فايننشال تايمز : بحظرها “بالستاين أكشن” أوقعت حكومة “العمال” البريطانية نفسها في مستنقع سياسي لا مخرج منه
فايننشال تايمز : بحظرها “بالستاين أكشن” أوقعت حكومة “العمال” البريطانية نفسها في مستنقع سياسي لا مخرج منه
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريراً أعدته آنا غروس قالت فيه إن معالجة “حزب العمال” لحركة “بالستاين أكشن” تقوده نحو “مستنقع سياسي”، وقالت إن ما بين 7 من كل 10 من أعضاء “حزب العمال” يعارضون تصنيف حركة “بالستاين أكشن” المؤيدة لفلسطين كمنظمة إرهابية، ويواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ثورة متزايدة في صفوف الحزب وتحديات قانونية.
وجاء في التقرير أن ستارمر أوقع نفسه في ورطة كبيرة من خلال حظر “بالستاين أكشن”، ومن الصعب رؤية مخرج جيد له.
وتُعتبر الحركة منظمة عمل مباشر، هدفها المعلن هو “إنهاء نظام الفصل العنصري الإسرائيلي” ووقف العنف في غزة. وقد أعلنت وزيرة الداخلية يوفيت كوبر أنها ستحظر المنظمة في حزيران/يونيو، ودخل التشريع حيز التنفيذ رسمياً في 5 تموز/يوليو. لكن القرار بدا بعد مرور الأيام والأسابيع إشكالياً لحكومة ستارمر.
ما بين 7 من كل 10 من أعضاء “حزب العمال” يعارضون تصنيف حركة “بالستاين أكشن” المؤيدة لفلسطين كمنظمة إرهابية
وأشارت الصحيفة إلى أن واحدة من النقاط الرئيسية في هذه الكارثة التي كافحت حكومة ستارمر لاحتوائها: هي المنظور. فما يعرفه الرأي العام البريطاني عن “بالستاين أكشن” أنها قامت بالهجوم على مؤسسات وألحقت أضراراً بالممتلكات. وفي الغالب ما استهدفت حملاتهم المباشرة مصنعي الأسلحة، بما في ذلك أنظمة “إلبيت” الإسرائيلية، وتحطيم النوافذ واقتحام المكاتب وإتلاف الآلات وسكب الطلاء الأحمر. لقد تسلقوا أسطح المصانع وقيدوا أنفسهم بالسلاسل إلى البنية التحتية، ورفعوا لافتات تدعو إلى إنهاء مبيعات الأسلحة لإسرائيل. وكان وراء تحرك كوبر ضد الحركة هجوم قام به أفراد الحركة، في حزيران/يونيو، ضد قاعدة سلاح الجو الملكي “برايز نورتون”، حيث قاموا بطلاء الطائرات بالدهان الأحمر، ما تسبّب بأضرار كلفت الملايين.
وعموماً لم يربط الرأي العام أياً من هذه الأفعال بالإرهاب. وهو ما قاد إلى انقسام وقلق عميق داخل الحكومة.
وقد تحدثت صحيفة “فايننشال تايمز” إلى وزراء قالوا إنهم يشعرون بالقلق من قلة المعلومات التي قدمتها الحكومة بشأن ما يقود إلى اعتبار حركة “بالستاين أكشن” “جماعة إرهابية” وليس جماعة احتجاجية شاركت في أنشطة إجرامية.
وحاولت الحكومة، في الفترة الأخيرة، التصدي لهذه المخاوف، بدلاً من تقديم تلميحات مجتزأة للقول إن لديها معلومات وافرة عن المجموعة.
وأفادت التقارير أن ستارمر تحدث في اجتماع للجنة التنفيذية الوطنية لـ”حزب العمال” بأن المجموعة استهدفت شركات “مملوكة ليهود” دون تقديم أي تفاصيل أخرى. في غضون ذلك، كتبت كوبر في صحيفة “أوبزرفر”، خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقالاً قالت فيه إن بعض المعلومات المتعلقة بأنشطة “بالستاين أكشن” لا يمكن نشرها للعامة بسبب الإجراءات القانونية الجارية.
إلا أن هذا يطرح السؤال: لماذا لم يعلن ستارمر وكوبر المزيد من المعلومات قبل صدور القرار والطعن القانوني المتوقع؟
وقد جادل البعض بأن قرار حظر المجموعة كان إساءة استخدام لتشريعات الإرهاب.
مع أن قانون الإرهاب لعام 2000 صيغ بطريقة تشمل مجموعة واسعة من الجرائم، بما في ذلك العنف الخطير وإلحاق الضرر بالممتلكات بغرض الترويج لقضية سياسية أو دينية أو أيديولوجية.
ونقلت الكاتبة عن جاك سترو، وزير الداخلية في عهد رئيس الوزراء السابق توني بلير، والذي قدم التشريع لأول مرة في البرلمان، أن “التعريف وُضع عمداً ليغطي نطاقاً واسعاً إلى حد ما”. وأعرب عن اعتقاده بأن حظر منظمة “بالستاين أكشن” كان مبرراً على الأرجح، نظراً لأن أفعال المجموعة تجاوزت التخريب العادي إلى التسبب في أضرار باهظة التكلفة لمواقع حيوية للأمن.
وفي وثائق قضائية حديثة بشأن القضية، ذكرت الحكومة أن كوبر تلقت أول إشعار بأن المجموعة قد اجتازت “الحاجز القانوني” للحظر في 13 آذار/مارس، لكنها أبدت مخاوف بشأن التوقيت والحذر في اتخاذ هذه الخطوة.
ومنذ ذلك الحين، أفادت التقارير بأن وزارة الخارجية أعربت عن تحفظاتها بشأن حظر المجموعة في آذار/مارس، لأن “بالستاين أكشن” تعتبرها العديد من الدول، ومن بين أمور، “جماعة ناشطة وليست جماعة متطرفة”.
ويُظهر التأخير بين حصول كوبر على توجيهاتها باستيفاء الشرط القانوني وقرارها حظر الجماعة أن للحكومة سلطة تقديرية. إذ يمكنها استخدام تقديرها السياسي. ومن هنا تساءلت الصحيفة عن مدى التضليل السياسي، وما يرسله من إشارات للرأي العام.
وقالت الصحيفة إن مراسلتها تحدثت إلى شخصية بارزة أخرى قدمت المشورة للحكومة بشأن الإرهاب في الأسبوع الذي تلا حظر الجماعة. وعلمت المراسلة أن هناك حاجة لأن تقدم الحكومة مزيداً من المعلومات حول ما يجعل هذه الجماعة إرهابية. ومع أنه لم يوافق شخصياً على أنشطة “بالستاين أكشن”، بل رأى أنها تلحق الضرر بالقضية الفلسطينية، إلا أنه كان قلقاً جداً من أن قرار حظر الجماعة “سيهيئ الظروف لثقافة استشهادية رائعة”، حيث عبّر عن خشيته من زعم الناس في الداخل والخارج من إمكانية تجريم الناس ببريطانيا لمجرد دعمهم لفلسطين، وهو قلق في محله.
وقد شاهد الرأي العام أكثر من 700 شخص يعتقلون لإظهار دعمهم للمنظمة منذ حظرها، وقالت شرطة العاصمة إنه سيتم مقاضاة 60 شخصاً. وعلى شاشات التلفزيون وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، شاهدوا كبار السن، وكذلك الأطباء والمحامين الشباب، يعتقلون لحملهم لافتات سلمية أو الانضمام إلى المسيرات. وفي الوقت نفسه، شاهدوا صوراً لأطفال يتضورون جوعاً ونحيلين في غزة، بالإضافة إلى الدمار الشامل الناجم عن الهجوم الإسرائيلي المستمر والمتوسع.
وهناك علامات عن التأثير السياسي، فقد أظهر استطلاع رأي أجرته شركة “سيرفيشن” لصالح جريدة “ليبر ليست”، ونُشر هذا الأسبوع، أن سبعة من كل عشرة أعضاء في “حزب العمال”، وهم أشخاص حافظوا على عضويتهم ولم يغيروا ولاءهم بعد إلى “حزب الخضر” أو الحزب الجديد بقيادة جيريمي كوربين وزارا سلطانة، يعتقدون أن قرار حظر منظمة “بالستاين أكشن” كان خطأ.
ولا يبدو أن هذه القضية ستتلاشى بسرعة، بل يبدو أنها تكتسب زخماً متزايداً. فقد تعهدت منظمة “الدفاع عن هيئات المحلفين”، التي نظمت احتجاج 9 آب/أغسطس في لندن، بمواصلة حملة “التحدي الجماهيري والعلني”. وقد حصلت المؤسسة المشاركة لمنظمة “بالستاين أكشن” على إذن من المحكمة العليا لتقديم طعن قانوني على قرار الحظر، والذي ستنظر فيه المحكمة في تشرين الثاني/نوفمبر. وتعهدت إحدى أشهر الكاتبات المعاصرات في بريطانيا، سالي روني، الأسبوع الماضي، بالتبرع ببعض عائدات رواياتها وأفلامها لدعم المنظمة المحظورة. فهل سيتم اعتقالها؟ كم عدد الشهداء الذين يستطيع “حزب العمال” أن يتحملهم؟
وفي هذا السياق طرحت نائبة في “حزب العمال” وعضو في مجلس اللوردات، عمل وزيراً في حكومة “العمال”، مخرجاً لحكومة كير ستارمر من مأزق تصنيف جماعة عمل مدني مؤيدة لفلسطين كمنظمة إرهابية.
وزيرة الداخلية: بعض المعلومات المتعلقة بأنشطة “بالستاين أكشن” لا يمكن نشرها للعامة بسبب الإجراءات القانونية الجارية
وقالت سيلا كريسي، النائبة العمالية عن منطقة وولثمستو في لندن، التي صوتت لصالح قرار الحظر، وعضو مجلس اللوردات بيتر هين، وزير شؤون أيرلندا السابق، الذي صوت ضده، في مقال نشرته صحيفة “الغارديان”: “نشعر بصفتنا برلمانيين متحمسين للديمقراطية والحريات المدنية، أن كليهما مهدد. ويشجع عدد متزايد من المنظمات العنف والترهيب سعياً وراء أهداف سياسية. فيما يتعرض النواب لتهديدات وينصحون بعدم فتح مكاتبهم لتلقي أبناء مناطقهم [يطلق عليها عيادات]، فهم في حالة من الحزن على مقتل زميلين خلال السنوات العشر الماضية. ويشجع اليمين المتطرف الاحتجاجات والتهديدات المناهضة للمهاجرين في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، فإن محاولات معالجة كل هذا تزعزع بشكل متزايد ثقة الجمهور في السياسة وتشجع أولئك الذين يؤججون نيران الكراهية بزعم “رد فعل مزدوج” بدون تغيير، سيزيد من خطر تعرض شخص ما للأذى أو القتل مرة أخرى”.
وقالا إن زيادة التطرف الداخلي والخارجي وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، تدفع وبشكل متزايد نحو العمل المباشر الذي ينتهي بالأذى الجسدي أو التدمير من أجل لفت الانتباه.
وعليه يعد حظر الأنشطة الإرهابية الأداة الرئيسية المتاحة للحكومات لوضع حد نهائي لهذا، ولكن مع تصنيف ما يقرب من 100 منظمة ومئات البريطانيين الآخرين كإرهابيين، في الأسابيع الأخيرة، أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على التناسب بين المنظمات المحظورة في أذهان العامة. ومن هنا فلكي يكون أي قانون فعالاً يجب أن يكون عملياً وشرعياً. و”لكي يحمي الديمقراطية، يجب ألا يكون مصمماً، أو ينظر إليه على أنه مصمم، لتجنيب الوزراء صعوبات التعامل مع المعارضة. ويضع تصنيف جماعة أو فرد أي شخص يعبر سلمياً عن معارضته في نفس فئة من يزرع قنبلة أو يطلق رصاصة”. وتساءل الكاتبان عن الكيفية التي يجب أن ترد فيها الحكومة.
الجواب، هو أن يكون من خلال تحكيم الحس السليم، فملاحقة الناس بسبب ملصق يختبر حدود الحرية، بعضهم قد يدعم أو لا يدعم “بالستاين أكشن”، مع تمسكهم بشدة بحقوق الفلسطينيين، تشوش نية الحكومة بدلاً من أن توضحها. ويجب أن يتمكن الناس من الاحتجاج على فظائع غزة، ويجب أن ينصب التركيز على ما يحدث في فلسطين، وليس في ساحة البرلمان. ويجب على الحكومة أيضاً أن تكون أكثر شفافية بشأن كيفية دعمها لحقوقنا الدستورية.
ويجب ألا تقوم دولة ديمقراطية بفرض قرارات تعسفية، بل يجب أن تسعى جاهدة للحصول على إجماع المواطنين.
– “القدس العربي”:




