستثمار المسؤول” التي تمنع الاستثمار في دول تُتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو مخالفة القانون الدولي، وهو ما يضع سندات إسرائيل تحت مجهر التدقيق القانوني.
في ولاية نيويورك هناك قوانين تمنع الشركات التي تقاطع إسرائيل من الحصول على عقود حكومية، يمكن لممداني وفريقه في البلدية الامتناع عن تطبيق هذه القوانين على مستوى المدينة، أو الدخول في معارك قانونية لإبطالها، مما يفتح الباب أمام الشركات للبدء في مقاطعة إسرائيل دون خوف من خسارة عقود بلدية نيويورك الضخمة.
أو هل سنشهد إنهاء برامج التبادل الأمني مثل وقف البرامج التي ترسل ضباط شرطة نيويورك للتدريب في إسرائيل؟ تمتلك شرطة نيويورك مكتبًا استخباراتيًا في إسرائيل. يمكن للعمدة إغلاق هذا المكتب وإنهاء التنسيق المباشر. يرى الناقدون لهذا المكتب أن التدريب في إسرائيل يُحوّل ضباط الشرطة المدنيين إلى ما يشبه “قوات احتلال”، كون إسرائيل تمارس مهامها الأمنية ضد سكان فلسطينيين تحت الاحتلال، وعندما يتدرب ضابط نيويورك هناك، فإنه ينقل عقلية “العدو المحارب” بدلًا من “خدمة المجتمع”، ويطبقها في نيويورك ضد الأقليات مثل السود، واللاتينيين، والمسلمين. يستطيع ممداني أيضًا فحص كافة برمجيات المراقبة التي تستخدمها الشرطة والتأكد من عدم ارتباطها بشركات أمنية إسرائيلية متورطة في التجسس وانتهاك حقوق الفلسطينيين.
كما يُمكن للبلدية أن تصدر قرارات تمنع التعاقد مع شركات تساهم في انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يؤثر على عقود ضخمة في مجالات التكنولوجيا والأمن والبنية التحتية، أو إنهاء برامج التبادل الأكاديمي أو الأبحاث المشتركة بين جامعات نيويورك والجامعات الإسرائيلية، خاصة تلك التي لها فروع أو أبحاث مرتبطة بالجيش والعسكرة.
كل ذلك لن يكون سهلًا، أمام معارضة محتملة لهذه التوجهات قد يحملها أعضاء في “مجلس المدينة” الذي يمتلك سيادة في بعض التشريعات، وضغوط من حاكم الولاية الذي يمتلك سلطات عليا فوق العمدة في قضايا معينة، إضافة لحملات إعلامية وقانونية من المنظمات وجماعات الضغط القوية مثل “إيباك” وغيرها، التي ستتهم الإدارة بمعاداة السامية لضرب مصالح إسرائيل الاقتصادية. وطبعًا هناك الرئيس الجالس في البيت الأبيض الذي يعتبر نفسه أكثر رئيس أميركي قدّم وسيقدّم لإسرائيل.
دلالة اتخاذ هذه القرارات في اليوم الأول من ولاية ممداني تُشكل قلقًا كبيرًا بالنسبة لإسرائيل التي ترى في مدينة نيويورك “الحصن المنيع” لدعمها في الخارج. وعلى الأرجح يأتي اختيار ممداني لاتخاذ هذه القرارات في اليوم الأول التي تحمل رمزية كبيرة، كرسالة لما هو قادم، لكن ممداني يعرف أيضًا التحديات التي قد تواجهه والعراقيل التي ستُوضع أمامه في كل شيء، لذلك قد يكون الانتقال في اتخاذ قرارات أكثر مباشرة وعمليّة تتعلق بإسرائيل، بشكل تدريجي ومن دون مواجهة قد تضره في تحقيق وعود القضايا الأساسية التي انتخب لأجلها.


