
قانون للأحوال الشخصية… أم إعلان للحرب والتعبئة العامة؟!
سليم عزوز
وعرف الرجل طريقه إلى الأستوديوهات، فأربك المشهد بتناقضاته. إنه المستشار عبد الرحمن محمد عبد الرحمن حنفي، القاضي المتقاعد، ورئيس لجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية!
لم تكن لنا سابق معرفة بالمستشار الجليل عبد الرحمن حنفي، عندما تمدد في الفراغ، مدافعًا عن قانون أعده، وصار هو حديث الموسم، ولعل أول طلعة له كانت في برنامج عبر قناة «صدى البلد»، مع أحمد موسى، في يوم انهارت فيه تناقضاته، لأنه اليوم الذي أعلن فيه الأزهر أنه لم يؤخذ رأيه في مشروع القانون، وذلك عكس ما قاله الرجل في تصريحات سابقة له، من أن القانون عرض على الأزهر، وأنه وافق على تسعين في المئة من مواده، والاعتراض على عشرة في المئة منها!
ومرت أيام وراء أيام، وهذا هو المسلم به، والأزهر لا يرد، وترك الرواية تنتشر، ثم نسفها، فلا شيء عرض عليه، ثم كانت استضافة المستشار حنفي في التلفزيون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصداقيته، والذي بدا لي أنه يعمل مع نفسه، فما هي صفته الدستورية ليتحدث عن لجنة غير معروفة لي؟! وأطلب منه نشر الأسماء فلا يفعل!
ما توصلت إليه بعد البحث والتحري
وكان لا بد من البحث والتنقيب، فليس منطقيًا أن يخرج الرجل ذات صباح فينصب نفسه رئيسًا للجنة، ما لم يكن لذلك أساس، وقد توصلت إلى أنه القرار الوزاري 2805، الصادر في عام 2022، بتشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسلمين المصريين، برئاسة المستشار حنفي، وعضوية أحد عشر عضوًا، كلهم قضاة وأعضاء في النيابة!
والقرار صادر من وزير العدل عمر مروان، ولست متابعًا لحركة التغييرات الوزارية، لكي أعرف ما إذا كان في موقعه، أم هناك وزير جديد للعدل، وهذا لا يفيد في شيء!
المستشار حنفي صرح مؤخرًا أن فضيلة المفتي عضو في اللجنة، ويؤسفني أن هذا ليس صحيحًا، واللافت هو ما نصت عليه المادة السادسة في القرار، من أن اللجنة تنتهي من أعمالها خلال أربعة أشهر من تشكيلها، وللوزير مد عملها للوقت الذي يراه مناسبًا حتى انتهاء اللجنة من أعمالها وتقديم مشروع القانون للوزارة!
وبحثت عما يفيد مد عمل اللجنة لأربع سنوات فلم أجد، وحق الرد محفوظ، والمعلومة ضالة الصحافي، فإذا كان لجهة الاختصاص رد فمرحبًا به.
المدهش هو التعامل مع اللجنة في إعدادها للقانون، كما لو كانت تخطط لإعلان حالة الحرب والتعبئة العامة، حيث ألزم القرار أعضاء اللجنة بالتزام سرية الاجتماعات والمداولات، والامتناع عن الإدلاء بالتصريحات والأحاديث حتى تقديم مشروع القانون للوزارة!
فهل استلمته الوزارة، ولهذا عرف المستشار عبد الرحمن حنفي الطريق إلى الأستوديوهات والتصريحات الصحافية؟! إن هذا يلزم الوزارة بنشر مشروع القانون، ما دام ليس هناك ما يخيف، ورئيس اللجنة المستشار حنفي قال إن المشروع موافق للشريعة الإسلامية بنسبة مئة في المئة!
الحرص على الغموض
كان المطلوب من القاضي السابق أن يدعو إلى مؤتمر صحافي في يوم الانتهاء من المشروع السري، ليقول كل ما فيه، ويرد على الملاحظات، ويغادر إلى منزله، لكنه لم يفعل، وهو في أحاديثه الإعلامية يحرص على الغموض، ويتجنب قراءة النصوص، وكذلك فعل في قناة «صدى البلد».
لكن من سوء حظه أن الشيخ عباس شومان، الأمين العام لجبهة كبار العلماء، كان هناك، والذي أكد أن الأزهر الشريف لا يعرف شيئًا عن هذا المشروع، ولم يعرض عليه، وذلك على خلاف ما أشاعه عبد الرحمن حنفي، ولم يكن دقيقًا في ذلك، أو في ادعاء أن فضيلة المفتي عضو في اللجنة، على غير الواقع، فالواقع المرير أن السلطة التنفيذية تعاملت مع موضوع كهذا، على أنه مجرد نصوص قانونية تحتاج إلى الصياغة، وليست دينًا، وفقهًا، ومذاهب، ويتصل بواقع الناس، والقانونيون ليسوا أصلح الناس لأمور بهذه الضخامة، ويمكن أن يشكلوا لجنة صياغة لا أكثر!
وفي قفزاته يمينًا ويسارًا، تكتشف هذا التناقض الكبير في كلام القاضي السابق عبد الرحمن حنفي، فتارة عرضوا القانون على الأزهر، وتارة عرضوا جزءًا منه، وتارة يقول إن ما عرض عليه ليس هو المشروع الحالي، فمن أنتم؟!
وهذا التناقض هو ما يقلق، لكن ما يقلق حقًا هو قوله إن الأزهر ليس جهة اختصاص في الأمر، وانبعث أشقاها، الذي يجلس للساقطة واللاقطة، يتحدث كما لو كان يعيش حياة مدنية سليمة، وكما لو كانوا يأخذون رأيه في ما يعقدون من أمور، ومن ثم يرى أن الخطر الحقيقي هو في دخول الأزهر على خط التشريع، لأن هذا هو الحكم الديني، فماذا عن الحكم العسكري؟! لا ينطق المفكر الكبير!
وعام المستشار حنفي على عوم هؤلاء، فاندفع يقول بعدم اختصاص الأزهر بقانون الأحوال الشخصية قانونًا، وكأن القانون أعطاه هو هذا الاختصاص الذي عاش فيه أربع سنوات بدلًا من أربعة أشهر، وكأنه يخترع الذرة، وفي بلد عرف هذه القوانين قبل مئة عام.
إنها واحدة من تناقضات رئيس اللجنة، لأنه في تناقض آخر يقول إن المنوط به إحالة مشروع القانون إلى الأزهر هو البرلمان!
لا يمكنه الاستناد إلى أي نصوص قانونية في الحالتين، لكن في نصوص الدستور ما يلزم أن الأزهر هو جهة الاختصاص في قوانين الأحوال الشخصية، لأن الدستور هو من أعطى الكنائس سلطة إعداد قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، فلماذا لم تشكل الحكومة لجنة لهذا الغرض؟! ومن أين استمدت الكنائس هذه السلطة التي حرم المستشار حنفي منها الأزهر الشريف؟!
ولا أعرف لماذا لم يعترض العلمانيون المصريون على هذه السلطة الممنوحة للكنائس، ولا يتحسسون علمانيتهم المدفونة في بطونهم، إلا إذا جرى الحديث عن الأزهر؟!
في مناظرة «صدى البلد»، أبدى المستشار حنفي استعداده لإرسال مشروع القانون للشيخ عباس شومان على الواتساب. إنها ذروة العبث!
إبراهيم عيسى… حيثما تكون المصلحة
لم يتبق شيء من إبراهيم عيسى، فهو في حالة تحولات مستمرة، وفي كل مرحلة له تحولاته، فحتى الإخوان قضى منهم وطرًا، ثم ها هو الآن يهاجمهم، وكأنه لم يكن حليف الأمس، ومن ناصري إلى أي حاجة، ومن الدفاع عن حزب الله إلى الهجوم عليه، ومن الهجوم على الخليج إلى التودد له، فما هي ثوابته، التي يمكن قياس سلوكه بها؟!
الحقيقة أن الثابت الوحيد هو مصلحته، فحيث تكون ثم وجهه، ومن العبث ما فعله من تضخيم أسباب تحولاته السريعة والمتلاحقة، وإعطائها بعدًا متورمًا، وقد سبق له أن هاجم مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في قناة «القاهرة والناس»، فهي ليست من أولويات مصر الاقتصادية!
وهو أداء يقدم عليه إذا استشعر أنه يمكن التخلص منه، حيث يستدعي شكل المعارض، الذي مارسه في عهد مبارك، وعندما أجبر نجيب ساويرس على بيع قناة «أون تي في»، وكان هو يقدم برنامجًا فيها، وبدأ المشتري في التخلص من الحمام القديم، هاجم هو علي عبد العال رئيس البرلمان.
لكن في هذه المرة تركوه لسنوات في «القاهرة والناس» بعد هذه المعارضة، حتى لا يعيش دور شهيد الموقف الوطني، ليعزلوه وهو متماهٍ مع خطاب السلطة!
وبعد الاستغناء عن خدماته التلفزيونية، ناور مع أهل الحكم، فيومًا يقوم بدور المعارض، وآخر يحاول الاقتراب من مواقفهم، ثم خطا خطوة أخرى للدعاية للعاصمة الإدارية الجديدة كممثل إعلانات، ومن الطبيعي أن يكونوا قد دفعوا له، كما تدفع شركة روابي والطعم بلدي للفنانة عبلة كامل، حيث تستهدف الشركات الترويج لمنتجاتها، وكذلك فعلوا مع عيسى!
والموضوع بسيط، فهذا إعلان مدفوع الأجر، ولا يجوز للصحافي أن يعمل في مجالات الإعلانات تحريرًا أو تمثيلًا، لكنه فعل، وغضت نقابة الصحافيين الطرف عن هذه المخالفة للمعايير المهنية، كما غض المجلس الأعلى للإعلام الطرف أيضًا، ومن اختصاصه ضبط هذه المخالفة.
لقد أعطى عيسى للموضوع بعدًا آخر، فقد غير رأيه كما فعل الشافعي عندما غيره بعد مجيئه إلى مصر. وهي مسخرة من العيار الثقيل، فالأساس الذي بنى عليه اعتراضه على العاصمة الإدارية الجديدة لم ينسفه أو يفنده، فالتحول كان بسبب الإعلان!
دعك من الشافعي ومالك وكلمني عن الأجرة!
صحافي من مصر




