فلسطين أمام لحظة الحقيقة: الوحدة الوطنية استراتيجية لمواجهة الاحتلال

فلسطين أمام لحظة الحقيقة: الوحدة الوطنية استراتيجية لمواجهة الاحتلال
بقلم:رئيس التحرير
لم تعد القضية الفلسطينية تحتمل المزيد من الانقسام والتجاذب والتراشق الإعلامي، فيما تتعرض الأرض والقدس والحقوق الوطنية لمحاولات متواصلة لفرض وقائع جديدة. والمطلوب اليوم ليس البحث عن منتصر في الخلاف الفلسطيني الداخلي، وإنما استعادة البوصلة الوطنية وتوحيد القرار في مواجهة مشروع يستهدف الأرض والإنسان والهوية والحق الفلسطيني.
والحقيقة السياسية والقانونية التي ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق هي أن الاحتلال الإسرائيلي هو أصل المشكلة ومصدر استمرارها؛ فالاستيطان والضم ومصادرة الأراضي والتهجير وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي لا تمنح الاحتلال شرعية أو سيادة، ولا يمكن للوقائع المفروضة بالقوة أن تنشئ حقاً قانونياً. أما الشعب الفلسطيني، فله حق أصيل في تقرير مصيره، وفي ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة وفق قواعد القانون الدولي.
لكن وضوح المسؤولية القانونية للاحتلال لا يعفي الفلسطينيين من مسؤوليتهم الوطنية في حماية جبهتهم الداخلية. فالانقسام الفلسطيني، مهما كانت أسبابه، أصبح ثغرة استراتيجية لا يجوز استمرارها، لأن الاحتلال يستفيد من تشتت القرار وتعدد المرجعيات وتبادل الاتهامات، بينما تتراجع القدرة الفلسطينية على تحويل الحقوق القانونية والسياسية إلى فعل مؤثر.
من هنا، فإن الحوار الوطني الشامل ليس ترفاً سياسياً ولا مناورة مرحلية، بل ضرورة استراتيجية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني. والمطلوب حوار يتجاوز تقاسم النفوذ والمواقع، ويتجه مباشرة إلى صياغة استراتيجية وطنية تحدد الثوابت والأهداف ووسائل العمل والمسؤوليات.
وفي مقدمة هذه الثوابت تأتي وحدة الجغرافيا الفلسطينية. فالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ليست كيانات منفصلة، ولا يجوز أن تتحول الترتيبات المؤقتة أو الانقسام السياسي إلى واقع دائم من التجزئة. والقدس ليست ملفاً يمكن فصله عن القضية أو تأجيله إلى أجل غير مسمى؛ إنها جزء أصيل من الأرض الفلسطينية المحتلة، وفي قلب المشروع الوطني الفلسطيني، وعاصمته المنشودة.
إن أي مشروع يؤدي إلى فصل غزة عن الضفة، أو عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، أو تكريس الاستيطان والضم، يجب أن يواجه بموقف وطني وسياسي وقانوني موحد، لأن تفكيك وحدة الجغرافيا يعني عملياً إضعاف إمكانية تجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ماذا نحتاج الآن؟
أولاً، حوار وطني شامل تشارك فيه القوى السياسية والمستقلون والكفاءات والشباب والمرأة ومؤسسات المجتمع المدني، بعيداً عن الإقصاء والتخوين.
ثانياً، صياغة وثيقة استراتيجية وطنية تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي والإعلامي، وتحدد أدوات مواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير.
ثالثاً، إعادة بناء وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتجديد شرعياتها وتوسيع المشاركة فيها على أسس ديمقراطية وتوافقية.
رابعاً، حماية وحدة الضفة وغزة والقدس، ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى الفصل السياسي أو الجغرافي أو تحويل أي جزء من الأرض الفلسطينية إلى قضية منفصلة.
خامساً، تفعيل المسار القانوني الدولي لمواجهة سياسات الاحتلال، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي عربي ودولي منظم، وتعزيز صمود الفلسطينيين اقتصادياً واجتماعياً، خصوصاً في القدس والمناطق المستهدفة بالمصادرة والاستيطان والتهجير.
سادساً، الاتفاق على ميثاق شرف سياسي وإعلامي يرفض التخوين والتشهير والتحريض، من دون المساس بحق النقد والمساءلة السياسية والقانونية.
إن فلسطين أمام لحظة لا تحتمل ترف الانتظار. فالاحتلال يعمل على تغيير الوقائع، بينما استمرار الانقسام يستهلك الطاقة الوطنية في معارك داخلية لا تخدم سوى خصوم المشروع الوطني.
المطلوب إذن الانتقال من إدارة الانقسام إلى إدارة المواجهة، ومن ردود الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن التراشق إلى الشراكة، ومن تعدد المواقف إلى وحدة البوصلة.
فالوحدة الوطنية لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما إدارة الاختلاف داخل إطار وطني جامع. ولا تعني احتكار القرار، بل شراكة الجميع في صناعته. والأهم أنها ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً لحماية الأرض والقدس والحقوق الوطنية.
الاحتلال هو أصل المأساة، والقانون هو أحد ميادين المواجهة، والوحدة الفلسطينية هي خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني.
وفي هذه المرحلة المفصلية، لا يجوز أن يكون السؤال: من ينتصر على من؟ بل: كيف تنتصر فلسطين؟
المحامي علي أبوحبلة
