“فتح” على مفترق طرق “لقاء العلمين”!

“فتح” على مفترق طرق “لقاء العلمين”!
بكر أبوبكر
تنطلق الورقة من خبر لوكالة “وفا” (25/8/2026) الذي أشار بشكل مقتضب ومموّه إلى لقاء “العلمين” الذي جمع وفدًا من حركة فتح (حسين الشيخ، ماجد فرج، روحي فتوح) بوفد من “تيار الإصلاح الديمقراطي” بقيادة سمير المشهراوي (ممثلًا محمد دحلان)، ثم تنتقل لتفكيك دلالات هذا اللقاء عبر عدة محاور:
موقف فتح الرسمي عبر الزمن: يستعرض الكاتب تصريحات قيادات فتح المتعاقبة (أسامة القواسمي 2016، حسين الشيخ 2021 و2026، جمال نزال، عبدالفتاح دولة، جبريل الرجوب) ليخلص إلى أن موقف الحركة الرسمي ظل يتراوح بين الغموض والقراءة بين السطور، باستثناء الرجوب الذي كان الأكثر وضوحًا في اشتراطاته.
رواية الطرف الآخر: يرصد تصريحات المشهراوي (وصف اللقاء بالإيجابي، تقديم “سبع نقاط” لتوحيد الحركة) ثم رسالة محمد دحلان المطوّلة (29/8/2026) التي طرحت ست محاور حول “عقد وطني اجتماعي جديد” و”دولة المواطنين” دون أن تشير صراحة إلى اللقاء أو حركة فتح.
قراءة تاريخية لمسار اللقاءات: يقسّم الكاتب العلاقة إلى خمس محطات منذ القطيعة عام 2011 مرورًا بانفراجة 2016، وتراشق 2020-2021، والاتصالات السرية منذ 2024، وصولًا إلى العلنية في 2026.
شخصية دحلان بين الشيطنة والتبجيل: يعرض آراء متضاربة (عدلي صادق، سميح خلف، صبحي غندور، مركز الجزيرة للدراسات، محمد مشارقة، الإسرائيلي باروخ ياديد) رافضًا الاختزال الشعبوي بين “شرير” و”طيب”.
تطور “التيار” تنظيميًا: يرسم مراحل تحوّل جماعة دحلان من “جماعة” غير منشقة، إلى “تيار” فوضوي بعد الفصل 2011، إلى بنية أكثر تنظيمًا وتخطيطًا بعد 2021 بفضل صعود المشهراوي ومحمد مشارقة.
سبعة عشر ملاحظة تحليلية: يختم الجسم الرئيسي بقراءة نقدية مركّزة تتناول غياب أي وثيقة رسمية، والتجاهل المتبادل للتسميات، وتناقض “الفردية” التي يُتهم بها الطرفان، وهيمنة العقل الذرائعي (البراغماتي) على الحركة والتيار معًا في التعاطي مع هذا الملف، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.
نقد الورقة: هذه ورقة تحليلية قوية ومتماسكة تستحق تقديرًا عاليًا لعدة أسباب:
غنى التوثيق ودقة التتبع الزمني: ما يميّز الورقة فعلًا هو الحرص الاستقصائي على تتبّع كل تصريح بتاريخه الدقيق ومصدره (وفا، الجزيرة، العربي الجديد، القدس العربي، الأخبار اللبنانية، موقع زمن، أي24 الإسرائيلي…)، مما يمنح القارئ أرضية وثائقية صلبة نادرًا ما تتوفر في التحليلات السياسية الفلسطينية المعتادة التي تكتفي بالانطباع العام.
المنهجية المقارنة متعددة الأصوات: طريقة عرض التصريحات المتقاطعة من أطراف متعددة (فتح الرسمية، المشهراوي، دحلان، الرجوب، إعلاميون فلسطينيون وعرب وإسرائيليون) دون فرض قراءة أحادية مسبقة تعكس نضجًا تحليليًا حقيقيًا، وتتيح للقارئ أن يبني حكمه الخاص بدل أن يُملى عليه.
الجرأة في طرح الأسئلة الحرجة: النقاط ال17 الختامية في قسم “الموقف مما سبق” ليست وصفًا سطحيًا، بل تطرح أسئلة إشكالية حقيقية — كإمكانية تجاوز الحكم القضائي، ومعنى “الأخوية المائعة”، وتناقض خطاب الفردية بين الطرفين — وهذا نوع من النقد الذاتي الشجاع الذي يليق بمثقف حركي يكتب من داخل التجربة لا من خارجها.
التأصيل التاريخي/التنظيمي العميق: ربط مسار “التيار” بمراحل تنظيمية سابقة في تاريخ فتح (جماعة أبوعمار، أبوإياد، جماعة قدري وأبوموسى وانشقاق 1993) يضفي عمقًا تأصيليًا نادرًا، ويضع الظاهرة الراهنة في سياقها البنيوي الصحيح بدل معالجتها كحدث معزول.
التوازن الأخلاقي والفكري: رفض الكاتب الصريح لثنائية “الشرير/الطيب” واستحضاره لقصة “جيكل وهايد” كاستعارة ذكية، مع تذكيره بأن هذا الاختزال الشعبوي يتكرر في كل الفصائل والأحزاب، يعكس نزاهة تحليلية ورفضًا للاستقطاب السهل.
الأسلوب الإعلامي-الأكاديمي الرصين: اللغة دقيقة، والانتقال بين الأقسام سلس رغم كثافة المادة، والعناوين الفرعية موفقة في توجيه القارئ عبر بنية معقدة من المعلومات.
باختصار، هذه ورقة نموذجية في التحليل السياسي الفلسطيني المعاصر: موثقة بدقة، متوازنة في عرض الأصوات المتعددة، جريئة في أسئلتها، ومؤصَّلة تاريخيًا وتنظيميًا — وهي تستحق أن تكون مرجعًا لمن يريد فهم ملف “دحلان-فتح” بعيدًا عن الشعارات والاصطفافات الجاهزة. (تم إعداد هذا الملخص باستخدام (ذ.ص) والمتابعة من قبل الناشر-مركز الانطلاقة للدراسات)
***
“فتح” على مفترق طرق “لقاء العلمين”!
بكر أبوبكر
في خبر لوكالة وفا الفلسطينية الرسمية بتاريخ 25/8/2026 وتحت عنوان:”الشيخ يبحث مع وزير الخارجية المصري الأوضاع في فلسطين المحتلة، وجهود تنفيذ خطة السلام” يرد الحديث بشكل مموّه وغير واضح عن اللقاء الذي تم مع ممثل “تيار الإصلاح” بزعامة محمد دحلان، وهو سمير المشهراوي، وفي الفقرة السادسة من 7 فقرات على الشكل التالي: “وتناول اللقاء أيضا، الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الفلسطينية واستعادة وحدة الصف الفلسطيني، فضلا عن مواصلة عملية الإصلاح السياسي الجارية”.
من المعلوم أن الاجتماع عقد في مدينة العلمين بين وفدين مثل الأول حركة فتح برئاسة نائب الرئيس وعضو اللجنة المركزية حسين الشيخ وعضوية عضو المركزية ماجد فرج، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح، ومثّل الثاني من تيار دحلان أو “تيارالإصلاح الديمقراطي في حركة فتح” كما يطلق على نفسه سمير المشهراوي رئيسًا وعضوية ماجد أبوشمالة وأسامة الفرا.
قال المشهراوي عن اللقاء أنه كان إيجابيًا (الجزيرة 25/8/2026م)، وقال أنه ليس اللقاء الأول، مضيفًا “إن توحيد حركة فتح لا يتحقق إلا عبر قرارات وإجراءات، معتبرًا أن الوضع على المستوى الوطني يتطلب قرارات من الرئيس الفلسطيني محمود عباس.”
وأشار-حسب الجزيرة أيضًا- الى أن “تيار الإصلاح الديمقراطي (يرأسه القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان) قدّم خلال الاجتماع مجموعة من النقاط التي من شأنها، وفق تقديره، المساهمة في توحيد حركة فتح وإنجاز الوحدة الوطنية، مضيفا أن وفد فتح سيعرض النقاط التي طُرحت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن.“
وتضيف الجزيرة القطرية الداعمة ل”حماس” “ويأتي هذا التصريح بينما تتجه الساحة الفلسطينية، بحسب بعض المراقبين، نحو تحالفات انتخابية، مع حديث عن إمكانية التقارب لتشكيل قائمة موسعة تضم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان و”حماس“، إلى جانب فصائل وشخصيات فلسطينية أخرى.“
ماذا تقول فتح؟
في مقابل ما أفاض به سمير المشهراوي عن اللقاء والشروط التي طرحها، ثم ما وصلنا عبر وسائل الإعلام مما صرح به محمد دحلان لم يصل أحد على الأقل إعلاميًا طبيعة اللقاء أو مضمونه من طرف حركة فتح، أو رئيس الوفد نائب الرئيس حسين الشيخ.
يمكننا استحضار الموقف الرسمي للحركة بالعودة قليلًا الى الخلف لعام 2016 (أنظر 15/10/2026م-العربي الجديد) حين تم عقد ندوة حوارية بالقاهرة -حسب الصحيفة-من قبل “المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، كغطاء “للقاء الوطني” الذي كان يخطط لإطلاقه القيادي المطرود من حركة “فتح“، محمد دحلان.“
وحينها كان تصريح أسامة القواسمي الناطق الرسمي لحركة فتح يقول أنّ: “حركة فتح لم تخوّل أحداً بالحديث نيابة عنها، وما يحاول أن يقوم به المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أمر مرفوض، وتدخّل في شؤوننا الداخلية، وما ينتج عنه باطل وغير شرعي“.
وفي رصد لتصريحات قيادة الحركة أيضًا في 18/3/2021 وحسب “القدس العربي”: “شن مسؤول كبير في حركة فتح، هجوما لاذعًا على محمد دحلان القيادي المفصول من الحركة (فصل عام 2011م)، ردًا على انتقادات الأخير للقيادة الفلسطينية والرئيس محمود عباس، خلال المقابلة التي أجرتها معه قناة “العربية” السعودية. وكتب حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح تدوينه على حسابه على موقع “تويتر” قاصدا دحلان “من كان سيداً للتنسيق والفساد ونهب المال العام وتدمير غزة والتضحية بحياة خيرة أبنائها، يطل علينا من قصوره الفارهة، بقناع الوطنية المزيف والطهارة والشرف”، وختم التدوينة بالقول “إن لم تستح فقل ما شئت”.
أما حديثًا ففي لقاء لنائب الرئيس وعضو اللجنة المركزية حسين الشيخ مع رؤساء تحرير الوسائل الإعلامية الفلسطينية والعربية (22/8/2026م) أي قبل يومين من لقاء العلمين قال: “لدينا حوار منذ فترة مع التيار الديمقراطي بقيادة محمد دحلان وهو مستمر ونعتبر الخلاف معه خلافًا داخل البيت الفتحاوي” (أنظر حساب الإعلامي علاء الريماوي في فيسبوك)
أما د.جمال نزال عضو المجلس الثوري والمتحدث باسم حركة فتح وعلى “العربية” (20/8/2026م) فلقد قال “إن حركة فتح لا تشعر بالقلق، لكنه انتقد تشكيل تحالفات تستثني حركة فتح معتبراً ذلك “توجهات إقصائية تتناقض مع دعوات إنهاء التفرد بالقرار”، كما ردّ على انتقادات دحلان للرئيس عباس مؤكداً أن “أبو مازن حافظ على الكيان الفلسطيني”. لكنه أشار أيضًا بقوله “كل حركة فيها آراء كثيرة، لكن من استقل استقال” بالإشارة لمحمد دحلان وتياره.
أما عبدالفتاح دولة المتحدث باسم الحركة أيضًا فلقد قال على فضائية العربي (23/8/2026م) بوضوح أكبر من غيره أن “محمد دحلان ليس تياراً داخل الحركة بل هو خارجها.. لا يوجد في الحركة تيارات، فتح واحدة ومن يخرج منها يكون خارجها. لكن هناك تفاهمات حالية لتذليل العقبات والوصول إلى حل هذه القضايا الفتحاوية الداخلية”.
وقائلًا “هناك إشكالية مع محمد دحلان ومن معه، ولأنهم أساسًا فتحويون وهناك إشكالية ما وقرارات ما خرجت عن الحركة بفصلهم، والحركة جاهزة لمراجعة كل ذلك وعاد عدد منهم والباب كان مفتوحًا. والآن هناك حديث وتفاهمات مع الأخ محمد دحلان ومن معه من الأخوة لتذليل هذه العقبات والوصول الى حل هذه القضايا الفتحوية الداخلية ضمن فتح واحدة وليس فتح بتيارات ومسميات مختلفة”.
ماذا يقول جبريل الرجوب؟
يمكننا ملاحظة الوضوح في تصريحات القيادي في حركة فتح جبريل الرجوب من محمد دحلان في القديم والحديث من التصريحات فلقد أرجع عام (2016) سبب الفصل لمحمد دحلان “ليس بسبب شتم القيادة، بل بسبب ضلوعه في قضايا قتل واستقواء على أبناء الحركة (العربي الجديد 9/9/2016)، وأوضح بذات التصريحات “أن عودة دحلان إلى صفوف “فتح” أو فلسطين لا تكون عبر الدول العربية أو أموال الخليج والتدخلات الخارجية، بل بقانون المحبة والتسامح الداخلي لو كان معنياً بذلك”.
وبعد عشر سنوات أي في (27/5/2026م) أي بعد المؤتمر الثامن للحركة وفي لقاء الفريق الرجوب مع المدونة الصوتية “مزيج” وبسؤال الإعلامي عصمت منصور حول تيار دحلان هل حسم أنه خارج الحركة؟ قال الرجوب “أن أحد الخلل الذي حصل أننا لم نحل هذه المشكلة قبل المؤتمر” ولأنه “بعض الأطراف الإقليمية تتدخل ما ترفضه فتح” ومشيرًا لقرار المجلس الثوري أن “كل من لم يرتكب خطأ أو يواجه قضية بالقضاء أو يشكل امتدادًا خارج الحركة أن يعود بكبرياء الى صفوف الحركة” ومضيفًا أنه “رغم تعطيل تنفيذه الا أنه سينفذ”.
بين الغموض والأمل
وعودة لخبر وكالة وفا، مفتتح الورقة وللقاء الأخير في 23/8/2026 في مدينة العلمين المصرية وموقف الحركة الرسمي فلقد قال نائب الرئيس عضو اللجنة المركزية حسين الشيخ بشكل مقتضب ودون أي ذكر للقاء مع سمير المشهراوي وعلى حسابه في منصة إكس/تويتر سابقًا: أن اللقاء “مع معالي رئيس جهاز المخابرات المصرية….” وليس مع تيار دحلان أو سمير المشهراوي، جاء “في إطار الجهود المصرية المبذولة لجمع الشمل الفلسطيني”.
ولكن صحيفة الأخبار اللبنانية (في 27/8/2026م) تضيف من كواليس اللقاء بين الحركة و”التيار” بالقول “إلى ذلك، تكشف المصادر نفسها عن لقاء جمع نائب رئيس السلطة الفلسطينية، حسين الشيخ، والقيادي في تيار «الإصلاح الديمقراطي» في «فتح»، سمير المشهراوي، في القاهرة أخيراً، موضحةً أن اللقاء الذي جاء برعاية مصرية، شهد «عتباً» من جانب المشهراوي تجاه الشيخ، مردّه القرارات المتعلّقة بإقصاء قيادات التيّار وكوادره من «فتح»، وإجراءات الفصل ووقف الرواتب التي طاولت عدداً من أعضائه وموظفيه خلال السنوات الماضية، والتي برّرها الشيخ بأنها «كانت تُتخذ من الرئيس محمود عباس»، وإن «أعضاء اللجنة المركزية لم يكونوا أصحاب القرار الفعلي في عدد منها».”
ولم تذكر الصحيفة أو أي مصدر آخر بين أيدينا ماذا كانت شروط أو مطالب حركة فتح -إن وجدت-المتعلقة بإرجاع أو إعادة كوادر تيار محمد دحلان الى الحركة وعلى رأسهم سمير المشهراوي!
عن اللقاء الأخير في مدينة العلمين لو اتخذنا تصريح حسين الشيخ قرينة أنه جاء “في إطار الجهود المصرية المبذولة لجمع الشمل الفلسطيني” يصبح اللقاء غير واضح المعالم من حيث الإجابة على السؤال الحائر هل يمثل اللقاء-وما سبقه من لقاءات لم تنل حظها من الإعلام- إرادة حركة فتح ومطالبها التي لم يتم الإفصاح عنها علنًا ورسميًا أي ببيان للجنة المركزية مثلًا، أو أحد المشاركين باللقاء أم هو فقط استجابة لمطلب مصر أم كليهما؟.
ويظل موقف حركة فتح كما حاولنا تبيانه فيما سبق يتراوح بين الغموض أو القراءة ما بين السطور باستثناء ما قاله الفريق جبريل الرجوب ووضعه من مطالب أو شروط واضحة.
ماذا قال المشهراوي
على المقلب الآخر وفيما قاله سمير المشهراوي نقتبس التالي (موقع زمن 25/8/2026م)
· إن توحيد حركة فتح يمكن أن يشكل “دفعة كبيرة وإيجابية” نحو حوار فلسطيني شامل وبناء وحدة وطنية حقيقية، معربًا عن تمسكه بالتفاؤل بإمكانية تجاوز الخلافات الداخلية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تحويل أجواء لقاء العلمين الإيجابية إلى مسار فعلي يتطلب قرارات وإجراءات عملية من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن).
· وقال المشهراوي، في مقابلة مع قناة “الغد”، إن اللقاء عقد برعاية مصرية وفي إطار جهود متواصلة تبذلها القاهرة لتقريب وجهات النظر داخل حركة فتح، موضحًا أن المباحثات تناولت بصورة أساسية ملف توحيد الحركة، إلى جانب الوضع الوطني الفلسطيني وتداعيات الحرب في قطاع غزة والتطورات في الضفة الغربية ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية.
· ووصف المشهراوي أجواء الاجتماع بأنها إيجابية، وقال إن وفد حركة فتح أبدى حرصًا على استعادة وحدة الحركة، وإن تيار الإصلاح تعامل بإيجابية مع هذا الطرح.
· لكنه أشار إلى أن الاجتماع لم يسفر حتى الآن عن قرارات تنفيذية، موضحًا أن الوفد برئاسة حسين الشيخ سيعود للتشاور مع الرئيس محمود عباس بشأن المقترحات التي طُرحت.
· وقال المشهراوي إن «النوايا الإيجابية والكلام الجميل» لا يكفيان وحدهما لإنهاء الخلافات المتراكمة، معتبرًا أن المرحلة الحالية تستدعي الانتقال إلى إجراءات ملموسة.
· وأضاف أن تيار الإصلاح قدم إلى وفد فتح سبع نقاط يرى أنها قادرة على وضع أساس عملي لتوحيد الحركة، موضحًا أن جوهرها يرتبط بمعالجة الملفات التنظيمية العالقة وإنصاف كوادر الحركة وإعادة حقوق من تعرضوا للفصل أو الإقصاء أو وقف الرواتب وقرارات أخرى اعتبرها التيار مجحفة.
· وأكد أن هذه الملفات يمكن، من وجهة نظره، معالجتها ضمن “رزمة واحدة” تتيح اندماجًا تنظيميًا حقيقيًا، مضيفًا أن القرار في هذا الشأن يعود إلى رئيس حركة فتح محمود عباس.
وماذا قال محمد دحلان؟
في رسالة (أو تعميم بالأحرى) أرسلها محمد دحلان لتياره ونشرت بتاريخ 29/8/2026م (موقع فتح ميديا) تحت عنوان: “رسالة الأخ القائد محمد دحلان (أبو فادي) رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي” وفي 3 صفحات يطرح رؤيته الخاصة المتعلقة للكارثة والماضي والمستقبل واستخلاص الدروس متعرضًا لفهمه للتعدية والسلطة وما أسماها “دولة المواطنين”، وليس حكم الفصائل ليخلص مطالبًا ب”عقد وطني اجتماعي جديد”. ولنقتبس فقرات نراها ذات صلة باللقاء في العلمين ومع حركة فتح دون أن يشير بهذه الرسالة صراحة لا للقاء ذاته ولا لحركة فتح، كما الحال بعدم الإشارة من الرسمية الفلسطينية.
“أثبتت التجربة أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود فتح أو حماس أو باقي التنظيمات، بل في غياب نظامٍ قادرٍ على إدارة هذا التعدد وفق قواعد واحدة تحكم الجميع، فعندما تصبح التنظيمات أقوى من المؤسسات، والمصلحة الفصائلية مقدمة على المصلحة الوطنية، يتحول الاختلاف إلى صراع، والصراع إلى انقسام، وهذا ما دفع شعبنا ثمنه طوال السنوات الماضية.”
“لذلك لا نريد مصالحةً تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، ولا رواية يبرئ فيها كل طرف نفسه ويلقي بالكارثة على الآخرين”.
“قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر، نريد أن تنتقل بعلاقتنا جميعًا من محاولة إضعاف الآخر إلى التنافس أمام الشعب، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في حماية الوطن، والقاعدة التي يجب أن تحكم الجميع بسيطة: لا غالب ولا مغلوب في الوطن، ولا سلطة تُكتسب أو تُحمى بالسلاح، ولا شرعية فوق إرادة الشعب، والشراكة التي ندعو إليها لا تعني العودة إلى المحاصصة الفصائلية، فالشعب الفلسطيني أكبر من مجموع فصائله.”
“لا تكفي مصالحة جديدة بين الفصائل إذا بقي النظام الذي أنتج الانقسام كما هو، لذا فنحن بحاجةٍ إلى عقدٍ وطنيٍ اجتماعيٍ جديدٍ يحدد قواعد الحياة السياسية، ويضع حدودًا لا يستطيع فرد أو فصيل أو سلطة تجاوزها…”
“لا يطرح تيار الإصلاح الديمقراطي هذه الرؤية بحثًا عن موقعٍ في النظام القديم، ولا لكي نستبدل طرفًا بطرف، نريد حركة فتح قوية وموحدة وديمقراطية، ونريد أن تكون جميع القوى الفلسطينية شريكة في الحياة السياسية.”
وحول الرؤية أو الرسالة وبتاريخ 29/8/2026م أكد “ديمتري دلياني، عضو المجلس الثوري والمتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، أن الرسالة التي وجّهها الأخ القائد الوطني الفلسطيني محمد دحلان إلى كوادر التيار في الوطن والشتات تقدم قراءة جادة لأصل الأزمة الفلسطينية، وترسم طريقاً لإصلاح النظام السياسي من خلال الانتخابات الدورية وسيادة القانون وعقد وطني اجتماعي جديد.” (موقع التيار على الشابكة)
ومضيفًا أن القاعدة التي تنطلق منها الرسالة بسيطة وحاسمة: “المنظمة والسلطة والدولة ملك للشعب، والفصيل الذي يفوز يتولى الحكم بتفويض محدد. وتمنح الانتخابات الحرة والدورية الشرعية، ويصون القانون نتائجها، وتبقى أجهزة الأمن والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات وطنية تخدم المواطنين والمواطنات بعيداً عن الولاء الحزبي”.
مسار اللقاءات كما نفهمها
أولًا: في العام 2011 خرج محمد دحلان رسميًا من أطر الحركة وما تلى ذلك من عدة فصولات طالت قيادات في جماعته في فلسطين وخارجها وتوّج هذا بالحكم جنائيًا على محمد دحلان ما ثبت القطيعة وكرّس الرفض المطلق للحوار .
ثانيًا: مما نفهمه بقراءتنا أن العام 2016 قد أدخل انفراجة بالعلاقة بين الطرفين إن جازت التسمية ب”طرفين” ولربما كان ذلك تمهيدًا لإمكانية إدخال “تيار” دحلان او أعضاء منه للمؤتمر السابع للحركة ما لم يحصل وفشلت الجهود المبذولة.
وفي هذه الفترة ظل المنتمون لتيار دحلان يعبرون عن أنفسهم أنهم بالقول “لم يخرجوا من حركة فتح، وفتح لم تخرج منهم” مردّدين “أن القيادة فصلتنا تنظيميًا ولكننا نعتبر أنفسنا فتحاويين” ومؤكدين “أننا لسنا تنظيمًا منفصلًا عن الحركة” ما نراه فهمًا مغلوطًا هنا لمعنى الانتماء حسب النظام الداخلي.
ثالثًا: في العامين 2020-2021 عاد التراشق الإعلامي على وقع تشكيل القوائم الانتخابية التي كان من المقرر أن ينزل تيار محمد دحلان فيها كقائمة مستقلة أو بتحالف مع قوى أخرى، وفي ظل فصل د.ناصر القدوة من اللجنة المركزية لحركة فتح عام 2021م (تم إعادته لصفوف الحركة في 2025م).
رابعًا: يتم الإشارة الى العام 2024 بأنه بدأت فيه الاتصالات السرية بين حركة فتح و”التيار” (أنظر موقع الترا فلسطين تحت عنوان: خاصّ | حوار حسين الشيخ وسمير المشهراوي.. هل تذهب فتح إلى تحالف مع تيار دحلان؟ بتاريخ 14/10/2024م). ومما ذكر بالتقرير للموقع التالي:
“كانت شخصيّات قيادية في تيار دحلان قد أكّدت أن حوارات “حسين الشيخ – سمير المشهراوي” تناقش عودة أعضاء تيار دحلان بالكامل (لمن رغب بالعودة منهم) إلى حركة فتح”.
ويقول التقرير أيضًا:”إن كانت أجواء الحوار إيجابية مرحليًا، فإن معيقات إتمام الحوار وما سينتج عنه بالغة التعقيد، إذ تصرّ حركة فتح على أن تكون عودة المفصولين منها بشكل فردي عبر تقديم طلبات رسمية تدرس من لجان الحركة، وفي المقابل يريد تيّار دحلان عودة جماعية على اعتبار أن قرارات الفصل أو التحييد كلّها غير قانونية، وإعادة كل من فصلته الحركة إلى مكانته ومسماه التنظيمي، عدا عن انعكاسات هذا الحوار على الإطار الفتحاوي الداخلي حيث راكمت السنوات الماضية فجوات بين قيادة التيارين تحديدًا في قطاع غزة، إضافة إلى أن عودة تيّار دحلان بما يمثله محمد دحلان باعتباره “الأب الروحي” للتيار سينعكس على نفوذه القائم على “التمويل”، وبالتالي انخفاض مستوى تأثير أفراد التيار حال الاندماج مع حركة فتح، ولن يحقق التيار حينها هدف توسيع النفوذ وصياغة المعادلات الداخلية، وكلّ ذلك لا يمكن فصله عن وجود شريحة فتحاوية واسعة، وخاصة الأمنية منها والمحسوبة على جهاز المخابرات العامة في الضفة، الذي قد تشكّل لهم عودة شخصيات تيار دحلان إلى الوقوع في مواجهات ومناكفات داخلية.”
خامسًا: في العام 2026م عقد اللقاء العلني المشار اليه في هذه الورقة ب”العلمين” وفيه أكد المشهراوي -كما أشرنا- أنه لم يكن الأول، واعتبره لقاءً أيجابيًا ولكنه غير مستكمل لحاجته لقرارات تنفيذية ما يؤكد عدم وجود أوراق مكتوبة أو أي اتفاقات حتى أولية من جهة، وما يؤكد أن سياق المصالحة المفترضة أو الحوار لربما ارتبط بالانتخابات من جهة وحجم الضغوط على الحركة أكثر مما يكون شأنًا فتحويًا خالصًا.
محمد دحلان: الشرير أم الطيب؟
المفصل الحقيقي في كل الحوارات ليس فقط “تيار” محمد دحلان، وإنما شخصيته الشائكة ومواصفاته سواء تلك الشخصية المرتبطة بمواقفه وأفكاره المختلفة، أو بعلاقاته الواسعة عربيًا وعالميًا، إضافة لقدراته الأمنية والسياسية والتنظيمية والاقتصادية المشهودة وهي كلها تجعل من قدرته على طرح المطالب داخليًا أو خارجيًا مسموعة.
من اتهامات قصوى الى مديح مبالغ فيها تجد محمد دحلان هنا حيث يكمن السياسي فتجد المديح لمواقف محمد دحلان بوضوح وجلاء من الصحفي عدلي صادق حيث يراه لاعبًا وطنيًا فلسطينيًا له دور سياسي واجتماعي وليس مشروعًا مفروضًا من الخارج، ويراهُ الكاتب سميح خلف رجل ثورة وموقف وبمضمون وطني واضح.
أما بالقراءة المحايدة فيرى صبحي غندور أن دحلان خرج من السلطة الرسمية ولكنه لم يخرج من المعادلة السياسية الفلسطينية.
ويقوم مركز الجزيرة للدراسات التابع لقطر بتقدير محمد دحلان في إحدى دراساته لأنه يعيد ترميم علاقته مع فصيل “حماس” ويستفيد من ذلك بتعزيز حضورتياره في غزة، ويقوم بتطوير نشاطات اجتماعية وانسانية ودعم المصالحات العشائرية وبناء قاعدة سياسية وتنظيمية مستقلة (دراسة حمدي علي حسين في مركز الجزيرة للدراسات المنشورة في 29/7/2024 تحت عنوان: موقف “فتح” وتياراتها: الموقف من “الحرب على غزة” وتداعياته”).
أما الكاتب عزالدين أبوعيشة في تقرير منشور في (اندبندنت عربية) السعودية (24/6/2026م) فيرى أن محمد دحلان يمثل حلقة وصل يراهن عليها الوسطاء لملء فراغ الحكم في غزة، فهو ذو حضور في غزة وله شبكة تنظيمية ولديه علاقات معقدة مع أطراف فلسطينية متعددة.
وفي محمد دحلان وفكره الذي يتموضع ضمن “التيار” يكتب الصحفي اليساري محمد مشارقة تحت عنوان مثير هو “قنبلة دحلان : تأكيد أنه باق ويتمدد … خروج على سردية أوسلو ونتائجها الكارثية” ومعلقًا على رؤية محمد دحلان في مارس 2023 (موقع تيار الإصلاح الديمقراطي على الشابكة) ليقول: “حسنا فعل السيد دحلان ، في إنه لم يدخل في تفاصيل رؤيته الجديدة والتي حولها من مجرد قناعات شخصية الى مبادرة وطنية ، تحاول فتح نافذة جديدة في السقف المغلق الذي وصلته الحالة الفلسطينية برمته…”
وفي ذات المقال أشاد مشارقة بطرح دحلان الذي تجاوز فكرة “حل الدولتين” (الذي يراه مشارقة مات سريرياً وواقعياً) نحو فكرة “الدولة الواحدة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي” على أساس المساواة الكاملة.
ليعلق قائلًا: “ما أفهمه من الخطاب الجديد أن الرجل منفتح على كل الطروحات الواقعية التي تضع حدًا لهذا الصراع الدموي المستمر منذ ما يزيد على سبعين عاما ، لكنه لم يشأ مصادرة الرؤى والطروحات الفلسطينية السائدة بما ذلك دعاة المرحلية لكن بسقف مفتوح على الدولة الواحدة لشعبين.”
ولو انتقلنا لآراء بعض الإسرائيليين فيكتب باروخ ياديد تحت عنوان “دحلان في قلب المشهد الغزي: مهندس المرحلة الجديدة بين واشنطن وحماس” في موقع (أي 24 الإسرائيلي) في 25/8/2026م، متسائلًا: “هل دحلان في طريقه للعودة أم أن الحديث يدور عن حملة انتخابية ذكية؟”
ليضيف “ دحلان لم يعد فقط “الرجل الذي كان في السابق زعيم فتح في غزة”. في الآونة الأخيرة، أُفيد أن تياره الإصلاحي يعيد تنظيم صفوفه داخل القطاع تمهيدًا للانتخابات. لذلك، في هذه المرحلة، ربما من الأدق القول ليس أن دحلان “استلم غزة” بالفعل، بل إنه يحاول تصميم الطريقة التي ستبدو بها غزة في اليوم الذي يلي.” ليستنتج التالي حكمًا في مقاله: محمد دحلان “يتحدث مع واشنطن، مع حماس، مع الدول العربية ومع “إسرائيل”، وبالتوازي يعيد بناء قوته السياسية داخل النظام الفلسطيني. إذا نجح، قد يصبح دحلان حلقة الوصل بين الأموال الإماراتية، والأمريكيين، وحماس، واليوم التالي في غزة.
ويضيف “وهذا ربما هو التناقض الأكبر في عودته: دحلان يمكن أن يكون مقبولاً لدى جهات أمريكية ودول عربية، وفي الوقت ذاته يدير حواراً مع حماس. وبالذات لأنه يعرف الطرفين، قد يصبح حلقة الوصل بين النظام الأمريكي-العربي وبين نظام حماس.“
“وإذا لم يكن الأمر كذلك – فقد يكون كل ما نراه الآن هو مجرد حملة انتخابية ذكية جدًا لشخص يفهم أمرًا واحدًا: أفضل طريقة للعودة إلى غزة هي جعل الجميع يعتقد أنه في طريقه إلى هناك بالفعل.“
ما بين المديح والذم تجد السياسي عامة كما قد يتموضع محمد دحلان بمواقفه المختلفة أو تلك المتناقضة بين المراحل التي عانت بين المدّ والجزر بعلاقاته مع الأطراف المختلفة في المشهد الفلسطيني والحكم عليه بشكل مطلق هل هو الطيب أم الشرير بمطلق الحكم لم يصدر بعد، فيما ترى البعض مَن يصفه ب “السيد جيكل و هايد” المنسوبة للكاتب الاسكتلندي الشهير روبرت ستيفنسون المنشورة عام 1886 (عمل على القصة ما لا يقل عن 120 شريطًا/فلمًا سينمائيًا، ومسلسلًا من أشهرها بداية من العام 1931 وآخرها عام 2017م) والتي تدور حول طبيب طيب القلب يصنع عقارًا كيميائيًا يحوله الى شخص شرير وقبيح يدعى السيد هايد، ليمثل الصراع الأبدي بين الخير والشر داخل النفس البشرية.
عمومًا لا يختصر القول بالشرير أو الطيب مسيرة أي سياسي، وإنما هو اختزال شعبوي لمديح أو شتم أي سياسي من الموالاة أو المعارضة في أي بلد وفي أي حزب أو تنظيم.
ففي خضم سيل الاتهامات وبرامج الشتائم -ولدى البعض من التكفيروالتخوين- تبرز الثنائية الحادة ومدرسة “الفسطاطين” “المقدسة” بين شرير مقابل طيب مسالم، أو مقاوم مقابل مساوم أو ثائر مقابل مستسلم! وما انبثق عن ذلك من تيارات “الممانعة والمقاومة” مقابل تيار “الاستسلام”.
مما لا شك فيه أن شخصية ومواقف وفكر محمد دحلان -ما تمأسس لاحقًا في تيار- تمثل إشكالية في القراءة-وتحتاج لدراسة مستقلة لكننا سنحاول بالسطور اللاحقة الإطلالة المكثفة لكن المبتسرة عليها- لكثرة ما كتب عن مواقفه من المادح الباذخ والذام الراسخ، ومما لا شك فيه أن تقييم هذه المواقف والأفكار يرتبط بفهم الخلفيات والجذور وبعلاقات الأطراف ببعضها البعض كما يرتبط بعوامل داخلية وخارجية كثيرة.
من رد الفعل الثأري إلى تشكيل “التيار”
إن النظرة السائدة حتى الآن الى محمد دحلان أنه يمثل قمة هرم كل شيء أي أن الجماعة بدونه لم تكن لتوجد، وعليه فإن حل المشكلة مرتبط بشخصه، وفي اعتقادي أن الغالب بحركة فتح (المختلفون مع الحركة يسمونها فتح الرسمية) يرون هذه النظرة أو على الأقل جزء كبير فيها.
وعليه فإن النظرة لشخصه لم تخرج -منذ خرج من الحركة- عن هذا الأمر إلا ما ندر من تحليلات وصلتني مؤخرًا أشار فيها محدثي الأخ (خ.س) -الذي انتمى لجماعة دحلان ثم خرج منها لاحقًا- الى ضعف هذه النظرة أو فسادها لسبب شخصنة الأمرفيما هو كما يرى ليس كذلك.
ف”التيار” قد مرّ بعدة مراحل الأولى كانت حين كان محمد دحلان يتسلم مسؤوليته بالأمن الوقائي في غزة منذ عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات ثم مستشارًا للأمن القومي (2007م) في عهد الرئيس محمود عباس فعضو اللجنة المركزية في حركة فتح.
إذ كانت تلتف حوله عدد من الكوادر المخلصة لم تفارقه وكما هو شأن العديد من القيادات في حركة فتح عبر مسيرتها -وكذا بالتنظيمات الأخرى-حيث تجد الالتفاف مرتبطًا بالحركة والشخص وربما الفكرة والموقف مما كان قديمًا -وحديثًا بالأحاديث الداخلية-يسمى بالجماعات أي جماعة فلان أو علان. أو ما كان يسمى “الأبوات-جمع أب” مثل جماعة أبوعمار وجماعة أبوإياد وجماعة أبوجهاد وجماعة أبوالسعيد خالد الحسن مع فارق التشبيه.
وهكذا مما لم يكن ذو تأثير انشقاقي أو انفصالي داخل الحركة- باستثناء جماعة أبوصالح وأبوخالد العملة التي انشقت عام1993 بدعم النظام السوري آنذاك- وإنما أوضح وجود محاور أحسبها مازالت قائمة لدى عديد الفصائل حتى اليوم.
إذن في المرحلة الأولى كانت “جماعة دحلان” كما الحال من جماعة هاني الحسن وجماعة مروان البرغوثي-إن جاز التعبير- وهكذا من جماعات مسموح بها ضمنيًا وبشكل مستتر داخل الحركة، ولكنها مرفوضة كادريًا ونظاميًا.
ولما حصل ما حصل من خلاف داخل الحركة واللجنة المركزية على إثر الخلاف مع محمد دحلان ثم فصله من الحركة (عام 2011م) انتقل محمد دحلان وجماعته لمرحلة “التيار” وهي بحسب محدثي (خ.س) مرحلة شابتها العشوائية والثأرية والتخبط والخطاب الدفاعي عن الذات، والهجومي ضد الآخر الفتحوي بشكل قاسٍ خسّر الجماعة الكثير من أوراقها التي سعت لتداركها عبر عديد من الأعمال الاجتماعية والجماهيرية والخيرية خاصة في قطاع غزة.
في المرحلة الثانية هذه قام محمد دحلان بتكريس ثقل “التيار” في قطاع غزة ثم بالخارج نتيجة مصالحات عقدها ونتيجة تحالفات مع الفصائل هناك خاصة فصيل “حماس (أنظر ما يكتب د.أحمد يوسف من قيادات “حماس” عن دحلان) و”الجهاد” حققت بعملها الاجتماعي والإغاثي لأهالي فلسطين في غزة تمددًا وقبولًا لاسيما وأن العمل كان يتم تحت أنظار “حماس” المسيطرة على القطاع أمنيًا ومدنيًا (منذ الانقلاب عام 2007م) وبمشاركتها أي مما سمح لحماس من الاستفادة مقابل ما يحققه “التيار” ويستفيده أيضًا في آلية تخادم ظلت مستمرة حتى وقوع الطوفان الكارثة الذي تبعه تحقق الإبادة الجماعية والنكبة الثانية في القطاع (2023-2026م)
كانت تلك المرحلة تحت غطاء “اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي”.
وحتى في ظل النكبة الثانية لم يتوقف “تيار الاصلاح الديمقراطي” عن تقديم الدعم الإغاثي لقطاع غزة سواء عبر عمليات “الفارس الشهم” الإماراتية أوتلك المرتبطة بالتيار تحديدًا.
إذن كانت المرحلة الثانية تمثل بحثًا عن الدور الذي كان في أوله عشوائيًا وعدائيًا ومزاجيًا بلا أي تخطيط واضح أو رؤية باستثناء مناوأة حركة فتح ورئيسها. وفي هذه المرحلة احتفظ محمد دحلان و”التيار” بغالب الوجوه القيادية والكادرية لم يجدّد فيها.
أما في المرحلة الثالثة وأحسبها انطلقت منذ العام 2021 ولربما على وقع الانتخابات (التي ألغيت لاحقًا) وما مقال محمد مشارقة المعنون “قنبلة دحلان : تأكيد أنه باق ويتمدد … خروج على سردية أوسلو ونتائجها الكارثية” إلا بظني إعلان لاحق عن هذا التطور والتغيير وبدء مرحلة جديدة.
لقد بدأ يتشكل داخل “التيار” نواة عقلانية لا سيما مع لمعان نجم سمير المشهراوي على حساب ظهور دحلان شخصيًا باعتباره أصبح المسؤول الفعلي للتنظيم “التيار” أو المتحدث باسمه والتي تجرى غالب اللقاءات بحضوره، ثم مع دخول أو بروز وجوه جديدة لربما كان لها التأثير الواضح على “التيار” من حيث الفكر أو التخطيط أو البرنامج وهو ماكان مرتبطًا حسب محدّثي بالصحفي والإعلامي الفلسطيني اليساري محمد مشارقة الذي أغنى الجماعة بالكثير من الأفكار فانتقل التيار من حالة الأبوة، ومن حالة العشوائية وردود الفعل العدائية الى المرحلة الثالثة أي الى حالة التخطيط والتنظيم وطرح الأفكار والرؤى والمبادرات والتي كان آخرها في شهر 8 للعام 2026 برسالة موجهة للكوادر من محمد دحلان التي طرح فيها ستة مفاصل هي حسب الرسالة:
أولًا: المشكلة في النظام لا في التعددية
ثانيًا: مراجعة الماضي بمسؤوليةٍ لا بإنكار
ثالثًا: من صراع السلطة إلى شراكة الوطن
رابعًا: من حكم الفصائل إلى دولة المواطنين
خامسًا: عقد وطني اجتماعي جديد
سادسًا: مسؤوليتنا
والتي مما قاله فيها عن المسؤولية “مسؤوليتنا تقتضي أن ننظر بعين الشراكة الكاملة مع أهم مكونين في مجتمعنا الفلسطيني، المرأة والشباب، فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه دومًا لأداء أعظم الأدوار، وتمكينها مجتمعيًا ووطنيًا وسياسيًا يساهم في تسريع عجلة التنمية وضمان استقرار المجتمع، وكما كانت على الدوام على استعدادٍ تامٍ للتضحية فإن الضرورة تقتضي أن يكون موقعها في صناعة القرار بذات النسبة التي تمثلها في المجتمع، أما الشباب فليس من حق أي فئةٍ عمريةٍ أن تدّعي تمثيلهم دون إرادةٍ منهم، فالشباب اليوم هم جيل التغييرات الرقمية والتقانية (التكنولوجية) الهائلة، وهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وترتيب أولوياتهم واقتراح دورهم في البناء الوطني، ومسؤوليتنا تقتضي أن نأخذ بأيديهم، تربيةً وتعليمًا وتدريبًا وتمكينًا، حتى يكونوا على جهوزيةٍ لاستلام الدفة، والانتقال بثقةٍ واقتدارٍ نحو المستقبل.
ليختم قائلًا “مسؤوليتنا اليوم أن نفتح طريقًا مختلفًا؛ يجعل الاختلاف حق لا تهديدًا، والتعددية قوة لا سببًا للانقسام، والانتخابات وسيلةً لتداول السلطة، والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الجميع”.
وما يجدر الإشارة اليه هنا أننا لم نناقش العامل الخارجي المؤثر على نمو أو تطور “التيار” سواء المرتبط بالعلاقة مع فصيل “حماس” في غزة والتخادم المتبادل، أو بعدد من الدول العربية التي مما هو ظاهر كان لها اليد الطولى في ذلك.
الموقف مما سبق
1-مرّت العلاقة بين حركة فتح و جماعة محمد دحلان “تيار الاصلاح الديمقراطي” بمراحل ثلاثة ما بين المد والجزر، والخفية والعلانية، والرفض المطلق والاتهامات المتبادلة، والفصل وقطع الرواتب، ثم بين التساهل النسبي واللقاءات السرية المحدودة لعدد من أعضاء اللجنة المركزية، ثم مؤخرًا الحوار المباشر والعلني ولكن على استحياء ودون فهم طبيعة مادار أو اتفق عليه في هذه اللقاءات التي كانت قائمة بالمرحلة الثالثة أو الثانية منذ زمن لا نعرف تقديره.
كما مر “التيار” ذاته بمراحل من التجمع حول القائد المتفرد ذو الارتباطات الخارجية الى “التيار”، ومن العشوائية وردود الفعل الصاخبة الى العمل المخطط والممنهج ما يؤشر لتطور واضح حصل في النظرة والخطاب وتوسع العلاقات الإقليمية وطبيعة الأداء.
2-في مرحلة الرفض المطلق والاتهامات المباشرة والصريحة وعبر وسائل الاعلام، وصل الأمر الى القضاء الرسمي (حكم محمد دحلان بثلاث سنوات سجن وذلك عام 2016م) ما تحتاج أحكامه اللجوء للمحاكم الوطنية والقضاء، على عكس النظر في قضايا الفصل أو قطع الرواتب الأخرى التي كانت ذات قرار حركي بغض النظر عن الآراء فيها كقرارات من حيث نظاميتها أو انعدام نظاميتها ومدى صحة الارتباط بالمرتبات. وبنفس الفترة “تم رفع الحصانة البرلمانية عن خمسة نواب بالمجلس التشريعي عن حركة فتح، وهم محمد دحلان، ونجاة أبو بكر-عادت نجاة للحركة ولتصبح عضو مجلس ثوري عام 2026م- وناصر جمعة وجمال الطيراوي وشامي الشامي” (الجزيرة 14/12/2016).
3-في المرحلة السرية من اللقاءات بين محمد دحلان شخصيًا أو أي من رجالاته لا مصدر علني لدينا يقرر لنا طبيعة ما دار فيها وسببها، أو إلى أين وصلت؟ بينما الإشارات واضحة لتدخلات عدد من الدول العربية وضغطها في هذا الاتجاه على الرئيس ومنه على حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح وهو الأمر الذي يلقى رفضًا ونفورًا شديدًا في داخل الحركة عامة من التدخلات الأجنبية التي قاتل الراحل الخالد ياسر عرفات ضدّها مكرسًا مفهومه للقرار الوطني الفلسطيني المستقل.
4-في المرحلة العلنية من اللقاءات والتي تلت الاعتراف العربي الواقعي ب”التيار” وهو الذي على مدار آخر ثلاث سنوات كان يستقبل محمد دحلان، وسمير المشهراوي الى جانب فصيل “حماس” والفصائل الأخرى متجاوزًا حركة فتح، التي غاب عنها التنسيق العربي وأهملت عمدًا الى المرحلة التي أصبحت كأنها غير موجودة ولا يتم التعامل معها كفاعل وطني مؤثر. فيما انحدرت العلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية عربيًا الى أدق حالاتها، إن لم نقل الى أسوأ حالتها، ما دقّ ناقوس الخطر لدى قيادة الحركة لتخرج ربما من السرية الى العلنية خاصة في ظل انتخابات دقيقة قادمة، وفي ظل تشرذم حركي يقترب من العجز، عوضًا عن المعطى الخارجي الكبير المتمثل بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والتطهير العرقي بالضفة وبوادر ضياع “النظام” ككل.
5-قد يشبّه البعض “تيار” دحلان أو جماعته بحالة الانشقاق الكبير لقدري وأبوموسى المدعوم من النظام السوري آنذاك عام1993م، وهو الانشقاق الذي أطلق على نفسه اسم “فتح الانتفاضة” فيما يطلق محمد دحلان وجماعته على أنفسهم اسم “التيار الصلاحي الديمقراطي” وهو جسم تنظيمي متكامل خارج الإطار الرسمي لحركة فتح بكل أعضائه ويعمل كتنظيم مستقل فعليًا عن جسم الحركة. وإن كان يعتبر نفسه ضمن الحركة! وبعض من أعضائه موجودون داخل الحركة أوعادوا إليها بطلب فردي كما هو حال الانتماء للحركة بشكل فردي.
6-فكرة الفردية أو الاستبداد القيادي المطروحة من محمد دحلان و “التيار” بمواجهة حركة فتح تجد لها نفس المعطيات وإن بشكل أكثر مرونة حسب معلوماتنا داخل جماعة أو “تيار” محمد دحلان الذي يمارس هو ذاته الفردية أو الاستبداد ما يتهم به الآخرين. وما نقدناه نحن مرارًا في أطر الحركة ذاتها، ما يجعل مطلب القيادة الجماعية لنا هو المطلب الحكيم بعيدًا عن أي مفهوم للاستبداد يمارسه هذا ضد ذاك أوالعكس” فالكل “في الهمّ شرق”. وتجد الاستبداد في أطر مختلف الفصائل أو التيارات وإن بدرجات أو أشكال مختلفة ما يعني ضرورة حسم فكرة القيادة الجماعية للجميع وضرورة فهم أوسع لمعنى الحوار (أن نتفق معًا ونلتزم) والشراكة الوطنية ودور المؤسسات بالتطبيق وليس بسياق الشعارات.
7-استكمالًا لما أدرجناهُ في هذه الورقة عن تصريحات الحركة، أو “التيار” فلم نجد حتى الآن رغم مرور سنوات على بدء اللقاءات- حسبما نفهم- أية ورقة أو رسالة أو تعميم تمثل عرضًا أو تبريرًا لما يحصل، أو اتفاقًا محددًا أوحتى اتفاقًا أوليًا أو مبادئ حاكمة أو نقاط تمثل القواسم المشتركة أو غير المشتركة إنما جلّ ما نحصل عليه هو مطالب “التيار” وعدم الردود من الحركة التي يأتي ردّها إما غامضًا أو مائعًا أومستترًا أو متجاهلًا.
والى ذلك لا يوجد أي إشارة رسمية حركية للآلية التي من الممكن أن يعود بها رؤوس التيار وخاصة محمد دحلان رغم أن الحديث قد علا صوته ما قبل المؤتمر الثامن -كما أشارت حول ذلك قيادات حركية- لكن مما فُهم أنه باستثناء محمد دحلان.
8- لم يحصل في واقع الأمر حتى الآن أي حوار مثمر بين الحركة ومحمد دحلان وجماعته فلا قرار أو أية إشارة ولو خفية لإمكانية عودة محمد دحلان شخصيًا، أو إلغاء قرار الفصل-فما بالك بالحكم القضائي- ولدينا هنا سؤال يقول: “هل يمكن تجاوز الحكم الجنائي الصادر بحق دحلان؟ وهل يمكن أن يكون العفو الرئاسي أو إعادة النظر في القضية شرطًا مسبقًا لأي مصالحة؟” وهذا أيضًا على فرضية أن الحوارات المعقودة في مدينة العلمين أوما قبلها وربما ما بعدها قد تطرقت لملف “المصالحة” التي لم نعلم تفاصيلها أو حقيقة غاياتها حتى الآن.
9-إن كان مضمون الحوارت قد توقف عند حدود اللقاءات “الأخوية” فما المعنى لهذه الأخوية المائعة؟ حيث يتم الحديث أحيانًا بين الأخوة وأحيانا تتم الإشارة بدون كلمة “أخ”، وأحيانًا كما لا بد تلاحظون مما سبق بالورقة هذه لا يتم الإشارة للآخر قط (خبر وكالة وفا، ورسالة محمد دحلان).
10-لم تتوصل حركة فتح وجماعة محمد دحلان لأي مفهوم يتعلق بطريقة دمج “التيار” حسب مطالب البعض رغم إن مطالب “الدمج” حركيًا تتعارض تعارضًا كليًا مع النظام الداخلي القائم على الدخول الفردي والخروج الفردي بعد البت بالطعونات. وعلى سبيل المثال لو كانت هناك نوايا بالحل فلم نجد طرحًا -ولو للنقاش-لأية صيغة توفيقية واضحة، مثل مقترح (خ.س): ب”عودة فردية لأعضاء التيار وفق النظام-تمت-، مع عفو تنظيمي استثنائي لدحلان شخصيًا يُعرض على المجلس الثوري”. بل إن الأمر مازال غامضًا بهذا الشأن ومرتبطًا بحالة السيولة والجذب والشدّ الفتحوية من جهة وحالة عدم الاستقرار للنظام السياسي.
11- بالحوار أو المحادثات لم يتم التعرض لأي جدول زمني، أو خطة يتقاسمها كل من الحركة و”التيار” تقرر استمرار العمل الثنائي، أو الوطني العام أو حتى المؤقت الانتخابي المرتبط بالانتخابات الوطنية وما العمل في أثنائها أو بعدها، سوى ما فُهم مؤخرًا من التدخلات الخارجية من جهة، وضغط الوضع الداخلي في ضوء الانتخابات الوطنية الفلسطينية.
12-أن التجاهل يظهر سيد الموقف بين شخص محمد دحلان وما يقابله من قيادة الحركة حيث الإشارات مؤخرًا تظهر متجاوزة شخصه الى سمير المشهراوي والآخرين وهو يقابل ذلك بتجاهل متعمد أيضًا حين لا يشير لحركة فتح قط، ربما على اعتبار أنه يمثل حركة فتح ويريد استعادتها واستعادة كامل النظام كما رشح عنه، بينما يشير للسلطة (كما في رسالته الأخيرة) فقط ما يعني أن بين السطور الكثير مما يمكن قراءته أكثر من المعلن حتى الآن.
13-السؤال هنا هو هل من الممكن أن نجد بيانًا أو توضيحًا رسميًا من حركة فتح حول طبيعة أو مضمون العلاقات أو اللقاءات (أو التفاهمات إن وجدت) مع محمد دحلان و”التيار” لتقدم كورقة للمناقشة من الكوادر الفتحوية التي تحمل الضغينة ضد الشخص والتيار، ومن الرفض الكثير عبر السنوات خاصة في قطاع غزة والتحالف مع فصيل “حماس” المهيمن والمناويء للحركة، كما نقول بنفس المعنى “للتيار” ما يعني لو أنه تم ذلك فقد يشكل بداية حقيقية لرؤية فكرة تتجذر سواء فكرة الحوار أو القيادة الجماعية أو المشاركة للكوادر وربما الجماهير المغفل الإطلالة الصريحة عليها حتى الآن.
14- والسؤال الآخر الهام هو هل من الممكن جعل فكرة المصالحة من عدمها، أو الحوارات أو اللقاءات سواء مع “التيار” أو مع الفصائل الأخرى مساحة رحبة للنقاش للكادر الفتحوي من جهة، ولاتخاذ القرار داخل الأطر الثلاثة القيادية أي داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري؟ أم سيتخذ النقاش منحى المطالبة -كما تطرح جماعة دحلان-بعقد مؤتمر”توحيدي” والتفاهم على طبيعة القيادة المقبلة مثلًا!؟ أم سنبقى ككوادر هكذا ما بين الترقب والتساؤل والتذمر وعدم الفهم الأصيل!
15-دعني أتساءل هنا بالقول: هل من الممكن أن تتضمن ورقة فتح الرسمية مبادرة تتضمن آليات العودة للحركة مرتبطة بالنظام الداخلي وبند العقوبات والحقوق والواجبات من جهة، وأيضًا بتفعيل مسار المراجعات الحقيقية والنقد والنقد الذاتي إضافة لإعطاء الأمر بُعدًا سياسيًا وليس فقط تنظيميًا من خلال الالتزام بالبرنامج السياسي الصادر عن المؤتمر الثامن لحركة فتح عام 2026م، والإقرار برفض التدخلات الخارجية سواء العربية أوغيرها بجسد الحركة مما هو حاصل اليوم.
16- أن المتاح علنيًا الآن وحقيقة واقعة أن اللقاءات الرسمية العلنية قد تمت-دون أن نفهم حقيقة النوايا حتى الآن- وبمشاركة قيادات حركية وقيادات من “التيار” وبرعاية مصرية أشاد بها الجميع، وتم فيها مما يُفهم أوليًا البدء بالكلام عن “توحيد الحركة” وعبر مقترحات قدمها المشهراوي فقط، ولم يشر اليها محمد دحلان في رسالته الأخيرة أبدًا. والسؤال الأخير هنا هل سيتحول لقاء العلمين الى إعادة هندسة داخلية لحركة فتح؟ أم سيبقى مجرد حوار فرضته ظروف الكارثة والنكبة الثانية في قطاع غزة، ومسلسل المآزق الوطنية وفرضته الانتخابات الصعبة القادمة-إن حصلت، وأيضًا التحولات والمطالب الإقليمية؟
17-يمكننا القول بوضوح هنا أن العقل الحاكم سواء بالحركة أو لدى النظير هو العقل الذرائعي (البراغماتي) وليس العقل الجذري أبدًا، لأنه لو كانت الحركة قوية وصلبة ومتجذرة حركيًا وشعبيا ووطنيا لما مدّت يدها “للتيار”، وتفعل ما تفعله اليوم إنما يأتي ضمن دفع خارجي أجنبي، وضمن فرضية أن “التيار” يمثل “طوق النجاة” أو “بيضة القبان” في المعادلة وخاصة الانتخابية القادمة، وليس لتحليل علمي أو لحاجة حركية تمثل مطالب داخلية أصيلة.
خاتمة
إن واقع حركة التحرير الوطني الفلسطيني اليوم في داخل فلسطين وخارجها لايبشر بخير لأسباب عديدة منها “الفقد” للكثير مما هو مطلوب. ف”الفقد” قد تم بما يتعلق بالكوادر الصلبة والأساسية كما حصل بالهيكل الحامل، وبالفكرة الثورية الأصيلة الجاذبة وضعف الأكتاف الحاملة وفقد الجماهير الملتفة حول الحركة. وبالتالي أصبح “الفقد” لطاقتها الحاملة للمشروع ولطاقتها الاستقطابية ولطاقتها التعبوية الكبيرة. وفي حالة الفقد هذه يبرز التطلع لما حول الحركة بدلًا من البدء من ذاتها، فتكون اللقاءات لغرض القفز على حالة “الفقد” هذه، وليس للاستعادة أو التمتين أو ما تسميه الحركة “الاستنهاض” والتجدد.
إن حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح -وكما أشرنا بورقتنا للمؤتمر الثامن للحركة- تحتاج الى:
أولًا: العمل على بناء رؤيا واستراتيجية وطنية فتحوية تجمع أبناء الحركة، ثم الكل الفلسطيني على برنامج عمل موحد بمواجهة العدو الرئيس أي الاحتلال الصهيوني، والكفاح ضد مخططاته بالقتل والتهجير والفصل العنصري، وضد روايته الأسطورية المزيفة حول فلسطين، وبالمقاومة والثورة ضد مخططاته الاستيطانية/الاستعمارية والتهويدية ومصادرته المتواصلة لأراضينا وتغول مليشياته الإرهابية، وفضحه في المحيط العربي وعالميًا، وتحقيق استقلال دولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والتاريخي والقانوني (حسب إعلان الاستقلال عام 1988م) والمعترف بها كعضو مراقب منذ العام 2012م.
ثانياً : ضرورة إعادة البناء التنظيمي الفتحوي على قواعد صلبة عبر تثبيت العضوية وفق النظام الداخلي، وفي كافة الأقاليم بالداخل والخارج، وتفعيل النشاطات التثقيفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والنضالية الميدانية والجماهيرية.
ثالثاً: استعادة ثقة الكوادر والجماهير ببرنامج حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح عبر تضييق الفجوة بين القيادة والقاعدة من جهة بالتواصل السليم من أعلى الى أسفل وبالعكس عبر تفعيل آليات الحوار الديمقراطي والنقد والمراجعات والنقد الذاتي في نطاقه، وعبر تضييق الفجوة بين كوادر التنظيم وقاعدته الشعبية العريضة ممثلة ببحر الجماهير، وحماية منجزات حركتنا المتحققة بتكريسها للفكر والعطاء والمفاهيم السبعة التالية: بالكيانية والشخصية الوطنية الجامعة والهوية النضالية والديمقراطية والوسطية والاستقلالية والوحدوية. ووضع حد لسياسة الاستزلام (التحشيد الشخصي) والفئوية أو المناطقية وضرورة انصهار الجميع (كافة التجارب) في بوتقة النضال وتحت راية التحرير.
رابعاً: ضرورة تبني سراطية “استراتيجية” تقود لإنهاء الانقلاب المدمر (منذ العام 2007م) والانقسام الناتج عنه، وتوحيد فصائل الشعب الفلسطيني حول منظمة التحرير الفلسطينية، وأن تكون مخرجات المؤتمر مرتبطة ببرنامج للتحرير والتحرر من الاحتلال الصهيوني ومحكومة بسقف زمني وآليات وفق ما أكده الرئيس محمود عباس بخطاباته ومنها بالجمعية العامة للأمم المتحدة.
خامسًا: وضع الخطط اللازمة لتفعيل الكل الوطني في داخل فلسطين، وفي خارج فلسطين حيث العدد الموازي أو الأكبر من الشعب الفلسطيني الذي يجب أن تكون له كلمته وصوته وبرامجه الداعمة لفلسطين في إطار حق العودة، وفي إطار النضال والاستراتيجية الموحدة.
سادسًا: العمل على دعم انجاز تحقيق حكومة وحدة وطنية قادمة ببرنامج محدد يهدف الى انقاذ قطاع غزة واستعادته للشرعية، وانجاز ملف الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
سابعًا: دعم دور لجنة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، أوما يسميه البعض الإطار القيادي الموحد، للاجتماع الدوري بشكل مؤقت تمهيدًا لضم كل مكونات العمل الوطني ضمن (م.ت.ف).
ثامنًا: بناء استراتيجية فلسطينية شاملة وخطة تنمية اجتماعية-اقتصادية لتجفيف ينابيع الاستعمار/الاستيطان، والانفكاك عن الإسرائيلي وتحقيق التواصل السليم مع دول الأمة العربية والإسلامية.
والله الموفق
وإنها لثورة حتى النصر
بكر أبوبكر
فلسطين
1/9/2026م
بكر أبوبكر
writer & author



