عقد بيع أرض متداول باسم موقع بيت إيل.. من يملك حق التصرف في الأراضي الحكومية الفلسطينية؟

عقد بيع أرض متداول باسم موقع بيت إيل.. من يملك حق التصرف في الأراضي الحكومية الفلسطينية؟
رأي قانوني وتحليل
بقلم: المحامي علي أبو حبلة – باحث في القانون الدولي
بعد الاطلاع على ما نُشر عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن عقد بيع أرض قيل إنه وُقّع في موقع بيت إيل بتاريخ 14/7/2020، وتحفّظنا عن إعادة نشر الوثيقة على موقعنا لعدم التحقق من صحتها وسلامة إجراءاتها القانونية، فإن ما ورد في العقد المتداول يثير جملة من التساؤلات القانونية والحقوقية التي تستوجب التدقيق والتحقيق من الجهات الفلسطينية المختصة.
وبحسب البيانات الظاهرة في صورة العقد المتداولة، فإن التصرف يتعلق بقطعة أرض مساحتها نحو 13 دونماً، وبقيمة إجمالية قيل إنها تبلغ 14 مليون شيكل، مع وجود إشارة إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية في منطقة بيت إيل. غير أن هذه البيانات، بحد ذاتها، لا تثبت ملكية البائع ولا تمنحه الصفة القانونية للتصرف بالأرض.
أولاً: انعدام الصفة القانونية وأثره على العقد
إن القاعدة القانونية المستقرة أن فاقد الحق لا يستطيع نقل ملكية لا يملكها، وأن إبرام عقد بيع بين طرفين لا ينشئ حقاً عينياً في مواجهة المالك الحقيقي، ما لم يكن البائع مالكاً مسجلاً أو وكيلاً مفوضاً تفويضاً قانونياً صحيحاً يجيز له التصرف.
وعليه، فإن ثبوت أن الأرض من أملاك الدولة يقتضي التحقق من صفة البائع، وسند ملكيته، ومصدر التفويض، ومدى قانونية التصرف. وإذا ثبت انعدام الصفة أو التفويض، فإن العقد يكون مشوباً بعيب جوهري يمس صحته ونفاذه، ولا يصلح بذاته سنداً لنقل الملكية، مع بقاء تقرير البطلان وآثاره من اختصاص القضاء المختص بعد فحص الوثائق الأصلية.
ثانياً: المرجعية القانونية واتفاق أوسلو
إن اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995، ولا سيما المادة 11 المتعلقة بالأرض، والملحق الثالث الخاص بالشؤون المدنية، نظمت نقل الصلاحيات والمسؤوليات المدنية، بما فيها تسجيل الأراضي وإدارة أملاك الحكومة، على مراحل.
كما نصت المادة 16 من الملحق الثالث على نقل الصلاحيات المتعلقة بأملاك الحكومة والأراضي الحكومية إلى الجانب الفلسطيني، مع أحكام خاصة بالمناطق المصنفة (ج)، ونصت المادة 22 على صلاحيات تسجيل الأراضي والتصرفات العقارية.
وبالتالي، فإن وجود ختم أو توقيع صادر عن الإدارة المدنية الإسرائيلية لا يشكل، بمفرده، سند ملكية، ولا يغني عن إثبات حق التصرف وفق القوانين والأنظمة ذات الصلة. كما لا يجوز إغفال الوضع القانوني الخاص للمناطق المصنفة (ج) وأحكام نقل الصلاحيات الواردة في الاتفاق.
ثالثاً: من هي الجهة المختصة بالتصرف في الأراضي الحكومية؟
جاء المرسوم الرئاسي رقم (10) لسنة 2002 بشأن سلطة الأراضي، وتحديداً المادة (3)، واضحاً في أن التصرف بالأراضي الحكومية يتم بقرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بناءً على تنسيب من رئيس سلطة الأراضي ووزير الأشغال العامة والإسكان ووزير الحكم المحلي.
كما نظم القرار بقانون رقم (43) لسنة 2021 إدارة أملاك الدولة وإجراءاتها، بما يؤكد ضرورة خضوع أي تصرف في أملاك الدولة للأصول والإجراءات القانونية المحددة.
وبناءً عليه، فإن الجهة الفلسطينية الأساسية للتحقق من صفة الأرض وملكيتها وسند التصرف هي سلطة الأراضي، ممثلة بالإدارة العامة لأملاك الدولة ودوائر تسجيل الأراضي، بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة. أما الادعاءات المتعلقة بالتزوير أو الاستيلاء أو التصرف غير المشروع فتستوجب إحالة الملف إلى النيابة العامة، كلٌّ ضمن اختصاصه، مع اللجوء إلى المحكمة المختصة للفصل في النزاع والآثار القانونية المترتبة عليه.
رابعاً: المطالبة بالتحقيق والتحقق من البيانات المساحية
إن المسؤولية القانونية تقتضي تحديد موقع الأرض بصورة قطعية، واستخراج رقم الحوض ورقم القطعة من سجلات الأراضي والخرائط المساحية الرسمية، ومطابقة ذلك مع سند التسجيل الأصلي، وبيان ما إذا كانت الأرض مسجلة باسم الحكومة الأردنية سابقاً، وما إذا طرأ عليها أي تغيير قانوني في التسجيل أو الملكية.
ولا يجوز اعتماد أرقام مساحية غير موثقة أو الخلط بين ملفات عقارية مختلفة؛ إذ لم يتسنَّ التثبت من رقم الحوض والقطعة في الوثيقة المتداولة حتى إعداد هذا الرأي.
خامساً: المطالبة بإجراءات عاجلة
نطالب سلطة الأراضي الفلسطينية والجهات القضائية والرقابية المختصة بما يلي:
فتح تحقيق رسمي في أصل العقد المتداول وهوية أطرافه والجهة التي نظمته أو صادقت عليه.
استخراج قيد عقاري رسمي يحدد رقم الحوض والقطعة والمساحة والمالك المسجل.
التحقق من مصدر الملكية، وما إذا كانت الأرض من أملاك الدولة، ومن وجود أي تفويض أو قرار قانوني بالتصرف فيها.
وقف أي إجراءات تسجيل أو نقل ملكية أو تصرف لاحق، إذا توافرت المسوغات القانونية لذلك، إلى حين استكمال التحقق.
إحالة أي شبهة تزوير أو انتحال صفة أو استيلاء على أملاك الدولة إلى النيابة العامة والجهات القضائية المختصة.
خلاصة الرأي القانوني
إن أملاك الدولة ليست ملكاً خاصاً لأي مسؤول أو جهة إدارية أو فرد، ولا يجوز التصرف بها إلا وفق الأصول القانونية والاختصاصات المحددة بالتشريعات الفلسطينية. كما أن أي عقد بيع لا يستمد مشروعيته من مجرد توقيعه أو ختمه، وإنما من ثبوت ملكية المتصرف أو صحة تفويضه وسلامة الإجراءات القانونية.
إن حماية الأرض الفلسطينية وصون الملكية العامة مسؤولية وطنية وقانونية، تستوجب الشفافية والتحقيق وعدم التساهل مع أي تصرف قد يمس حقوق الدولة أو المواطنين، بعيداً عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام غير المستندة إلى وثائق رسمية.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
هذا الرأي القانوني يستند إلى المعلومات الظاهرة في وثيقة متداولة، ولا يمثل حكماً قضائياً بصحة العقد أو بطلانه، وتبقى النتائج النهائية مرهونة بفحص أصل الوثيقة والقيود العقارية الرسمية



