قيادة جديدة في طهران؟!

قيادة جديدة في طهران؟!
محمد كريشان
كلما استمرت هذه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران زادت فوضى التصريحات الأمريكية حول الهدف الحقيقي من ورائها.
في اليومين الماضيين، أدلى الرئيس الأمريكي بمقابلات صحافية كثيرة، الواحدة منها تلاحق الأخرى من صحف وشبكات تلفزيونية ومواقع إلكترونية، وكل واحدة منها تتضمن شيئا ما مختلفا حتى قالت وكالة “رويترز” إن “مقابلاته الهاتفية القصيرة تضمّنت أحيانا أهدافا متضاربة”.
إذا ما اكتفينا بالأهداف الأربعة التي حّددها بوضوح في إحدى المرات وهي القضاء على برنامج طهران النووي، وبرنامجها للصواريخ، وقوتها البحرية، وقدرتها على تمويل وكلائها في المنطقة، فإنه من اللافت أنها لا تتضمّن إسقاط النظام مع أنه قد يكون هو أهم الأهداف على الإطلاق، وهو ما تنفخ فيه إسرائيل بلا هوادة وآخره ما قاله نتنياهو من أن “النظام الإيراني غير قابل للإصلاح ولم يتعلّم أي درس وهدفه النهائي تدمير الولايات المتحدة وتهديد العالم”.
المشكلة هنا، أن هدف إسقاط النظام يطل برأسه أحيانا ثم يختفي وكأن واشنطن “تتحرّج” بشكل أو بآخر من وضعه في الصدارة، ليس فقط لأنه يفرغ حربها الحالية من أي وجاهة دولية، مهما كانت هزيلة، ولكن أيضا بسبب كل ما روّجته طوال أشهر من أن كل ما تريده هو منع طهران من الوصول إلى القنبلة النووية. حتى هذا الهدف خضع هو الآخر إلى تصريحات متضاربة من المسؤولين الأمريكيين بين من يصوّر إيران وقد دٌمّرت كل قدراتها النووية منذ حرب الإثني عشر يوما في يونيو/ حزيران الماضي ومن يصوّرها على أنها كانت على قاب قوسين أو أدنى من الظفر بها !!.
بعد “وقاحة” ما قامت به في فينزويلا وتصريحات رئيسها بخصوص كندا وغرينلاند وأخيرا كوبا، تبدو واشنطن اليوم وكأنها لا تريد أن تكون أهدافها الخاصة بإسقاط أنظمة والتدخل العسكري لإخضاعها، كما تفعل الآن في إيران، فاقعة في إظهار جانب ما زال مستفزا ومحرجا في العلاقات الدولية، رغم كل ما أصاب القانون الدولي من طعنات قاتلة في السنوات القليلة الماضية خاصة بعد فضيحته الكبرى في غزة.
حاول ترامب أن يوحي بقرب ظهور قيادة جديدة، بل وقال إنها ترغب في الحديث معه، ولكن لم يلحظ أي كان أي مؤشر في هذا الاتجاه
ولأن ترامب لا يقدر على كتم رغبته الجارفة في إخضاع طهران فقد انبرى محرّضا الإيرانيين ضد نظامهم أملا في أن يخرجوا هاتفين باسمه كمنقذ ومحرّر للملايين منهم. لقد دعا الإيرانيين الذين “يتوقون إلى الحرية إلى اغتنام هذه اللحظة” وأن يكونوا “شجعانا وجريئين وأبطالا وأن يستعيدوا بلادهم” مؤكدا أن “أمريكا معكم”. أكثر من ذلك، دعا الحرس الثوري الإيراني إلى إلقاء السلاح والاستسلام أو “الموت المحتم” واعدا إياهم بـ”حصانة كاملة” إن هم فعلوا، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، إلى حد الآن على الأقل.
ربما ذهب في ظن الأمريكيين والإسرائيليين أن القضاء على المرشد وكبار مساعديه منذ اليوم الأول سيصيب القيادة الإيرانية في مقتل لكن ذلك لم يحصل. ولم يكن ترامب وحده في إظهار أمانيه بسقوط النظام فقد شاركه فيها وزير خارجيته روبيو ونائبه فانس الذي قالها صراحة بأن واشنطن “تود أن يتولى السلطة في إيران شخص مستعد للعمل معنا”.
بالتأكيد هناك قطاع واسع من الإيرانيين يريدون نظاما سياسيا آخر لبلادهم، يفسح المجال أمام الحريات ويركّز على رفاه مواطنيه وعلى اقتصاد حر ومجتمع منفتح على العالم ومتصالح معه دون أوهام إيديولوجية، ومن هؤلاء من وصل حد التظاهر في مناسبات مختلفة في الشارع وسقط منهم الآلاف لكنه من الصعب جدا، كما يقول العارفون بالشعب الإيراني وتاريخه، إن لم يكن من المستحيل، أن تجد من بينهم من يمكن أن يبرز كحليف لعدوان على بلده، لم يتورع حتى عن قتل زهاء مائتي تلميذة في مدرستهن، فالكبرياء القومي والوطني يحولان دون ذلك.
حاول ترامب أن يوحي بقرب ظهور قيادة جديدة، بل وقال إنها ترغب في الحديث معه، ولكن لم يلحظ أي كان أي مؤشر في هذا الاتجاه، لا كانشقاقات عسكرية ولا سياسية. العكس هو الذي حدث فقد سارع علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والرجل القوي في هذه المرحلة، رغم وجود قيادة ثلاثية حلت محلّ المرشد بعد اغتياله، إلى النفي القاطع أن هناك من يسعى إلى الاتصال أو التفاوض مع الأمريكيين، معتبرا أن ترامب يجر المنطقة برمتها إلى “أحلام واهية” وأنه حوّل شعاره “أمريكا أولا” إلى “إسرائيل أولا”.
لا شك أن مقتل خامنئي وعدد كبير من قادة البلاد قد أثار مشاعر متباينة بين الإيرانيين ارتباطا بموقع قطاعات واسعة منهم بين مناصر للنظام ومعارض، لكن الأبرز بعد كل ذلك هو عدم ظهور أي اسم أو جهة راغبة، أو قادرة، على أن تتقدّم الصفوف وتعلن نفسها قيادة جديدة للبلاد. قد يدل هذا على قوة القبضة الحديدية للنظام ولكنه يدل أيضا على صعوبة أن تنبري قيادة تكون ثمرة لعدوان أمريكي إسرائيلي. وكما قال فؤاد إزادي البروفيسور في جامعة طهران “إذا لم تكن الأجيال الشابة في البلاد فاهمة لسبب كره آبائهم وأجدادهم لأمريكا فها هي اليوم باتت تفهم ذلك جيدا”.
كاتب وإعلامي تونسي




