
عبيده…”من دفتر الأيام”
بقلم حسين جمعة
وقف عند نافذة الصيدلية.
لم يدخل الغرفة، لم يجلس، لم يطلب.
وقف فقط… كأن الوقوف بحدّ ذاته يحتاج إلى إذن.
كنتُ يومها صيدلانيًا في عيادة الأونروا، في مخيم الجليل – بعلبك.
نافذة صغيرة تفصل بيني وبين غرفة انتظار مزدحمة بالوجع،
لكنه كان وحده… رغم الزحام.
مدّ يده المرتجفة من تحت الزجاج، ووضع أمامي ورقة فحوصات طبية.
الورقة كانت أكبر من كفّه.
وفي اليد الأخرى، كان يحمل رغيف خبز، شقّه نصفين،
وكأن الفطور أيضًا يحتاج إلى اختصار.
قرأت اسمه: عبيدة.
قرأت عمره: ثلاثة عشر عامًا.
وقبل أن أصل إلى السطر الأخير، كنت قد فهمت كل شيء.
السكر: 420.
رفعتُ رأسي.
كان شاحبًا، مائلًا إلى الاصفرار،
وعيناه لا تبحثان عن علاج…
بل عن موافقة على البقاء.
سألني بصوت بالكاد يُسمع:
– «بقدر أتعالج عندكم؟»
قلت فورًا:
– «طبعًا.»
لم يبتسم.
لكن كتفيه انخفضا قليلًا…
كمن أُزيح عنه حجر لا يُرى.
خرجت به من خلف النافذة.
أمسكت يده، لا كطبيب، بل كإنسان خاف أن يسقط طفل أمامه مرة أخرى.
خلال ساعة واحدة، كان في المختبر، ثم مع الطبيب، ثم مع الممرضة.
كان يتحرك بصمت،
يطيع التعليمات كما لو أنه اعتاد منذ زمن أن لا يُكثر الأسئلة.
حين انتهينا، جلس على الكرسي المقابل.
نظر إلى الأرض طويلًا.
سألته بهدوء:
– «وين أمّك؟»
لم يرفع رأسه.
شدّ الرغيف بين أصابعه حتى تفتّت.
ثم بدأ بالبكاء… بلا صوت.
بكاء خفيض، متقطّع،
كأن الدموع نفسها خائفة.
لم يقل شيئًا في البداية.
ترك البكاء يتكلم.
ثم قال، وهو ما يزال ينظر إلى البلاط:
– «طلعت من اليرموك… وما قدرت تاخدني معها.
الحرب كانت أسرع.»
سكت قليلًا…
وأضاف:
– «كنت لحالي.»
وقفت خلف الطاولة،
عاجزًا عن أي شيء سوى أن أشعر
بأن شيئًا ما في صدري انكسر.
بعد أيام، جاءت الأم إلى بعلبك.
التقيا هناك.
احتضنته طويلًا،
لا كأم عثرت على ابنها،
بل كناجية عادت من موتٍ مؤجَّل.
ناولته العلاج.
شرحت له الحقن، والمواعيد، والتحاليل.
قلت له إن كثيرين مثله يعيشون بهذا المرض.
كنت أحاول أن أكون مهنيًا…
لكن عيني خانتني.
بعد ثلاثة أيام عاد.
كان أقوى قليلًا.
يمشي وحده.
ينظر أبعد من قدميه.
وقبل أن يغادر، قال لي:
– «شكرًا.»
قالها وكأنها أكبر من سنّه،
وأصغر من كل شيء.
فكّرت يومها:
الحرب لا تسرق البيوت فقط،
ولا الطفولة فقط…
الحرب تترك طفلًا يقف عند نافذة صيدلية،
يمدّ يده بورقة…
ويطلب الإذن ليعيش.
عاد.
أقوى.
أهدأ.
وكأن الجسد، حين يُسمَع،
يحاول أن يتماسك.
كان ينظر إلى الأفق،
لا يعرف أي مخيم سيكون التالي،
ولا أي ذاكرة ستلحق به،
لكنه كان واقفًا على قدميه.
عبيدة اليوم في مخيم جديد،
يحمل معه حكاية قديمة تتكرر،
نكبة ظنّوا أنها انتهت،
فاكتشفوا أنها تغيّر أسماءها فقط.
هذا شعب
يُتقن تحويل الألم إلى صبر،
والخسارة إلى انتظار.
شعب لا تزال جراحه مفتوحة،
من تل الزعتر إلى نهر البارد،
ومن اليرموك…
إلى حيث لا نهاية للمخيم.
والحكاية…
لم تنتهِ بعد.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان




