فورين أفيرز: الممرات المائية في آسيا ساحة الصراع العالمي المقبل

فورين أفيرز: الممرات المائية في آسيا ساحة الصراع العالمي المقبل
واشنطن: إذا كان اقتصاد العالم يدفع ثمنا باهظا لإغلاق مضيق هرمز على الخليج بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي، فإنه سيدفع ثمنا أكبر إذا ما انتقلت ساحة الصراع والتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية إلى المضائق والممرات المائية في آسيا.
وفي تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، قالت لين كوك، أستاذة كرسي لي كوان يو في معهد بروكينغز للدراسات، إن استخدام السيطرة على الممرات المائية لإضعاف الخصوم وتحقيق نتائج استراتيجية أمر شائع في أغلب الصراعات. فعندما أممت إيران صناعة النفط لديها، فرضت بريطانيا حصارا بحريا على طهران لحرمانها من تصدير النفط. وخلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، نشبت ما عرفت بحرب ناقلات النفط عام 1984، عندما زرعت إيران ألغاما في مضيق هرمز وهاجمت السفن العابرة لحرمان العراق ودول الخليج العربية من تصدير النفط، ردا على الهجمات الصاروخية والجوية العراقية على موانئ تصدير النفط الإيرانية. لكن في كلتا الحالتين استمر عبور السفن من مضيق هرمز.
أزمة مضيق هرمز الحالية أظهرت بوضوح أن إغلاقه أصبح أسهل، وأن عواقب الإغلاق أصبحت أوسع نطاقا
لكن أزمة مضيق هرمز الحالية أظهرت بوضوح أن إغلاقه أصبح أسهل، وأن عواقب الإغلاق أصبحت أوسع نطاقا. فالتقنيات غير المكلفة نسبيا، ومنها أنظمة المراقبة الساحلية، والصواريخ المضادة للسفن التي تطلق من الشاطئ، والطائرات المسيرة، والزوارق المسيرة والألغام، تتيح الآن للدول الأضعف تعطيل الملاحة على نطاق واسع وفرض تكاليف باهظة على الخصوم الأقوى.
وفي الوقت نفسه، أدى تركيز التجارة العالمية وتدفقات الطاقة عبر عدد قليل من الممرات الضيقة إلى تضخيم تأثير الأزمات المحلية. والأهم من ذلك، أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللاحق بإغلاق مضيق هرمز، يشيران إلى استعداد أكبر لدى القوى الكبرى لفرض تكاليف اقتصادية باهظة وتجاهل القانون الدولي، بما في ذلك القواعد التي تنظم استخدام الممرات المائية.
علاوة على ذلك، قد لا تحتاج الدولة الضعيفة إلى إغلاق الممر المائي فعليا لإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي ككل وبالدول المستهدفة بشكل خاص، لأن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة في الممر المائي سيؤدي إلى رفع رسوم التأمين على السفن، وتغيير مسارات الشحن البحري، وزعزعة استقرار أسواق السلع على مستوى العالم.
وتقول لين كوك، وهي باحثة زائرة في مركز بول تساي للدراسات الصينية في كلية القانون بجامعة ييل الأمريكية، إنه إذا كان إغلاق مضيق هرمز قد تسبب في كل هذا الضرر لدول العالم، فإن إغلاق الممرات المائية في آسيا سيسبب مخاطر أكبر بكثير. فبينما يعتبر مضيق هرمز ممرا حيويا لإمدادات الطاقة، فإن الممرات المائية الآسيوية تمثل مفترق طرق التجارة العالمية والطاقة وسلاسل إمداد أشباه الموصلات التي باتت عصب قطاعات كبيرة من الاقتصاد العالمي.
وبعد أن أظهرت أزمة مضيق هرمز سهولة استغلال السيطرة على الممرات المائية الحيوية لفرض تكلفة باهظة على الدول الأخرى، فقد تفكر دول ضعيفة في آسيا بتكرار سيناريو مضيق هرمز مع الممرات المائية الحيوية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد يتخذ ذلك شكل قيود أمريكية على المرور عبر مضيق ملقا، أو حصار الصين لمضيق تايوان، أو منع الولايات المتحدة والفلبين من العبور من مضيق لوزون.
وقد يمتد الضغط على هذه الممرات المائية الرئيسية إلى الممرات المائية الثانوية في آسيا. وتشير التطورات الأخيرة في الأرخبيل الإندونيسي، التي لم تحظ باهتمام كبير، إلى أن واشنطن وبكين تتوقعان بترقب أكبر حدوث اضطرابات في المنطقة، وتسعيان جاهدتين للتنافس على السيطرة على الممرات البحرية الثانوية في آسيا.
وفي الوقت نفسه، لم تكتف إيران بالرد على الحرب الأمريكية الإسرائيلية بإغلاق المضيق، بل أنشأ الحرس الثوري الإيراني نظام رسوم مرور معقدا في مضيق هرمز، تلتزم بموجبه السفن الراغبة في العبور بتقديم وثائق محددة ودفع رسوم للعبور.
وفي حين ظهرت تقارير غير مؤكدة عن دفع سفينة واحدة على الأقل مليوني دولار لعبور المضيق، أكدت العديد من شركات النقل البحري رفضها دفع الرسوم، مستندة إلى “مبدأ الملاحة القائم على القانون الدولي”.
فرضت الولايات المتحدة حصارا شاملا على الموانئ الإيرانية لمنع سفن جميع الدول من الدخول إلى هذه الموانئ أو الخروج منها، مع السماح بمرور السفن غير المتجهة إلى إيران
وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصارا شاملا على الموانئ الإيرانية لمنع سفن جميع الدول من الدخول إلى هذه الموانئ أو الخروج منها، مع السماح بمرور السفن غير المتجهة إلى إيران.
وتخالف تصرفات إيران وموقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتشدد بوضوح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وقانون النزاعات المسلحة في البحار، لأن الحظر الشامل على السفن العابرة للمضيق يتعارض مع حق العبور الذي يكفله قانون النزاعات المسلحة في البحار. كما أن عدم دفع رسوم العبور لا يعد مبررا قانونيا لاستهداف السفن المحايدة، كما تزعم إيران.
ومن المرجح أن تكون عواقب السيطرة على المضائق في آسيا واستغلالها أشد وطأة من عواقب إغلاق مضيق هرمز. فحوالي 40% من التجارة العالمية و80% من واردات الطاقة الصينية تمر عبر مضيق ملقا، الذي لا يتجاوز عرضه 1.5 ميل بحري في أضيق نقطة. وفي حالة إغلاقه، ستضطر السفن إلى استخدام الممرات المائية الثانوية في إندونيسيا أو الالتفاف حول أستراليا، ما يضيف وقتا وتكلفة ومخاطر كبيرة على التجارة العالمية.
وفي عام 2003، وصف الرئيس الصيني في ذلك الوقت، هو جين تاو، خطورة هذا الممر على الأمن الاقتصادي للصين بأنها “معضلة ملقا”. وقد زادت الأحداث الأخيرة في مضيق هرمز حدة هذا القلق.
ومن المرجح أن تكثف بكين خططها لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا من خلال التوسع في استخدام خطوط أنابيب نقل النفط والغاز الطبيعي عبر ميانمار وروسيا وآسيا الوسطى، وتعزيز خطوط الربط مع موانئ الدول الصديقة على المحيط الهندي، وتطوير الطرق الملاحية عبر القطب الشمالي.
إن تعطيل مضيق ملقا ستكون له تداعيات على دول تتجاوز الصين بكثير. فهذا الممر الحيوي هو الطريق البحري الرئيسي الذي يربط مراكز التصنيع في شرق آسيا بأسواق أوروبا والشرق الأوسط، وإغلاقه سيؤدي إلى قطع سلاسل التوريد العالمية الحيوية، وإحداث صدمات اقتصادية كلية، والإضرار بالاقتصاد الأمريكي.
وبعد أن كان من الممكن افتراض أن واشنطن ستتردد في تعطيل المرور عبر مضيق ملقا بسبب العواقب الوخيمة لمثل هذه الخطوة على الاقتصاد العالمي، جاءت أزمة مضيق هرمز لتشير إلى أن مثل هذه العواقب لم تعد ذات أهمية كبيرة بالنسبة لصناع القرار في واشنطن.
جاءت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران دون مراعاة تذكر للتداعيات الأوسع نطاقا لمثل هذه الحرب، بما في ذلك تأثيرها على حلفاء وشركاء الولايات المتحدة
فقد جاءت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران دون مراعاة تذكر للتداعيات الأوسع نطاقا لمثل هذه الحرب، بما في ذلك تأثيرها على حلفاء وشركاء الولايات المتحدة. كما أن الحصار الأمريكي، حتى في شكله الأضيق للموانئ الإيرانية، ساهم في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والغذاء العالمية.
وإذا كان اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وملقا سيصيب حركة التجارة العالمية بصدمة كبيرة، فإن اضطراب الملاحة في مضيق تايوان، الذي تمر عبره 20% من التجارة البحرية العالمية، سيصيب الاقتصاد العالمي كله بأزمة غير مسبوقة. فتايوان لا تزال المنتج الرئيسي لأشباه الموصلات المتقدمة في العالم، وأي حصار للمضيق يعني حرمان تايوان من إمدادات الطاقة والمواد الخام، ووقف صادراتها من الرقائق الإلكترونية الحيوية لسلاسل التوريد العالمية. وعلى عكس الصين، التي تعمل على إنشاء طرق بديلة لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا، تفتقر تايوان إلى طريق بديل جغرافي مناسب، حيث تتركز موانئها الرئيسية على طول ساحلها الغربي المطل على المضيق، في حين أن طبيعتها الجبلية الداخلية تعقد حركة النقل بين الشرق والغرب.
ووفقا لتقديرات وكالة بلومبرغ للأنباء، فإن حصار مضيق تايوان سيؤدي إلى شلل الصناعات التكنولوجية والعسكرية في العالم، وخفض إجمالي الناتج المحلي العالمي بنسبة 5.3%.
وإلى جانب قدرتها على إحداث اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق، توفر هذه الممرات المائية مزايا عسكرية وعملياتية واضحة لمن يسيطر عليها.
فباستخدام الرادار الساحلي، والصواريخ الأرضية، والطائرات المسيرة، والسفن السطحية غير المأهولة، والزوارق السريعة، والألغام، أثبتت إيران قدرتها على تقييد الوصول وفرض تكاليف باهظة على الجيش الأمريكي الأقوى في العالم، مما يعقد أهداف الحرب الأمريكية الأوسع.
وعلى الرغم من أن مضيق تايوان أوسع بكثير من مضيق هرمز، يظل المبدأ الأساسي قائما، وهو أن المضائق تمثل أصولا استراتيجية يمكن تسليحها بفعالية. وقد ركزت المناورات الأمريكية الفلبينية مؤخرا على تطوير قدرات السيطرة على مضيق لوزون، الذي يربط بحر الصين الجنوبي بالمحيط الهادئ، ويعتبر بوابة حيوية للنقل التجاري والحركة البحرية بين شرق آسيا والمحيط الهادئ الأوسع، وسيكون بديلا أساسيا في حال تعطل المرور عبر مضيق تايوان. وقد ردت بكين مؤخرا على هذه المناورات بتدريبات بالذخيرة الحية، تؤكد الأهمية الاستراتيجية للمضيق.
ولأن عرض مضيقي تايوان ولوزون يتجاوز 24 ميلا بحريا، فإنهما يخضعان لقواعد الملاحة في أعالي البحار وليس كمياه إقليمية للدول المشاطئة. لذلك فإن إغلاق مثل هذه المضائق أو التدخل غير المبرر في حركة المرور عبرها يعد انتهاكا صريحا للقانون الدولي. ومع ذلك، تشير الأنشطة العسكرية في المضيقين وحولهما إلى أن القيمة الاستراتيجية للتحكم فيهما قد تفوق القيود القانونية في أوقات الأزمات.
أخيرا، يمكن القول إن طهران كشفت القدرة على امتلاك نفوذ قوي ومدمر بتكلفة منخفضة عبر السيطرة على مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، فإن الدرس الذي يجب على دول العالم ودول آسيا والمحيط الهادئ بشكل خاص استخلاصه من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران هو أنه من دون الدفاع المطلق عن حقوق العبور وحرية الملاحة في البحار، والتصدي بقوة لمن يحاول تقويض هذه الحقوق، فقد يتكرر سيناريو إغلاق مضيق هرمز في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبسبب حجم التجارة العالمية الهائل الذي يعتمد على المرور عبر تلك الممرات الآسيوية الحيوية، ستكون عواقب إغلاقها أو عرقلة المرور فيها وخيمة على العالم أجمع.
(د ب أ)




