فلسطين

سلوان… معركة الوجود الفلسطيني في القدس بين التهجير القسري ومشروع إعادة هندسة المدينة

سلوان… معركة الوجود الفلسطيني في القدس بين التهجير القسري ومشروع إعادة هندسة المدينة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد عمليات هدم المنازل والإخلاءات القسرية التي تستهدف الفلسطينيين في بلدة سلوان بالقدس المحتلة مجرد إجراءات إدارية أو نزاعات عقارية كما تحاول إسرائيل تصويرها، بل أصبحت جزءاً من مشروع استراتيجي متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي للقدس المحتلة، بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية الرامية إلى تكريس السيطرة الكاملة على المدينة وفرض حقائق يصعب تغييرها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويأتي التقرير الأخير الصادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” ليؤكد ما حذرت منه منظمات حقوقية ودولية عديدة خلال السنوات الماضية، وهو أن ما يجري في سلوان يتجاوز حدود المخالفات التنظيمية أو النزاعات القضائية ليصل إلى مستوى التهجير القسري للسكان المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب وفق أحكام اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لا يتوفر وصف للصورة.
سلوان في قلب المشروع الاستيطاني
لا يمكن فهم ما يجري في سلوان بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية والدينية للمنطقة. فسلوان تشكل الامتداد الجنوبي المباشر للمسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة، وتمثل إحدى أهم الحلقات التي تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليها لإحكام الطوق الاستيطاني حول الحوض المقدس للقدس.
ومنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور مترابطة:
أولاً: تقليص الوجود الديموغرافي الفلسطيني في القدس.
ثانياً: توسيع الوجود الاستيطاني اليهودي داخل الأحياء العربية.
ثالثاً: إعادة صياغة الرواية التاريخية والجغرافية للمدينة بما يخدم المشروع الصهيوني.
ومن هنا تكتسب سلوان أهمية استثنائية، إذ تنظر إليها المؤسسات الاستيطانية باعتبارها البوابة الأساسية للسيطرة على ما تسميه إسرائيل “الحوض التاريخي للقدس”، وهو ما يفسر الدعم الحكومي والسياسي والقانوني الذي تحظى به الجمعيات الاستيطانية العاملة في المنطقة.
التهجير القسري كأداة لتغيير التركيبة السكانية
تكشف الوقائع الميدانية أن عمليات الهدم والإخلاء لا تستهدف مباني أو عقارات منفردة، بل تستهدف مجتمعاً فلسطينياً كاملاً يعيش في المنطقة منذ أجيال طويلة.
ففي حي البستان وحده يواجه نحو 1500 فلسطيني خطر فقدان منازلهم بحجة إقامة مشاريع أثرية وحدائق توراتية، بينما يتعرض سكان بطن الهوى لسلسلة من دعاوى الإخلاء التي تقودها منظمات استيطانية مستندة إلى تشريعات إسرائيلية تمنح اليهود حق المطالبة بعقارات تعود لما قبل عام 1948، في الوقت الذي يُحرم فيه الفلسطينيون من حق مماثل لاستعادة ممتلكاتهم التي فقدوها خلال النكبة.
وهنا يظهر البعد التمييزي الواضح لهذه السياسات، إذ لا يتعلق الأمر بتطبيق القانون بصورة متساوية، وإنما باستخدام أدوات قانونية انتقائية لتحقيق أهداف سياسية وديموغرافية محددة.
ماذا يقول القانون الدولي؟
تنص المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر النقل الجبري أو الإبعاد الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، بغض النظر عن الدوافع أو الوسائل المستخدمة.
كما أن المادة (53) من الاتفاقية نفسها تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة إلا إذا كانت العمليات العسكرية تقتضي ذلك بصورة مطلقة.
لا يتوفر وصف للصورة.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أن عمليات الهدم والإخلاء الواسعة في القدس الشرقية تتعارض مع أحكام القانون الدولي، وأن استمرار هذه السياسات يساهم في تكريس واقع غير قانوني ناتج عن الاحتلال.
وأشارت المحكمة بوضوح إلى أن مفهوم “النقل القسري” لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية المباشرة، وإنما يشمل أيضاً خلق ظروف تجعل بقاء السكان في أماكنهم أمراً مستحيلاً أو بالغ الصعوبة، الأمر الذي يدفعهم إلى المغادرة تحت الإكراه.
أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فيصنف الترحيل أو النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال ضمن جرائم الحرب عندما يتم بصورة واسعة النطاق أو ممنهجة.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يجري في سلوان يثير أسئلة قانونية جدية حول مدى انسجام السياسات الإسرائيلية مع التزاماتها كقوة احتلال بموجب القانون الدولي.
من السيطرة على الأرض إلى إعادة هندسة القدس
تكمن خطورة ما يجري في أن الهدف لا يقتصر على مصادرة العقارات أو توسيع المستوطنات، بل يمتد إلى إعادة هندسة القدس ديموغرافياً وسياسياً.
فالسياسات الإسرائيلية تسعى منذ سنوات إلى الحفاظ على أغلبية يهودية داخل المدينة وتقليص نسبة الفلسطينيين إلى الحد الأدنى الممكن. ولهذا الغرض تُستخدم منظومة متكاملة تشمل الاستيطان، وقيود البناء، وسحب الهويات، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والإخلاءات القسرية.
وفي هذا السياق تصبح سلوان نموذجاً مصغراً لما يجري في القدس الشرقية بأكملها، حيث تتلاقى الأهداف الأمنية والاستيطانية والدينية والديموغرافية في مشروع واحد يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة.
انعكاسات سياسية تتجاوز القدس
إن استمرار عمليات التهجير في سلوان لا يمثل تهديداً لسكان الحي وحدهم، بل ينعكس على مجمل القضية الفلسطينية ومستقبل عملية السلام.
فكل منزل يهدم، وكل عائلة تُهجّر، وكل عقار يُسلّم للمستوطنين، يضيف عقبة جديدة أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أن هذه السياسات تقوض الأسس التي قامت عليها مبادرات التسوية الدولية منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو وحتى المبادرات الأوروبية والعربية اللاحقة، لأنها تستبدل الحلول السياسية بفرض الوقائع الميدانية بالقوة.
وفي ظل التوسع الاستيطاني المتواصل، تتراجع فرص الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة، فيما تتعزز المخاوف من أن يتحول الصراع إلى صراع مفتوح حول الحقوق الأساسية والوجود الوطني الفلسطيني في القدس.
المجتمع الدولي أمام اختبار المصداقية
لقد صدرت عشرات القرارات عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية تؤكد عدم شرعية الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية، غير أن الفجوة ما تزال واسعة بين المواقف القانونية والإجراءات العملية.
فالقضية اليوم لم تعد تتعلق بنقص النصوص القانونية أو غياب الأدلة، بل بغياب الإرادة السياسية الكفيلة بفرض احترام القانون الدولي ومحاسبة من ينتهكه.
ومن هنا فإن حماية سكان سلوان لا تمثل مسؤولية فلسطينية فحسب، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن المبادئ التي قام عليها النظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
خاتمة
إن ما يجري في سلوان ليس نزاعاً عقارياً، بل معركة على هوية القدس ومستقبلها. وهو ليس خلافاً قانونياً بين أفراد، بل جزء من مشروع سياسي يستهدف إعادة رسم الخريطة السكانية للمدينة المقدسة. وبينما تواصل العائلات الفلسطينية صمودها في مواجهة أوامر الهدم والإخلاء، يبقى السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي: هل ستظل القدس ساحة مفتوحة لفرض الأمر الواقع، أم أن القانون الدولي سيجد طريقه أخيراً إلى التنفيذ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل سلوان وحدها، بل مستقبل القدس والقضية الفلسطينية بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب