ثقافة وفنون

في «دورة الفنون»

في «دورة الفنون»

منصف الوهايبي

تنضوي الفنون كلها أو جلها إلى «دورة الفنون» بعبارة الرومنطيقيين الألمان، وهي تتآلف وتتناغم؛ أو «حلقة الفنون» على قلق الترجمة. وفي سياق هذه «الدَوْرَةِ»، تتكامل الأجناس الفنية، وهي تتداخل وتتفاعل، وتتحاور في أفق من رؤية جمالية مخصوصة. وقد يطيب لبعضنا من «نباشي» التراث، بحثا عن دفين أو مستور، أن يشير إلى ناحية قد تكون جديرة بالاعتبار؛ لكنها على صلة بمفهوم «التخييل» وبالعلاقة بين ثقافة الأذن وثقافة العين؛ وقد نبه إليها القدماء مثل ابن رشيق في «العمدة» وحازم القرطاجني في «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، وهي «قلب السمع بصرا» ما تعلق الشعر بالوصف أو التشبيه.
وابن رشيق يرى أن الشعر إلا أقله راجع إلى الوصف. وهو عنده مناسب للتشبيه، إلا أن الوصف إخبار عن حقيقة الشيء؛ لأن أصله الكشف والإظهار، وأبلغه ما قلب السمع بصرا بعبارته؛ فيما التشبيه مجاز وتمثيل. على أن ما أنا فيه يتعلق بالفنون بصرية وسمعية، حيث الشعر مثلا لا ينفصل عن الموسيقى في تناغمها، وعن الرسم في محموله البصري وكثافته؛ بل يطعمهما على نحو ما يطعمانه. ولعلنا بهذا إنما نُنوع على ما أثبته هيغل في سياق كلامه على نسقية الفلسفة منظمةً مثل «دائرة دوائر»، وكل منها تدرك الواقع، أو تعقله من منظور مخصوص شأنها شأن العلم في تقديره؛ فهو يتكون من بيانات وإجراءات تتوافق ومستويات مختلفة من أجل إعداد موضوعه. وهو يقول إنه «يحسن تصور الفلسفة مثل دائرة تعود على نفسها أبدا». وشعر اليوم في نماذجه التي لا تخطئها العين، صورة من «دائرةِ دوائرَ» عند بعضهم، وذات شكل «لولبي»، أو «حلزوني» عند آخرين. وقد يكون هذا الشكل اللولبي أشبه بدائرة، غير أنها دائرة تتحرك وتنتشر؛ أو هي ـ إذا جاز لنا أن نتمثل بصورة الأرض ـ تدور حول نفسها أي جنسها الأصلي: الشعر، وحول الأجناس أو الجنس الذي تتجاوب معه؛ فيتعدد المعنى وينتشر، أي ما يهبه النص؛ ويتمهد السبيل إلى دلالة القصيدة أو دلالاتها، أي ما تنتجه القراءة أو التفسير والتأويل. من هذا المنظور فإن النص الشعري شبكة كثيفة من التجاوبات والتراسلات، مردها إلى أنواع أدبية تتحدر إليه من كل صوب مادةً ووسائط وسجلات؛ الأمر الذي يدفع إلى إعادة تعريف الشعر نفسه؛ بل إلى ارتباك جل قرائه. وهذا منعطف في الشعر لا مناص منه؛ ونتبينه في غير قليل من نصوص شعرائنا، مصدرها رؤية للفنون تشحذ خيال الشعراء العرب منذ عصر النهضة، حيث أخذ الشعر العربي يبرح دائرة الأغراض المتأصلة (مديحا وهجاء وغزلا وفخرا ورثاء…) وينخرط في التيارات والمدارس الوافدة عليه من رومنطيقية ورمزية وتصويرية وسريالية وواقعية اشتراكية.. وهذه إنما نشأت في الثقافات الغربية، والتبست كثيرا، أو قليلا بما تسرب إليها من روافد الفنون والأنواع الأخرى.

ولعل خير مثال لمسألة التجاوب بين الأدب والفنون في الأزمنة الحديثة، نص له قيمة الأصل المؤسس هو قصيدة «المنارات» لبودلير، وهي القصيدة السادسة في كتابه الشعري «أزهار الشر»، وقد كتبها عام 1856؛ وهي تحتفي بثمانية فنانين تنضوي أعمالهم إلى الفن البصري وهم (روبنز، ليوناردو دافنشي، رامبرانت، مايكل أنجلو، بوجيه، واتو، غويا، وديلاكروا). وهذه قصيدة من أظهر نصوص «دورة الفون»؛ ما انفك السجال يُدال عليها مرة تلو أخرى عند قارئي بودلير. وكل منهم يقترح قراءة خاصة، ليس هنا مجال الخوض فيها؛ إنما يعنيني منها مفهوم «التأويل» الذي يأخذ به بعضنا في قراءة الشعر. وهو ينهض على «الشرح» و»التفسير». أما «الشرح» فأساسه إبراز البنية، أي علاقات «التعلق» الداخلية التي تشكل «توازن» عناصر النص أو مكوناته الإيقاعية والمعجمية والصرفية والنحوية التركيبية، في حال سكونه وحركته، وأما التفسير فهو أن نتدبر النص ونسلك الطريق الذي يمهده ويفتتحه بنيةً ومكوناتٍ، وأن ننطلق من ثمة نحو «مشرق النص»، أو مصدر ضوئه وتألقه؛ في رحلة هي أشبه برحلة كشف واستكشاف لـ»شرق» هذه «المنارات» أو لـ»التعبير عن الحياة» أو عن تجربة ما مشاعرَ وأفكارا ومواقف. وهذا يفترض في أي فن وجود وسيط (اللغة أو اللون أو الحركة أو الحوار أو المشهد… أي الجسد في علاقته بالزمان والمكان). والتفسير من هذا المنظور وعي تاريخي: فنحن لا نفسر القصيدة أو نضفي عليها معنى أو دلالة، كما لو أننا نفسر حدثًا في حياتنا أو في حياة صاحبها؛ وإنما نحاول أن نقرأها في سياقها: سياق النص وحوافه.

كيف يحول الشعر مواد لغوية وغير لغوية ليست من جنسه (السرد والمسرح والحِجاج والرسم والموسيقى والسينما…) إلى مادة شعرية، حيث الزوج القائم في القصيدة، قد لا يكون أكثر من جدلية العين واليد؟ وهذا هو عالم الشعر أيضا الذي يضيف السمع؛ والشعر هو دائما مسموع مقروء، وفيه تتضافر اليد الكاتبة والعين القارئة والأذن السامعة.

على أن هناك في الغرب من يرجع هذه الظاهرة أي تجاوب الفنون بعضها بعضا، إلى ظروف وملابسات خاصة بثقافة الغرب مثل، «فن الحدائق» أو «الحديقة الفنية»، أو «أدب الحدائق»، وأثر كل من الشعر والرسم فيها، حيث الحديقة صورة من القصيدة، والقصيدة صورة من الحديقة في غناها وتنوعها، وحيث حرية المبدع أو إرادته هي الأساس؛ وهذه تكاد لا تبرح من حيث مراجعها «حلقة الفنون الليبرالية» حيث الحديقة موطن أو فضاء لـ»الفنون» جميعها تجاورا كما في التعبير الكنائي أو الرمزي، أو تشابها أو تداخلا بالتماهي كما في التعبير المجازي أو الاستعاري؛ أي هي حديقة غير مسيجة، أو لا أبواب لها. على أن القول بهذا محفوف بمحاذير شتى، ويواجه صعوبات جمة ليس تذليلها ولا رصدها بالسهل؛ إذ تنتقل قيم الفنون وأساليبها و»جمالياتها» من الأشياء إلى عالم القصيدة العربية، تبعا لثقافة الشاعر، أو تعدد «هواياته» أو مجالات كتابته؛ فهي ليست «الظاهرة الفنية» كما هو الشأن في الغرب، وإنما هي «عمل فردي» خاص بالشاعر. ومن هؤلاء الشعراء العرب المعاصرين من هو كاتب وسارد ومسرحي ورسام مثل العراقي يوسف الصائغ، أو من هو شاعر ومفكر أو شغوف بالفنون التشكيلية مثل «الكولاج» عند أدونيس.

فكأننا ننتقل في هذه النصوص، من مكان سائل إلى زمان متجمد، ومن زمان سائل إلى مكان متجمد، تنويعا على «شطح» محيي الدين بن عربي في «فتوحاته»، عبر ثقوب «شبكة القراءة»، حيث نرى في «التلاقي الجنسي»(نسبة إلى الجنس ج. أجناس) تلاقيا فنيا؛ أو جماليا قد يصل بين عالَم الفن وعالَم ثقافة الشاعر العربي، أكثر مما يصل بينه وبين الواقع المعيش، أو بينه وبين تراثه الشعري. والحق أن البعض يعترض على هذا، فعبد الواحد لؤلؤة يرى («القدس العربي» مارس/آذار 2024) أن «بعض المعلقين [يتسرعون] في أحكامهم النقدية بقولهم، إن تراث الشعر العربي يفتقر إلى معالجة الفنون التشكيلية بأنواعها، كما يفتقر إلى معالجة بعض الموضوعات الدرامية مثل شعر المسرح. ولكن استعراض أمثلة من الشعر الجاهلي امتداداً إلى الشعر الحديث، تبين وجود أمثلة كثيرة من الشعر العربي التي تعالج الفنون المعروفة في زمانها، وليس من الضروري أن تكون هذه الأمثلة مطابقة أو مشابهة لأمثلة من الشعر في أوروبا وأمريكا».

ولنا أن نتساءل بناء على ما تقدم: كيف يحول الشعر مواد لغوية وغير لغوية ليست من جنسه (السرد والمسرح والحِجاج والرسم والموسيقى والسينما…) إلى مادة شعرية، حيث الزوج القائم في القصيدة، قد لا يكون أكثر من جدلية العين واليد؟ وهذا هو عالم الشعر أيضا الذي يضيف السمع؛ والشعر هو دائما مسموع مقروء، وفيه تتضافر اليد الكاتبة والعين القارئة والأذن السامعة. نسوق هذا، من دون أن نغفل عن أن لكل «جنس» لغته وأدواته وأساليبه، ولكل عالمه المميز؛ مثلما له مناهجه واصطلاحاته في القراءة، أو في النقد. فكيف لهما أي لجنسين أدبيين أو لفنين «مختلفين» إذن أن ينضما ويندمجا؟ فإذا سوغنا أن هذا التجاوب بإمكانهما، وهو يجري في القصيدة العربية الحديثة: فأين موقعه؟ عمل الشاعر أم عمل السارد مثلا، أو المسرحي، أو المترسل، أو الرسام، أو السينمائي؟ بل هل يمكن أن نعقد حوارا بين هذه الأجناس والفنون؟ وكل منها كيان واحد لا يتجزأ. والأمر هنا قد لا يعدو نوعا من التمثل ينهض به الفكر كشفا عن التشابه القائم بين الظواهر المتماثلة، أو الانتقال من المخالف إلى المشابه، أو من المختلف إلى المؤتلف. فالمقام في السياق الذي نحن به، مقام اتحاد بين القصيدة والقصة، وبين القصيدة والمسرحية، وبين القصيدة والرسالة، وبين القصيدة واللوحة، بين الشاعر والرسام. والفنون في تطورها الأحدث، يجري بعضها في بعض، إلى حد تمحي فيه الحدود والفروق بينها؛ أو هي ليست بالوضوح الكافي أو المفترض عند القارئ. فقد تعزز الحوار بين الأدب والفنون (الموسيقى والأوبرا والرسم والعمارة والنحت والرقص والسينما، بل التصوير الفوتوغرافي أيضا) في الغرب خاصة. وفي سياقه يمكن تُطرح «دورة الفنون» أو حلقتها ومظاهرها وتجلياتها الثقافية والفنية.

كاتب تونسي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب