صغار غزة يغرقون في وباء “جدري الماء” – (فيديو)

صغار غزة يغرقون في وباء “جدري الماء” – (فيديو)
بهاء طباسي
غزة- «القدس العربي» : في عتمة الليل داخل خيمة صغيرة في مواصي خان يونس، تلتصق أجساد الأطفال بعضها ببعض. لا شيء يكسر صمت العراء سوى بكاء متواصل للطفل سليم (ثلاث سنوات). يمتد جسده الضئيل تحت بقع حمراء ملتهبة، في وقت يقف فيه والده، إبراهيم العقاد (38 عاما)، مكتوف الأيدي.
إبراهيم، الذي يعاني أساسا من إصابة بالغة في قدمه أفقدته القدرة على الحركة والعمل، يجد نفسه اليوم أمام معركة جديدة لا يملك لها سلاحا. يقول بصوت يمتزج فيه العجز بالحرقة: «لا يستطيع سليم النوم من شدة الحكة والحرارة، والشرار يخرج من جسده. المصيبة أن اثنين من إخوته انتقلت إليهما العدوى أيضا، وأنا لا أملك حتى ثمن مهدئ بسيط أو مرهم يلطف أجسادهم».
قصة إبراهيم ليست سوى فصل من تراجيديا إنسانية أوسع تمتد عبر أرجاء القطاع المحاصر، حيث تحولت الملاجئ والخيام من وسيلة للنجاة إلى بيئة حاضنة للأسقام.
أجساد ينهكها الحك.. وخيام فقيرة
وعلى بعد بضعة كيلومترات، في مخيم الميناء غرب مدينة غزة، تعيش أم عدي سويدان (45 عاما)، النازحة من حي التفاح، مع أسرتها التجربة ذاتها. يبدأ الأمر بحبة واحدة على جبهة أحد أطفالها، وقبل أن تستوعب الموقف، كانت العدوى قد نهشت أجساد العائلة بأكملها.
تروي ليلى كيف استحالت الخيمة الضيقة سجنا للمرض: «كيف لي أن أعزل طفلا مصابا ونحن ثمانية أفراد ننام في بضعة أمتار؟ لا مياه صالحة للاستحمام، ولا صابون، وغذاؤنا المعتمد على التكايا يعجز عن بناء مناعتهم». ولم تقتصر المأساة على الجسد، إذ تضيف ليلى بألم، خلال حديثها لـ»القدس العربي»: «الخوف من العدوى جعل أطفالي مطرودين نهائيا من ألعاب أقرانهم.. لقد أصبحوا معزولين نفسيا، وهذا يكسر قلبي أكثر من المرض نفسه».
أرقام صادمة.. وخارطة الوباء تنتشر
تتطابق هذه الشهادات الحية مع بيانات طبية رسمية رسمت صورة قاتمة للمشهد الصحي في غزة، إذ أظهرت المعطيات تسجيل نحو 53 ألف إصابة بجدري الماء منذ مطلع العام، مع انفجار غير مسبوق في أعداد المصابين خلال شهري حزيران / يونيو وتموز / يوليو، بمتوسط تجاوز 10 آلاف حالة جديدة كل أسبوعين، وفقا لـ»مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – أوتشا».
وتتوزع خريطة الانتشار جغرافيا بشكل يعكس ثقل حركة النزوح، حيث تصدرت محافظة خان يونس قائمة المناطق الأكثر تسجيلا للإصابات، تلتها مدينة غزة، ثم المحافظة الوسطى ومخيماتها، وأخيرا محافظة شمال غزة وجباليا.
هذا التفشي المتسارع يربطه المختصون بوجود أكثر من 1.7 مليون نازح يتكدسون داخل ما يزيد على 1600 مركز إيواء وشريط قماشي، يعانون من انهيار شبه تام في شبكات الصرف الصحي، وشح المياه النظيفة، وموجات سوء التغذية التي أضعفت الأجساد أمام الفيروسات.
في هذا السياق، يؤكد استشاري الأمراض الجلدية في غزة، الدكتور زياد أبو دقة، أن القطاع يمر بمرحلة حرجة جراء تسجيل معدلات غير مسبوقة للمرض. ويوضح الدكتور أبو دقة، في حديث مع «القدس العربي»، أن «الفيروس ينتقل بسرعة فائقة عبر الرذاذ أو الملامسة المباشرة لإفرازات المريض وأدواته، والأطفال هم حطب هذه الموجة». ويحذر الاستشاري الطبي من التهاون مع المرض، مشيرا إلى أن المأساة لا تقف عند الطفح الجلدي: «في ظل الغياب التام للقاحات والأدوية الأساسية واكتظاظ الخيام الذي يجعل العزل مستحيلا، نخشى من الانزلاق نحو مضاعفات بكتيرية خطيرة، كالتهابات الجلد العميقة أو الالتهاب الرئوي، خصوصا لدى الفئات ذات المناعة الضعيفة».
شلل برامج التطعيم
ومع استمرار الشلل الذي يصيب المنظومة الصحية، يرى مسؤولون صحيون أن منشأ هذه الأزمة يعود بالأساس إلى عرقلة برامج التطعيم الروتينية وصعوبة إدخال الإمدادات واللقاحات منذ اندلاع الحرب.
من جانبه، يسلط مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، بسام زقوت، الضوء على الجانب التراكمي للأزمة، موضحا أن «هناك آلاف الأطفال الذين ولدوا إبان الحرب وحرموا كليا من استكمال جرعاتهم التطعيمية الفاصلة».
ويضيف زقوت، في حديث مع «القدس العربي»، أن «إجراءات التنسيق لإدخال الشحنات الطبية واللقاحات تأخذ أوقاتا طويلة جدا بسبب القيود المفروضة، وهو ما يسلب المنظومة القدرة على بناء مناعة مجتمعية أو الاستجابة السريعة لمواجهة الأوبئة». ولم يخف زقوت قلقه الممتد إلى فئات أخرى، محذرا من أن «الخطر لا يتوقف عند حدود الأطفال، بل يمتد ليشكل تهديدا مباشرا على صحة النساء الحوامل، وما يرافقه من احتمالات تشوه الأجنة أو حدوث مضاعفات خطيرة على الأم، في ظل انعدام مراكز الرعاية التخصصية والمتابعة الطبية للحمل». تستمر أزمة «جدري الماء» في التمدد بين خيام قطاع غزة ككرة ثلج لا تتوقف، وسط تحذيرات أممية متزايدة من أن هذا التفشي ليس إلا رأس الجبل لأمراض وأوبئة معدية أخرى قد تلتهم مراكز الإيواء، ما لم يتم تدارك الوضع الصحي والبيئي المتردي سريعا.



