كتب

عميرة هاس تضع القيادة الفلسطينية أمام اختبار «المناطق ج»

من بيانات الإدانة إلى استراتيجية الصمود وحماية الأرض

عميرة هاس تضع القيادة الفلسطينية أمام اختبار «المناطق ج»

من بيانات الإدانة إلى استراتيجية الصمود وحماية الأرض

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في طرح لافت يتجاوز حدود النقد الصحفي الإسرائيلي التقليدي، تضع الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس، المتخصصة في الشأن الفلسطيني في صحيفة «هآرتس»، القيادة الفلسطينية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل «المناطق ج» في الضفة الغربية. فهذه المناطق، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، أصبحت في قلب الصراع على الأرض، في ظل تسارع الاستيطان والهدم والمصادرة ومحاولات فرض وقائع جديدة تمهد للضم التدريجي.

أهمية طرح هاس لا تكمن فقط في كونها صحفية إسرائيلية تتابع الاحتلال من الميدان، بل في أنها تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة: مراقبة الاحتلال من خلال حياة الفلسطينيين اليومية ومعاناتهم وصمودهم على الأرض. ومن هنا، فإن رسالتها للقيادة الفلسطينية تبدو أقرب إلى برنامج عملي ينبغي التعامل معه بجدية، لا باعتباره مجرد نقد إعلامي.

ترى هاس أن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة القيادة الفلسطينية على تجاوز القيود التي فرضتها ترتيبات أوسلو، وعدم التعامل مع «المناطق ج» باعتبارها ملفاً تفاوضياً مؤجلاً، بينما تعمل إسرائيل بصورة منهجية على تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي والقانوني فيها.

فالسياسة الإسرائيلية لا تقتصر على التوسع الاستيطاني، وإنما تستخدم منظومة من الأوامر العسكرية والإجراءات البيروقراطية والقانونية لمنع التطور الفلسطيني. ويأتي الأمر العسكري 1797، وما ارتبط به من إجراءات سريعة لهدم منشآت فلسطينية، نموذجاً على أدوات توظيف الإدارة المدنية الإسرائيلية في فرض واقع جديد ومنع التخطيط العمراني الفلسطيني.

وفي المقابل، تشير القراءة النقدية التي تقدمها هاس إلى وجود فجوة بين الخطاب السياسي الفلسطيني وبين متطلبات المواجهة الميدانية. فإصدار البيانات وإدانة الاستيطان والهدم، رغم أهميتهما السياسية والقانونية، لا يكفيان وحدهما لحماية الأرض، ما لم يترافقا مع خطة وطنية متكاملة للصمود والتنمية والحماية القانونية.

وهنا ينبغي للقيادة الفلسطينية أن تتعامل مع «المناطق ج» باعتبارها أولوية وطنية عاجلة، من خلال توجيه الموارد المالية إلى التجمعات المهددة، ودعم المزارعين والرعاة والبدو، وتوفير الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وإنشاء مشاريع إنتاجية تعزز ارتباط السكان بأرضهم.

كما أن المطلوب إعداد ملفات قانونية متكاملة لكل أرض أو منشأة مهددة بالمصادرة أو الهدم، وتوثيق الملكيات والانتهاكات، وربطها بالقانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة، وصولاً إلى تحريك المؤسسات الدولية والمحاكم والهيئات الحقوقية.

والأهم أن تتحول قضية «المناطق ج» من ملف إداري إلى ملف سياسي وطني جامع، تشارك فيه منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والبلديات والمجالس القروية والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية، مع إنشاء آلية وطنية دائمة لمتابعة المخاطر والاستجابة لها قبل وقوعها.

إن خطورة المرحلة تكمن في أن الضم قد لا يأتي بقرار إسرائيلي واحد ومعلن، بل عبر خطوات متراكمة: مصادرة الأراضي، توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، شق الطرق، منع البناء الفلسطيني، هدم المنشآت وتهجير السكان. وعندما تتغير الوقائع على الأرض، يصبح استعادتها أكثر صعوبة.

لذلك فإن طرح عميرة هاس يستحق أن يتحول إلى ورقة عمل فلسطينية. فالمطلوب ليس الاكتفاء بمراقبة الاحتلال، وإنما بناء قدرة فلسطينية على مواجهة آثاره ميدانياً وقانونياً واقتصادياً.

إن «المناطق ج» ليست هامشاً جغرافياً، بل تمثل عمق الدولة الفلسطينية ومستقبلها. وإذا كانت إسرائيل تخطط للأرض على مدى عقود، فإن المطلوب فلسطينياً هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى التخطيط الاستراتيجي.

والرسالة الأهم هنا أن حماية الأرض تبدأ بتثبيت الإنسان عليها؛ فالضم لا يبدأ فقط عندما تعلن إسرائيل سيادتها على الأرض، وإنما يبدأ عندما يصبح الفلسطيني عاجزاً عن البناء والزراعة والوصول إلى أرضه والعيش فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن ما تطرحه عميرة هاس يمثل نصيحة عملية وناضجة للقيادة الفلسطينية: الوقت ليس في صالح الفلسطينيين، والمواجهة الحقيقية على الأرض، ومن يترك «المناطق ج» تتآكل بصمت، يخسر تدريجياً المساحة الجغرافية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب