“ظننتها لعبة”: مخلفات إبادة غزة تُفقد الطفل محمد بصره

“ظننتها لعبة”: مخلفات إبادة غزة تُفقد الطفل محمد بصره
الاناضول
ظنّها لعبة، ليتضح أنها من مخلفات الذخائر التي ألقاها جيش الاحتلال في قطاع غزة ولم تنفجر آنذاك، لتنفجر في وجه الطفل وتقلب حياته رأسا على عقب…
بين خيام النزوح المتلاصقة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يتحسس الطفل الفلسطيني محمد عودة طريقه بخطوات بطيئة وحذرة، محاولًا التكيّف مع واقع فقد فيه القدرة على الإبصار إثر انفجار جسم من مخلفات الجيش الإسرائيلي كان يظنّه لعبة.
وقال عودة (12 عاما)، الذي لم يعرف أنّ اقترابه من ذلك الجسم سيغير حياته إلى الأبد: “كنت أعتقد أنّه لعبة، لكنّه انفجر في وجهي، ومنذ تلك اللحظة لم أعد أرى شيئا”.
كما فقد الطفل أربعة من أصابع يده اليسرى، ليجد نفسه أمام واقع قاسٍ يفرض عليه الاعتماد على الآخرين في أبسط تفاصيل حياته اليومية.
ويتعلّق عودة بأمل تلقي العلاج وإجراء عمليات جراحية متخصصة من الممكن أن تعيد له ولو جزءا من بصره، غير أنّ هذا الأمل يتبدد أمام الحصار الإسرائيلي وانهيار المنظومة الصحية.
ويواجه نحو 2.4 مليون نسمة في قطاع غزة مخاطر متعددة تصل إلى الموت أحيانا، بسبب المخلفات الإسرائيلية من قنابل وصواريخ وألغام وذخائر غير منفجرة.
ولأكثر من مرة، حذرت جهات حقوقية وصحية من مخاطر انفجار قنابل وذخائر في القطاع، وذلك منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
تغير حياته
داخل خيمة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، يجلس الطفل عودة إلى جانب والده الذي يساعده في تناول الطعام وارتداء ملابسه، بعد أن كان طفلا مفعما بالحيوية يعتمد على نفسه.
يقول الوالد حسام عودة: “حياة محمد انقلبت رأسا على عقب”.
ويضيف: “كان محمد طفلا يحب اللعب والحركة، واليوم يعيش في ظلام تام، حتى إنه يسألني أحيانًا في وضح النهار: هل نحن في الليل أم النهار؟”.
ويصف الأب هذا السؤال بأنه “يمزق القلب”، إذ يعكس حجم الصدمة التي يعيشها طفل فقد بصره فجأة بفعل مخلفات الحرب، دون أن يحدد تاريخ إصابة نجله.
معاناة مضاعفة
وتتضاعف معاناة محمد داخل مخيم النزوح المكتظ، في ظل غياب الخدمات الأساسية وعدم تهيئة المكان لذوي الإعاقة، ما يجعل حركته اليومية شديدة الصعوبة.
ويترافق ذلك مع دمار هائل خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية، قدّرته معطيات فلسطينية رسمية بنحو 90% من البنى التحتية في القطاع، بما يشمل المرافق العامة والمنازل والشوارع.
ورغم هذه الظروف إلا أن محمد يتمسك بأمل بسيط يختصره بقوله: “الحرب أخذت مني طفولتي، لكنني أريد أن أعيش مثل باقي الأطفال، أتعلم وألعب وأتحرك كما أشاء”.
تحدي الإصابة
وفي محاولة لتحدي إصابته، يؤكد الطفل الفلسطيني تمسكه بحقه في التعليم، إذ يحاول عبر الإنصات للدروس التعليمية تعويض فقدانه للرؤية بالاعتماد على الاستماع.
ويتلقى محمد تعليمه في مركز النور للمكفوفين، التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، “أونروا”، بمدينة دير البلح.
ويتلقى الأطفال فاقدو البصر في هذا المركز تدريبات على استخدام العصا في الحركة والتنقل، إلى جانب تعلم الكتابة بلغة “برايل” المخصصة للمكفوفين.
ويضيف محمد: “أريد أن أتعلم وأكمل دراستي، وحلمي أن أسافر للعلاج”.
حلم بالعلاج
ولا يزال هناك أمل في تحسن حالة الرؤية لدى الطفل في حال تلقى العلاج المناسب، إلا أن انهيار المنظومة الصحية في القطاع نتيجة الإبادة الإسرائيلية والحصار المشدد، يُبدد ما تبقى من هذا الأمل.
ويقول والد الطفل إن نجله بحاجة إلى تدخل طبي عاجل، يشمل عمليات متخصصة في العيون والأعصاب، بينها زراعة القرنية، وهي خدمات غير متوفرة داخل القطاع.
ويضيف بنبرة يملؤها الحزن: “لا أريد شيئا من الدنيا سوى أن يعود ابني ليراني، ويرى والدته، ويعود إلى حياته الطبيعية كأي طفل”.
مخاطر متصاعدة
ويتزامن انهيار المنظومة الصحية والحصار؛ مع تصاعد التحذيرات بشأن مخاطر الذخائر والمخلفات العسكرية غير المنفجرة في القطاع.
إذ حذرت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) في شهر نيسان/ أبريل، من مخاطر الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة بعد عامين على الحرب.
وأشارت إلى أن العاملين في مجال مكافحة الألغام عثروا منذ أكتوبر 2023 على نحو 700 قطعة من الذخائر غير المنفجرة والخطيرة، خلال عمليات تقييم.
ولفتت إلى أنها تلقت تقارير عن 470 ضحية جراء انفجار هذه الذخائر، مرجحة أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير جراء نقص الإبلاغ عن الحوادث.
ودعت الدائرة في بيان منفصل إلى إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، لتلبية احتياجات المجتمعات ودعم عملية إعادة الإعمار الضخمة القادمة في إطار اتفاق وقف النار.
وفي المقابل، أفادت تقديرات سابقة للمتحدث باسم جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، محمود بصل، بوجود نحو 71 ألف طن من المتفجرات والمخلفات العسكرية الإسرائيلية غير المنفجرة في القطاع.
وتتصاعد مخاوف الفلسطينيين من هذه المخلفات القاتلة في ظل محدودية إمكانيات الجهات المختصة لإزالتها، وتكرار استهداف الفرق العاملة على معالجتها.
وتفيد تقارير أممية بأن الجيش الإسرائيلي ألقى على قطاع غزة أكثر من 120 ألف طن من المتفجرات، تنوعت بين قنابل وصواريخ وقذائف مدفعية، إضافة إلى ألغام ومخلفات عسكرية تركها خلفه.



