منوعات

“فقد مشاعر الخوف والذنب والتعاطف”… قراءة نفسية في سلوك ابن خالة الأسد خلال محاكمته

“فقد مشاعر الخوف والذنب والتعاطف”… قراءة نفسية في سلوك ابن خالة الأسد خلال محاكمته

هبة محمد

دمشق –  : في القصر العدلي في دمشق، مَثُل عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وابن خالة الرئيس المخلوع، أمام المحكمة الجنائية في أول جلسة علنية تنظر في التهم الموجهة إليه، ضمن محاكمة شملت عدداَ من رموز النظام، وعلى رأسهم بشار الأسد، الذي وجهت إليه التهم غيابياَ.

الجلسة حظيت بمتابعة حقوقية وإعلامية واسعة؛ نظراَ لكونها تمثل سابقة في محاسبة شخصيات ارتبطت ببدايات الاحتجاجات في سوريا عام 2011.

سلوك نجيب

ورغم الطابع التاريخي للجلسة، حيث تتجه الأنظار بشكل أساسي إلى المسار القانوني وما قد تفضي إليه هذه المحاكمات من نتائج تاريخية في سياق العدالة والمساءلة، انصب تركيز الحضور والمتابعين أيضاً على سلوك نجيب داخل المحكمة. فقد لفتت لغة جسده الانتباه، بما عكسته من برود وتماسك ظاهر، إلى جانب طريقة جلوسه ونظراته، وتفاعله مع الأسماء التي يتم استدعاؤها، إضافة إلى تساؤلات أثارتها لحظة ضحكه عند رفع صورة الطفل حمزة الخطيب.

وفتح هذا المشهد نقاشاً عميقاً حول طبيعة الشخصية الإجرامية، وآلياتها النفسية. وفي هذا السياق، تناول الدكتور ملهم الحراكي، استشاري الطب النفسي ومؤسس “بيت سلام” للصحة النفسية في دمشق، مسألة “تماسك المجرمين”، محذراً من الانخداع بالمظاهر الخارجية.

الحراكي:  “الشخص الذي اعتاد القتل ومارسه بشكل متكرر، حتى أصبح جزءاً من عمله اليومي، لا يتفاعل كما يتفاعل الإنسان الطبيعي”

وفسّر الحراكي، في منشور له عبر صفحته الشخصية، سلوك نجيب، موضحاً أن “الشخص الذي اعتاد القتل ومارسه بشكل متكرر، حتى أصبح جزءاً من عمله اليومي، لا يتفاعل كما يتفاعل الإنسان الطبيعي”.

وزاد: “مع مرور الوقت، تُطفأ داخله مشاعر الخوف والذنب والتعاطف، بل وتتراجع فاعلية مناطق في الدماغ مثل اللوزة الدماغية، ما يجعله يبدو بارداً وغير مكترث بالألم كما يراه الآخرون، في حين أنه في الحقيقة يعيش حالة انفصال إنساني”. وتابع الحراكي: “هو لا يرى الألم كما نراه نحن لهذا يبدو متماسكاً”.

ومن زاوية علم النفس الجنائي، أشارت تحليلات نشرتها صحيفة الثورة السورية الرسمية إلى أن “لغة الجسد تعد امتداداً للمنظومة الإدراكية للفرد، حيث يعكس السلوك غير اللفظي طريقة فهم الشخص لأفعاله ولموقعه في العالم”.  وفي حالة “غياب الندم” ضمن سياق محاكمة بهذا الحجم، تتعلق بتدمير دولة وسقوط ملايين الضحايا وارتكاب انتهاكات جسيمة، فإن ذلك “لا يُفسر فقط كبرود عاطفي، بل قد يشير إلى إعادة تأطير ذهني للأفعال، بحيث لا يرى الفاعل نفسه مذنباً، بل مجرد منفذ لدور داخل منظومة تشرعن هذه الأفعال”.

ترتيب علاقات القوة

كما يفسّر هذا السلوك بأنه “محاولة للسيطرة الرمزية داخل فضاء فقد فيه المتهم سيطرته الفعلية، إذ تعيد المحكمة ترتيب علاقات القوة، فيتحول المتهم إلى موضع مساءلة، بينما تصبح الضحايا أطرافاً فاعلة”.

 وفي هذا السياق، قد “تتحول النظرات والتصرفات إلى أدوات لاستعادة جزء من الهيمنة، ولو بشكل رمزي، وكأن الرسالة الضمنية هي: ما زلت حاضراً وأراك”.

اعتراف الجاني أو إبداء الندم، حتى وإن كان محدوداً، لا يغير الوقائع، لكنه يمنح الضحايا نوعاً من الاستعادة المعنوية

ويرتبط ذلك أيضاً بمفهوم “التطبيع مع العنف”، حيث تؤدي البيئات التي يمارس فيها القمع بشكل ممنهج إلى إعادة تشكيل الوعي، بحيث يصبح العنف جزءاً طبيعياً من النظام العام، لا يُنظر إليه كخرق أخلاقي، بل كأداة وظيفية. وفي هذه الحالة، لا يشعر الفاعل بأنه ارتكب جريمة، بل أنه أدى مهمة ضمن سياق محدد.

ويخلص هذا التحليل إلى أن “اعتراف الجاني أو إبداء الندم، حتى وإن كان محدوداً، لا يغير الوقائع، لكنه يمنح الضحايا نوعاً من الاستعادة المعنوية”. غير أن سلوك عاطف نجيب، كما ظهر خلال الجلسة، “لم يقدم هذا الاعتراف، بل عزز الشعور بوجود قطيعة بين مسار العدالة الذي تسعى إليه المحكمة، والبنية الذهنية للمتهم الذي قد لا يعترف بوجود خطأ من الأساس”.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب