فلسطين

طولكرم… مدينة تنبض بالحياة رغم الحصار

طولكرم… مدينة تنبض بالحياة رغم الحصار

حملات “يلا نروح على طولكرم” تعيد الروح للأسواق وتؤكد أن الاقتصاد أحد ميادين الصمود

تقرير خاص

إعداد: المحامي علي أبو حبلة – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

في الوقت الذي تعيش فيه مدينة طولكرم ومخيماتها واحدة من أصعب المراحل في تاريخها المعاصر، بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل والحصار الخانق والتدمير الممنهج للبنية التحتية والاقتصاد المحلي، تتشكل في المقابل حالة شعبية لافتة عنوانها: “الحياة أقوى من الاحتلال”.

فبين الركام والحواجز العسكرية، وبين الأسواق التي أنهكها الركود والخوف، برزت حملات “يلا نروح على طولكرم” و”هلا طولكرم” وغيرها من المبادرات الشعبية والاقتصادية، كمشهد وطني وإنساني يعكس إرادة الفلسطيني في حماية مدينته والدفاع عن اقتصادها باعتباره جزءاً من معركة الصمود والبقاء.

طولكرم تحت النار… والاقتصاد في دائرة الاستهداف

منذ أكثر من عام، تواجه مدينة طولكرم ومخيميها، مخيم طولكرم ومخيم نور شمس، تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حول المدينة إلى منطقة استنزاف يومي.

فالاقتحامات المتكررة، وإغلاق المداخل، وتدمير الطرق والبنية التحتية، وعمليات الهدم والحرق والنزوح القسري، لم تستهدف البعد الأمني فقط، بل امتدت بشكل واضح لضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

وتشير تقديرات وتقارير محلية إلى أن عشرات آلاف المواطنين اضطروا للنزوح من المخيمين ومحيطهما، فيما تعرضت آلاف الوحدات السكنية والمنشآت التجارية لأضرار كلية وجزئية. كما أدى استمرار العدوان إلى شلل اقتصادي واسع، خاصة مع تراجع الحركة التجارية وفقدان آلاف العمال لمصادر دخلهم.

وكانت أسواق طولكرم تعتمد تاريخياً على الزبائن القادمين من مختلف محافظات الضفة الغربية، إضافة إلى فلسطينيي الداخل، الذين شكلوا رافعة اقتصادية مهمة للمدينة. إلا أن القيود العسكرية والحصار وإغلاق الحواجز أدى إلى تراجع كبير في أعداد المتسوقين والزوار، ما انعكس بصورة مباشرة على المحلات التجارية والأسواق الشعبية والمنشآت الصناعية الصغيرة.

وباتت معالم الركود واضحة في العديد من القطاعات التجارية، حيث اضطر بعض التجار إلى تقليص ساعات العمل، بينما أغلقت منشآت أخرى أبوابها مؤقتاً نتيجة تراجع القدرة الشرائية والخسائر المتراكمة.

“يلا نروح على طولكرم”… الاقتصاد كفعل مقاومة

في مواجهة هذا الواقع، لم تستسلم المدينة لحالة الشلل، بل بدأت مبادرات مجتمعية واقتصادية تتشكل بصورة لافتة، هدفها إعادة الحياة للأسواق وتحفيز الحركة التجارية ودعم التجار والأسر المتضررة.

وقد شكلت حملات “يلا نروح على طولكرم” و”هلا طولكرم” نموذجاً وطنياً للتكافل الاقتصادي والاجتماعي، حيث بادرت الغرفة التجارية ومؤسسات القطاع الخاص وفعاليات مجتمعية وإعلامية إلى إطلاق حملات تشجيعية للتسوق من أسواق المدينة.

واعتمدت هذه المبادرات على تقديم خصومات حقيقية وعروض تجارية وتنظيم فعاليات ترفيهية وسحوبات وجوائز، إلى جانب حملات إعلامية واسعة هدفت إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن زيارة طولكرم ليست مجرد نشاط استهلاكي، بل موقف وطني داعم لصمود المدينة وأهلها.

وشهدت المدينة خلال الفترات الماضية توافد وفود وزوار ومتسوقين من محافظات مختلفة ومن الداخل الفلسطيني، في مشهد حمل دلالات اقتصادية ووطنية ومعنوية مهمة، خاصة في ظل محاولات الاحتلال عزل المدينة وخنقها اقتصادياً.

وأكد العديد من التجار أن هذه الحملات ساهمت في تحريك عجلة الأسواق ولو جزئياً، ومنحت المواطنين جرعة أمل في ظل الظروف الصعبة، كما أعادت الثقة بإمكانية تجاوز الأزمة عبر التكافل المجتمعي والتعاون الوطني.

البعد النفسي والاجتماعي للحملات

لا تقتصر أهمية هذه المبادرات على بعدها الاقتصادي فقط، بل تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية ووطنية عميقة.

ففي ظل حالة القلق والخوف والضغط النفسي التي يعيشها المواطنون، جاءت هذه الحملات لتؤكد أن المدينة ما زالت قادرة على الحياة، وأن المجتمع الفلسطيني يمتلك قدرة استثنائية على إنتاج أدوات الصمود حتى في أحلك الظروف.

كما ساهمت المبادرات الشبابية والأهلية في إعادة تنشيط الفضاء العام، وإرسال رسالة معنوية للأهالي والتجار بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه الأزمة.

ويرى مراقبون أن الاحتلال لا يستهدف فقط الحجر والبنية التحتية، بل يسعى أيضاً إلى ضرب الروح المعنوية للمجتمع الفلسطيني، وإحداث حالة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي تدفع الناس إلى الهجرة أو الاستسلام، إلا أن ما يحدث في طولكرم يعكس صورة معاكسة تماماً.

طولكرم… نموذج للصمود الوطني

تكشف تجربة طولكرم اليوم أن المعركة مع الاحتلال لم تعد عسكرية أو أمنية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة بقاء اقتصادي وصمود اجتماعي.

فكل محل يفتح أبوابه، وكل مواطن يزور المدينة أو يتسوق من أسواقها، وكل مبادرة لدعم التجار أو الأسر المتضررة، تمثل شكلاً من أشكال المقاومة المدنية في مواجهة سياسات الخنق والتجويع.

لقد تحولت حملات “يلا نروح على طولكرم” إلى رسالة وطنية تتجاوز حدود المدينة نفسها، مفادها أن دعم الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز صمود المدن المستهدفة هو مسؤولية جماعية، وأن حماية الأسواق والمؤسسات الوطنية جزء لا يتجزأ من حماية الهوية الوطنية الفلسطينية.

ورغم قسوة المشهد، ما زالت طولكرم تقاوم.

تقاوم بالحياة، بالأسواق المفتوحة، بالمبادرات الشبابية، وبإصرار أهلها على البقاء فوق أرضهم وعدم الاستسلام لسياسة التهجير والتدمير.

وفي مدينة اعتادت أن تنهض من تحت الركام، يبدو واضحاً أن الفلسطينيين لا يدافعون فقط عن اقتصادهم، بل عن حقهم الطبيعي في الحياة والكرامة والبقاء.

الحقوق محفوظه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب