عودة التشاؤم بـ«وصفة ترامب»: روسيا تستثمر في الانقسام الغربي

عودة التشاؤم بـ«وصفة ترامب»: روسيا تستثمر في الانقسام الغربي
بعكس ما توحي به التصريحات الأميركية «المتفائلة»، ثمّة مَن يستبعد أن يسفر الحَراك الديبلوماسي الأخير عن تسوية للحرب الأوكرانية، في ظلّ خلافات جوهرية حول مسألة ضمّ الأراضي.
بالنظر إلى عدد المرّات التي زعم فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا أصبح «أقرب من أيّ وقت مضى»، والنزعة العدائية الأميركية المتزايدة أخيراً تجاه أوروبا، يصبح بالإمكان «التنبّؤ» بالنتيجة التي قد تؤول إليها المفاوضات واللقاءات التي اكتسبت زخماً، خلال الأسابيع الماضية، بين واشنطن وسائر العواصم الأوروبية، بهدف التوصّل إلى تسوية للحرب. ومرّة جديدة، أبلغ ترامب، الصحافيين، بأنه «أجرى مناقشة جيدة وطويلة مع فولوديمير زيلينسكي والزعماء الأوروبيين»، وبأن «الأمور تسير على ما يرام… أعتقد أنّنا أقرب إلى التوصّل إلى اتفاق من أيّ وقت مضى»، فيما ذهب بعض المسؤولين الأميركيين إلى حدّ القول، إنّه تمّ حلّ 90% من القضايا بين واشنطن وكييف، بينما ظلّت بعض المسائل العالقة التي تتطلّب «مناقشات فنية».
وجاء هذا التقييم الأميركي بعد يومين من المناقشات في برلين بين مسؤولين من أوروبا وأوكرانيا والولايات المتحدة، بحضور مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، فيما انضمّ الرئيس الأميركي، عبر الهاتف، الإثنين، إلى مأدبة عشاء للزعماء الأوروبيين لمناقشة الاتفاق الذي يتمّ الإعداد له. وبدوره، قال زيلينسكي، إن المقترحات التي يجري التفاوض عليها مع المسؤولين الأميركيين للتوصّل إلى اتفاق سلام «قابلة للتنفيذ»، ويمكن الانتهاء منها «في غضون أيام»، على أن يقدّمها المبعوثون الأميركيون إلى الكرملين قبل إجراء المزيد من الاجتماعات المحتملة في الولايات المتحدة، نهاية الأسبوع المقبل.
على أنّه طبقاً لما خرج من لقاءات برلين، فإن هذه التحرّكات لن تَفلح حتى في ضمان التزام موسكو بمقترح ألمانيا حول هدنة عيد الميلاد، إذ إن المسؤولين الأميركيين، وعلى الرغم من تأكيدهم أن المفاوضات أسفرت عن تقدّم واضح في شأن الضمانات الأمنية لكييف، والتي تشبه ما تنصّ عليه المادة الخامسة من ميثاق «الناتو»، إلا أنهم أشاروا في المقابل إلى أن ثمّة «فجوات كبيرة في شأن قضيّة الأراضي».
وفي هذا الجانب، يجادل توماس فريدمان، في «نيويورك تايمز»، بأن ترامب ومستشاريه «يجهلون طبيعة الصراع في أوكرانيا، ويتعاملون معه كما لو كان صفقة عقارية كبرى، ما يجعلهم بمثابة (مغفّلين نافعين) يستغلّهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، في إشارة إلى المصطلح الذي كان الشيوعيون الروس يطلقونه على الأجانب الذين يُستغلّون لخدمة استراتيجيات أعدائهم. وتأتي مثل هذه التحليلات على خلفية تلويح ترامب بتطبيق وصفته «السحرية» التي تحدّث عنها في لبنان وغزة، والتي تدعو، في خصوص أوكرانيا، إلى الانسحاب من نحو 14% من إقليم دونباس، على أن تصبح تلك المساحة، طبقاً للمسوّدة الأميركية الأخيرة، «منطقة اقتصادية حرّة منزوعة السلاح».
لن تفلح المحادثات حتى في ضمان التزام موسكو بوقف لإطلاق النار خلال فترة الأعياد
وبعد سبع ساعات أمضاها الرئيس الأوكراني مع مستشاري ترامب في برلين، خرج زلينسكي سريعاً ليؤكّد أن الجانبين لا تزال لديهما «مواقف مختلفة حول مسألة الأراضي»، معتبراً أن «الشعب الأوكراني وحده هو مَن يمكنه الموافقة على التنازلات الإقليمية، ربّما من خلال استفتاء». وعلى الرغم من محاولته الإيحاء بعدم وجود ضغوط أميركية جدّية على بلاده للتنازل عن الأراضي، قائلاً إنه «لا يعتقد أن الولايات المتحدة تطالب أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ مُعيّنة، بل تكتفي بتمرير مطالب موسكو»، إلا أنّ واشنطن تضغط، بشكل غير مباشر، على كييف للمضيّ قدماً بالصيغة المطروحة. وفي هذا السياق، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي، قوله إن «الأمر متروك لأوكرانيا لتقرّر كيفيّة التعامل مع القضيّة الإقليمية»، وإن «بقية العرض الأميركي، بما في ذلك أقوى الضمانات الأمنية المُقدّمة حتى الآن، لن تكون على الطاولة إلى الأبد». وفي المقابل، يؤكد زيلينسكي، باستمرار، أن كييف تستبعد الاعتراف بسيطرة موسكو على أيّ جزء من دونباس.
وعلى الجانب الروسي، أعلن الكرملين أنه «لم يطّلع على نص البيان المشترك لقادة الاتحاد الأوروبي في شأن الضمانات الأمنية لكييف»، فيما كرّر الناطق باسمه، ديمتري بيسكوف، أمس، أن روسيا تريد اتفاق سلام شاملاً، «وليس هدنة مؤقّتة»، «من شأنها أن تمنح أوكرانيا فترة استراحة تستعدّ خلالها لاستكمال الحرب»، في ما بدا أنه إشارة إلى رفض موسكو الالتزام بهدنة الأعياد.
وحسم نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، بدوره، أمس، موقع روسيا من قضيّة التنازل عن الأراضي، مؤكّداً أن بلاده لن تقبل بأيّ تسوية في شأنها. وقال: «موسكو لم تخفّض مطالبها وتريد الاحتفاظ بالسيطرة على خمس مناطق أوكرانية، هي: شبه جزيرة القرم، دونيتسك، لوغانسك زاباروجيا وخيرسون». وفي تصريحات لاحقة، رأت الرئاسة الروسية أن «مشاركة الدول الأوروبية في المفاوضات المرتبطة بالخطّة الأميركية الخاصّة بأوكرانيا لا تعكس توجّهاً إيجابيّاً»، مشيرة إلى أنها لم تُبلَّغ حتى الآن بنتائج المحادثات الأخيرة التي استضافتها برلين.
وطبقاً للعديد من المراقبين في الغرب، فإن رفض روسيا التنازل عن مطالبها بعد أربع سنوات من الحرب، يأتي على خلفية تماسكها داخلياً، في مقابل حالة «التفكّك» داخل المعسكر الغربي، والتي يسهم ترامب في تعميقها. وفي السياق، ورد في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، بعنوان «روسيا كسبت الحرب بالفعل»، أن لدى بوتين سبباً مُقنِعاً ليكون «واثقاً» بنفسه، وهو أنه يحقّق هدفه في إضعاف حلف «الناتو» وتفكيكه، كما المعسكر الغربي عموماً، مع الإشارة إلى أن «مفاوضات السلام الفاشلة التي قادها ترامب كشفت عن انقسامات حادّة بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ظلّ مقترحات متضاربة وتبادل للاتهامات». وطبقاً للمصدر نفسه، تعمّقت هذه الهوة مع انتقاد الرئيس الأميركي أوروبا الغربية، واعتباره إياها «ضعيفة ومتدهورة»، وتلميحه إلى أنه سيكون على أوكرانيا التنازل عن إقليم دونباس، وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة التي تركّز على إعادة الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا، وتحذّر، في الوقت عينه، من أن أوروبا تقترب من فقدان «هويتها الغربية».
وبعد سنوات من الحرب، وفي مقابل الانقسام في الموقف الغربي، يَظهر أن الرأي العام في روسيا أكثر تماسكاً في دعم الحرب. ففي حين تشهد الولايات المتحدة وأوروبا، وحتى إدارة ترامب والحزب الجمهوري، خلافات حادّة حول كيفية إنهاء الصراع، بقي الدعم الشعبي الروسي للعمليات العسكرية ثابتاً عند نحو 70% إلى 80%. وعليه، يحذّر خبراء من أن صنّاع القرار الغربيين يخطئون في اعتقادهم بأن الروس بدأوا «يفقدون صبرهم» من الحرب، خصوصاً أن «الوضع الاقتصادي في روسيا يتدهور، لكنّ الركود لا يعني الأزمة»، وفق ما تنبّه إليه ماريا سنيجوفايا، الباحثة الروسية في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، في حديث إلى المجلّة.




