فلسطين
غابات كفر صور.. قرية فلسطينية غابت عن الخارطة وبقيت حاضرة في الذاكرة
شهادة موثقة على النكبة وسياسات التهجير والتغيير الديموغرافي في قضاء طولكرم

غابات كفر صور.. قرية فلسطينية غابت عن الخارطة وبقيت حاضرة في الذاكرة
شهادة موثقة على النكبة وسياسات التهجير والتغيير الديموغرافي في قضاء طولكرم
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة / الأستاذ عبد البري
لم تكن قرية غابات كفر صور مجرد تجمع ريفي صغير على الساحل الفلسطيني، بل كانت نموذجاً للمجتمع الزراعي الفلسطيني الذي ارتبط بالأرض والعمل والإنتاج، قبل أن تتحول أحداث عام 1948 إلى نقطة فاصلة أنهت وجودها الجغرافي، بينما بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية بوصفها إحدى القرى التي شملها التهجير خلال النكبة.
وتأتي أهمية توثيق تاريخ غابات كفر صور في إطار الحفاظ على الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وإعادة قراءة تاريخ القرى المهجرة من منظور تاريخي وتوثيقي يستند إلى المصادر والإحصاءات والسجلات الرسمية، بعيداً عن السرد العاطفي وحده، بما يسهم في صون الرواية التاريخية للأجيال المقبلة.

موقع استراتيجي في قلب السهل الساحلي
تقع غابات كفر صور في الجزء الجنوبي الغربي من قضاء طولكرم، على مسافة تقارب ستة عشر كيلومتراً من المدينة، ضمن السهل الساحلي الفلسطيني الذي شكّل عبر التاريخ إحدى أهم المناطق الزراعية وأكثرها خصوبة.
وقد ارتفع موقع القرية نحو خمسة وعشرين متراً فوق سطح البحر، الأمر الذي منحها طبيعة جغرافية منبسطة ملائمة للزراعة، كما كانت جزءاً من الامتداد الطبيعي لغابات أرسوف التاريخية، التي اشتهرت بأشجارها وأراضيها الرملية الخصبة.
وأكسبها قربها من الطريق الساحلي التاريخي الواصل بين يافا وحيفا أهمية اقتصادية، إذ سهّل انتقال السكان والمنتجات الزراعية إلى الأسواق الفلسطينية الكبرى، وربطها بالموانئ والأسواق التجارية في الساحل.

الأرض… مصدر الحياة والهوية
شكّلت الأرض محور الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان القرية، إذ بلغت مساحة أراضيها نحو 19,666 دونماً، توزعت بين الأراضي الزراعية والبساتين والأراضي المشاع.
واعتمد السكان بصورة رئيسية على زراعة الحمضيات التي اشتهر بها الساحل الفلسطيني، إلى جانب القمح والشعير والسمسم والبطيخ والخضروات الموسمية، كما انتشرت بساتين التين والزيتون وبعض الأشجار المثمرة.
وتشير سجلات عام 1945 إلى وجود أكثر من 1,300 دونم مزروعة بالحمضيات، بينما خُصصت آلاف الدونمات الأخرى للحبوب والزراعة البعلية، وهو ما جعل القرية جزءاً من الاقتصاد الزراعي الفلسطيني المزدهر في تلك الحقبة.
وكان البرتقال الفلسطيني المنتج في المنطقة من أهم السلع الزراعية المعدة للتصدير، وأسهم في توفير دخل مستقر للأهالي، الذين عرفوا بإتقانهم للزراعة واستصلاح الأراضي وحفر الآبار واستثمار المياه الجوفية.
مجتمع ريفي متماسك
عاشت غابات كفر صور حياة اجتماعية مستقرة اتسمت بالتكافل والترابط العائلي، واعتمد سكانها على العمل الجماعي في الزراعة والحصاد وبناء البيوت.
وبحسب الإحصاءات الرسمية لفترة الانتداب البريطاني، بلغ عدد سكان القرية 559 نسمة عام 1931، ثم ارتفع إلى نحو 1,130 نسمة عام 1945، وهو ما يعكس النمو الطبيعي والاستقرار الاقتصادي الذي شهدته القرية قبل النكبة.
وضمت القرية مساكن مبنية بالحجر والطين، وانتشرت حولها الحقول والبساتين، فيما كانت العلاقات الاجتماعية تقوم على التعاون والمشاركة في المواسم الزراعية والمناسبات الدينية والاجتماعية.
النكبة… نقطة التحول الكبرى
شهد الساحل الفلسطيني خلال الأشهر الأولى من عام 1948 تصاعداً في العمليات العسكرية التي استهدفت السيطرة على المدن والقرى العربية، في إطار الحرب التي رافقت انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان قيام دولة إسرائيل.
وكانت غابات كفر صور من بين القرى التي تأثرت مباشرة بهذه التطورات، حيث غادر سكانها قريتهم خلال تلك الأحداث، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية واتساع نطاق المواجهات.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن سكان القرية لم يتمكنوا من العودة إليها بعد انتهاء الحرب، فيما تعرضت معظم المنازل والمنشآت للتدمير أو الإزالة، وأعيد تشكيل المشهد العمراني للمنطقة في السنوات اللاحقة.
ويصف عدد من الباحثين الفلسطينيين هذه الوقائع بأنها جاءت ضمن سياسة أوسع استهدفت إحداث تغيير ديموغرافي واسع في مناطق متعددة من فلسطين التاريخية، بينما تعرض هذه الأحداث في الأدبيات التاريخية الإسرائيلية والدولية بتفسيرات مختلفة ترتبط بظروف الحرب آنذاك.
منازل
مهدمة وآثار تقاوم النسيان
مهدمة وآثار تقاوم النسيانرغم مرور أكثر من سبعة عقود على تهجير سكان القرية، لا تزال بعض الشواهد العمرانية قائمة حتى اليوم.
فقد بقيت آثار منازل حجرية عربية متناثرة بين الأشجار والنباتات البرية، إضافة إلى بقايا آبار المياه وأشجار الجميز والخروب والتين التي زرعها الأهالي قبل النكبة.
كما ما تزال أجزاء من البساتين القديمة ظاهرة في الموقع، رغم التغيرات الطبيعية والعمرانية التي شهدتها المنطقة، لتبقى شاهداً مادياً على وجود مجتمع فلسطيني عاش في المكان لعقود طويلة.
تغيير المشهد الجغرافي
بعد عام 1948 شهدت المنطقة تحولات كبيرة في استخدام الأراضي، وأقيمت في محيط أراضي القرية تجمعات إسرائيلية، من أبرزها بيت يهوشوع، وتل يتسحاق، وكفار نيتر، إضافة إلى مشاريع زراعية وعمرانية غيّرت ملامح المنطقة.
وأدت هذه التحولات إلى اختفاء معظم المعالم العمرانية الأصلية للقرية، في حين بقي اسمها محفوظاً في سجلات القرى الفلسطينية المهجرة، وفي ذاكرة أبنائها وأحفادهم.
غابات كفر صور في الذاكرة الفلسطينية
لا يزال أبناء القرية وأحفادهم يحتفظون بأسماء الحقول والآبار والأحياء القديمة، ويتناقلون الروايات الشفوية التي توثق تفاصيل الحياة اليومية قبل النكبة.
وتكتسب هذه الروايات أهمية خاصة، لأنها تمثل جزءاً من الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وتسهم في حفظ التاريخ المحلي الذي لا تنقله الوثائق الرسمية وحدها.
وقد لعبت المؤسسات الفلسطينية المهتمة بتوثيق القرى المهجرة، والباحثون والمؤرخون، دوراً مهماً في جمع الخرائط والصور الجوية والإحصاءات البريطانية وشهادات السكان، بهدف الحفاظ على الرواية التاريخية وتوثيقها للأجيال القادمة.
أهمية التوثيق التاريخي
إن توثيق تاريخ غابات كفر صور لا يقتصر على استعادة الماضي، بل يشكل عملاً علمياً وثقافياً يحفظ جانباً من التاريخ الفلسطيني الحديث، ويسهم في دراسة التحولات الديموغرافية والعمرانية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال القرن العشرين.
كما أن دراسة القرى المهجرة تمثل مدخلاً لفهم طبيعة المجتمع الفلسطيني قبل النكبة، الذي تميز باقتصاد زراعي متطور، وشبكات اجتماعية متماسكة، وعلاقات اقتصادية واسعة مع المدن الفلسطينية.
مسؤولية الحفاظ على الذاكرة

أثبتت التجارب أن القرى قد تُزال من الخرائط، لكن الذاكرة الجماعية قادرة على إبقاء المكان حياً عبر الرواية الشفوية والوثائق والصور والبحوث الأكاديمية.
ومن هنا تبرز أهمية استمرار جهود التوثيق، وجمع شهادات كبار السن، ورقمنة الوثائق والصور والخرائط، حتى تبقى هذه القرى جزءاً من الوعي التاريخي والثقافي الفلسطيني والعربي.
خاتمة

تبقى غابات كفر صور واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي غابت عن الخارطة السياسية بعد عام 1948، لكنها ما زالت حاضرة في الوجدان الوطني، وفي الدراسات التاريخية، وفي ذاكرة أبنائها الذين توارثوا أسماء الحقول والبيوت والطرق جيلاً بعد جيل.
إنها ليست مجرد موقع جغرافي اندثر، بل قصة مجتمع فلسطيني عاش على أرضه، وأنتج وزرع وبنى، ثم وجد نفسه أمام تحولات تاريخية كبرى غيّرت وجه المكان. وبين بقايا البيوت وأشجار البرتقال والآبار القديمة، ما زالت غابات كفر صور تروي فصلاً مهماً من تاريخ فلسطين، وتؤكد أن الذاكرة الوطنية تبقى إحدى أقوى وسائل الحفاظ على الهوية والتاريخ.

ملاحظة توثيقية: استند هذا التحقيق إلى الإحصاءات الرسمية لفترة الانتداب البريطاني، والدراسات الأكاديمية الخاصة بالقرى الفلسطينية المهجرة، وكتب المؤرخين، والمراجع التوثيقية الفلسطينية، والروايات الشفوية المتداولة لدى أبناء القرية، وذلك بهدف تقديم عرض تاريخي موثق وموضوعي.



