تحقيقات وتقارير

علي الطاهر: معركة انتهت أم حرب تقترب؟

علي الطاهر: معركة انتهت أم حرب تقترب؟

صمت المقاومة بعد استهداف مرتفع علي الطاهر يفتح باب الاحتمالات: هل هو احتواء لحدث ميداني أم استعداد لجولة أوسع في لبنان مع تصاعد الحسابات الانتخابية الإسرائيلية؟

طارق فخري

أثار صمت المقاومة الذي أعقب العملية الإسرائيلية التي استهدفت مرتفع علي الطاهر جملة من الأسئلة السياسية والعسكرية التي تتجاوز حدود الحدث ذاته. وفي إطار استشفاف ما وراء الصمت برزت مجموعة من الأقاويل والتحليلات التي ذهب بعضها إلى التركيز على ملحمة الصمود التي خاضتها المقاومة لأكثر من ثلاثة أشهر، إذ تمكنت من خلالها من صد عدد من الهجمات الإسرائيلية المتتالية، وهو ما يؤشر إلىمحورية الفعل المقاوم بوصفه أشد تعبيرًا من أي بيان أو تصريح.

في المقابل، ثمة قراءة أخرى تبدو أكثر اتساقاً مع مجموعة من المؤشرات السياسية والعسكرية المتراكمة. فالصمت أو عدم الرد، وفقا لهذه القراءة، قد يخفي وراءه الاستعداد لجولة جديدة من المحتمل أن تكون قريبة، ولذلك مؤشرات باتت تلوح في الأفق، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنه لا يمكن الجزم بأن حرباً واسعة باتت حتمية، غير أن قراءة المشهد الإقليمي تظهر أن مجموعة من العوامل تتحرك في اتجاه يزيد من احتمالات التصعيد.

يرتبط العامل الأول بالداخل الإسرائيلي، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي وتبدّل موازين القوى كما تعكسها استطلاعات الرأي. ففي أحد استطلاعات الرأي الحديثة، حصلت قوى المعارضة على 57 مقعدًا مقابل 52 لتكتل نتنياهو، من أصل 120 مقعدًا، ما يعني أن أيًّا من المعسكرين لا يمتلك الأغلبية البرلمانية المطلوبة، والمحددة بـ61 مقعدًا لتشكيل الحكومة. وفي ظل هذا المشهد الانتخابي المفتوح، قد يشكل البحث عن إنجاز أمني أو عسكري قابل للتسويق سياسيًا أحد الخيارات التي يسعى نتنياهو إلى توظيفها لتحسين موقعه الانتخابي وإعادة التأثير في اتجاهات الناخبين.

هذه المرة قد نكون ايضا امام حملة جوية مركزة وواسعة تستهدف البنى القيادية في حزب الله بدءًا من رأس الهرم القيادي وصولًا إلى المستويات السياسية والعسكرية

يتعلق العامل الثاني باستمرار الفجوة بين الأهداف المعلنة للحرب والنتائج المتحققة على الأرض. فعلى الرغم من القراءات التي تتحدث أحيانًا عن تراجع سقف الأهداف الأميركية والإسرائيلية في الحرب على إيران ولبنان، فإن الأهداف الاستراتيجية الكبرى تبدو ما تزال حاضرة في الحسابات السياسية والاستراتيجية لكل من تل أبيب وواشنطن، وفي مقدمتها إضعاف النظام الإيراني إلى حد تغيير بنيته السياسية، ومحاولة إنهاء قدرة حزب الله على العمل كقوة عسكرية وسياسية في لبنان.

تزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى ترامب ونتنياهو، إذ إن عدم تحقيق نتائج تتناسب مع مستوى الطموحات التي رُفعت منذ بداية الحرب سيطيح بكلا الرجلين سياسيًا، وهنا تحديدًا، يمكن فهم استمرار التصعيد بوصفه محاولة لتحسين حصيلة المواجهة وتحقيق نتائج يمكن تقديمها كإنجاز يكرس صورة النصر الحاسم، حتى لو ترتب على ذلك تحمل كلفة سياسية أو استراتيجية متزايدة، ولذا، فإن الرهان على استخدام القوة المفرطة مجددًا وتوسيع دوائر المعركة، يمكن أن يكون ضرورة لتلافي أي إخفاق سياسي يصعب احتواؤه داخليًا.

يبقى العامل الأكثر حساسية هو الموقف الأميركي؛ فإسرائيل لا تتحرك بمعزل عن المظلة السياسية والاستراتيجية التي توفرها لها واشنطن، وفي هذا الإطار، يبدو أن دوائر صنع القرار في واشنطن تتجاذبها مقاربتان أساسيتان. تميل الأولى إلى قدر أكبر من التشدد، وترى في القوة العسكرية والضغط المباشر أدوات أكثر فاعلية وأسرع أثراً في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وهي مقاربة يتبناها صقور الإدارة من أمثال وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ويتقاطع هؤلاء في جوانب عدة مع الرؤية الإسرائيلية.

في المقابل، يتبنى الفريق الآخر الواقعية البراجماتية وعلى رأسه نائب الرئيس جي دي فانس، ويجنح نحو أولوية توظيف أدوات الضغط غير المباشر، مثل العقوبات الاقتصادية بالتزامن مع ممارسة ضغوط عسكرية محدودة، بالإضافة إلى ضرورة استثمار مكامن الضعف الداخلية لدى الخصوم، إذ إن استنزافهم تدريجياً قد يحقق الأهداف المطلوبة بكلفة أقل، ويجنب واشنطن الانخراط في حروب واسعة ذات نتائج يصعب ضبطها أو ضمان مآلاتها.

  • آلية للجيش اللبناني تقوم بفتح الطريق في بلدة زوطر الغربية (مروان بو حيدر)
    آلية للجيش اللبناني تقوم بفتح الطريق في بلدة زوطر الغربية (مروان بو حيدر)

يتأرجح ترامب بين هاتين المقاربتين؛ فتارةً يقترب من رؤية الصقور، وتارةً يميل إلى مقاربة أكثر واقعية وحذرًا، وفي خضم هذا التوازن النسبي، يترك ترامب لإسرائيل هامشًا من الحركة العسكرية في غزة ولبنان، ولا سيما في اللحظات التي يتصاعد فيها الضغط السياسي المؤيد لإسرائيل، أو حين ينجح نتنياهو في تسويق بعض الطروحات بوصفها إنجازات قابلة للتحقق. غير أن هذا الهامش لا يعني بالضرورة تبني ترامب الكامل للرؤية الإسرائيلية، خصوصا بعد ما أظهرته تطورات الحرب على إيران من أن حسابات ترامب تجاه الطرح الإسرائيلي باتت أكثر تحفظا، وتحديدا بعد أن أخفقت تقديرات نتنياهو بشأن سرعة انتهاء الحرب وبلوغ أهدافها خلال فترة قصيرة. ومع ذلك، فإن تراجع الثقة بالتصور الإسرائيلي لا يعني بالضرورة إغلاق هامش المناورة أمام إسرائيل، بل قد يستمر ترامب في منحها مساحة محددة للتحرك، وخصوصًا على الساحة اللبنانية، ضمن حدود ترتبط بحساباته الأوسع تجاه مسار الصراع في المنطقة.

بناءً على ذلك، تتعزز فرضية أن يتجه نتنياهو نحو جولة جديدة في لبنان، في محاولة لتوظيف نتائجها انتخابيًا. وفي هذا السياق، لا يمكن التغافل عن أكثر السيناريوهات أرجحيةً، المتمثل بتكرار ما حدث في الأربعاء الأسود في 8 نيسان، حين تعرض لبنان لأكثر من مئة غارة خلال نحو عشر دقائق. وهذه المرة قد نكون أيضًا أمام حملة جوية مركزة وواسعة تستهدف البنى القيادية في حزب الله، بدءًا من رأس الهرم القيادي (الأمين العام) وصولًا إلى المستويات السياسية والعسكرية. تتوخى إسرائيل في هذا النوع من العمليات أكثر من هدف في الوقت نفسه: إحداث صدمة في بنية المقاومة، إرباك منظومتها القيادية، وخلق انطباع لدى الداخل الإسرائيلي بتحقيق إنجاز أمني نوعي. ومن شأن استهداف بهذا الحجم أن يضع الحزب أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ قد يدفعه إلى الرد، بما يفتح الباب أمام تدحرج التصعيد من عمليات متبادلة إلى جولة عسكرية جديدة.

تفاضل المقاومة هنا بين استجابة تكتيكية محدودة وبين الحفاظ على قدرتها على التعامل مع استحقاق استراتيجي أكبر

يبدو أن تقديرات حزب الله لاحتمال اندلاع جولة جديدة من المواجهة آخذة في الارتفاع، وهو ما قد يفسّر تفضيله في هذه المرحلة لمنطق الاستعداد والجاهزية وإعادة إنتاج عناصر القوة، بدلاً من استنزافها في ردود تكتيكية قد لا تنسجم مع طبيعة المرحلة المقبلة، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الصمت وعدم الرد على استهداف علي الطاهر. إذ تفاضل المقاومة هنا بين استجابة تكتيكية محدودة، وبين الحفاظ على قدرتها على التعامل مع استحقاق استراتيجي أكبر، وليس من الحكمة إطلاقًا أن تستنزف المقاومة جزءًا من قدراتها قبل اتضاح شكل الجولة المقبلة. وعليه، فإن احتواء الحدث في علي الطاهر يغدو جزءًا لا يتجزأ من الحفاظ على الجاهزية لمواجهة السيناريو الأكثر خطورة. وبذلك، قد يكون الرهان الأساسي لدى حزب الله في هذه المرحلة ليس على كيفية الرد على كل حدث أو تطور ميداني، وإنما على كيفية الحفاظ على أكبر قدر ممكن من القدرة للحظة قد يتحول فيها التصعيد المحدود إلى مواجهة ممتدة وواسعة.

كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وكلما ازدادت احتمالات خسارة نتنياهو، ارتفعت في المقابل احتمالات لجوئه إلى تصعيد أمني وعسكري على الجبهة اللبنانية، بحثًا عن إنجاز يعيد خلط الأوراق ويمنحه هامشًا أوسع في الداخل الإسرائيلي، الأمر الذي تأخذه المقاومة بعين الاعتبار، ومن المحتمل أن يكون ذلك هو ما حملها على أن تؤثر الصمت في علي الطاهر حتى تدوي صوتًا وفعلًا في أي جولة مقبلة محتملة قد تكون على الأبواب.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب