كسّارات لطحن جثامين «الخطّ الأصفر» | مفقودو غزّة: جريمة بلا عقاب

كسّارات لطحن جثامين «الخطّ الأصفر» | مفقودو غزّة: جريمة بلا عقاب
في ظلّ استمرار تداعيات الحرب، لا يزال مصير 11200 مفقود في قطاع غزة مجهولاً، بينهم من دُفنوا تحت الأنقاض، ومن غيبهم الاحتلال قسراً، فيما تنتظر عائلاتهم بلا إجابات، وسط مطالبات بآلية دولية للكشف عن مصيرهم ووقف طمس الأدلة.
غزة | تحفظ أم جلال البرش، حتى اليوم، اللحظة التي استفاقت فيها من غفوة قصيرة، ولم تجِد طفلها المُصاب بالتوحّد في خيمتها القريبة من “الخط الأصفر” في منطقة الصفطاوي شمالي قطاع غزة. حتى الآن، مضت 90 يوماً على ذلك المساء، انقلب فيها حال العائلة التي كانت قد خسرت في حرب الإبادة الإسرائيلية كلّ شيء: المنزل والاستقرار، وظفرت بسلامة الأطفال. تقول الأم: “كنّا نقول إنو كلّ الخسارات هينة، ما دام الأولاد والعائلة بخير. والمال معوّض، حتى جاء ذلك اليوم، ولم تعُد للحياة قيمة”.
جلال، ابن الستّ سنوات، خرج من الخيمة التي تسكنها العائلة قبل ثلاثة أشهر، وفُقد أثره منذ ذلك الحين. أمضى والده، أحمد، أياماً طويلة هائماً في الشوارع والمناطق الخطيرة بحثاً عنه، من دون نتيجة. تضيف والدته في حديثها إلى “الأخبار”: “لم نعِش لحظة هناء واحدة منذ فقدناه. بحثنا أنا ووالده عنه بالقرب من الخطّ الأصفر. ونام والده أياماً على الشاطئ، أملاً في أن يجده. ولمّا عجز، ذهب إلى أخطر منطقة في شمال القطاع، وهي منطقة تُدعى القرم، بالقرب من الخطّ الأصفر. وهناك أخبرنا أحد السكان، بأنه شاهده يَعبر الخطّ إلى مناطق تواجد جيش الاحتلال، وأنه حاول أن يمسك به، لكنه لم يستطع الوصول إليه، لأنه كان في منطقة خطيرة جداً”. أمّا الوالد فيشير إلى أنه “منذ حصلنا على تلك المعلومة، ناشدنا المؤسسات الدولية التحرّك والقيام بدورها، والتواصل مع الاحتلال للحصول على معلومات حول مصير الطفل: هل قُتل أم أكلته الكلاب الضالّة؟ هل مات جوعاً أم أطلقوا عليه الرصاص وأردوه قتيلاً؟ لكن من دون فائدة. جيش الاحتلال يرفض التعاون في حلّ المئات من قضايا المفقودين والمُغيّبين قسراً”.
على أن جلال البرش ليس إلا واحداً من نحو 11200 مفقود، لا يوجد أيّ خبر عنهم منذ ثلاث سنوات، ويعيش ذووهم حيرة المصير، ما بين الأسر أو الاستشهاد. يقول محمد صالحة، وهو منسّق “شبكة المنظّمات الأهلية” في القطاع، لـ”الأخبار”: “نطلق وصف مفقود على ثلاث فئات: الشهداء الذين لم يُعثر على جثامينهم بعد، سواء بقيت تحت أنقاض البيوت، أو تشظّت إلى أشلاء، أو نهشتها الكلاب الضالّة، ولم تُحرَّر لهم شهادات وفاة، ولم يُدرجوا في سجلّات وزارة الصحة؛ والأسرى الذي اختطفهم جيش الاحتلال من منازلهم، ولم يعترف بوجودهم في سجونه، مع وجود شهود على لحظة اعتقالهم؛ والمفقودون الذين لم تُعرف ظروف اختفائهم”.
الاحتلال يطحن جثامين الشهداء مع الركام المسروق من غزة
ووفقاً لصالحة، فإنه تمّ توثيق 5000 حالة اختفاء وتغييب قسري بشكل رسمي، غير أن جيش الاحتلال لا يقدّم أيّ إجابات بشأنها، ولا يقبل التعاون مع المؤسسات الدولية في خصوصها. وعلى خلفية ذلك، عقد أهالي المفقودين والمُغيّبين قسراً، بالشراكة مع مؤسّسات المجتمع المدني، وقفة احتجاجية أمام مقرّ “الصليب الأحمر” في غزة. وفي خلال هذه الوقفة، قال الدكتور عيد صباح بينما كان يحمل صورة نجله محمد الذي فُقد أثره خلال عملية “مركبات جدعون1″ في مخيم جباليا شمالي القطاع، لـ”الأخبار”: “وجدنا متعلّقات محمد، ملابسه وهاتفه الشخصي وبعض أغراضه، لكننا لم نجِد جثمانه. سألت كلّ من نجا وخرج من حصار المخيم وشمال القطاع، عنه، ولم يؤكد لي أحد أنه قُتل. نحن كعائلة نتمسّك بـ1% من الأمل بأنه حيّ يرزق، وأن نرى اسمه يوماً في سجلّات الأسرى في سجون الاحتلال. فأن يكون حياً يعني أن هناك فرصة للقائه مجدّداً، وإن طالت السنون. نحن هنا اليوم نبحث عن إجابة حتى نستريح من حيرة المصير”.
وبحسب المتحدث باسم “شبكة المنظمات الأهلية”، فإن “حق عائلات المفقودين في معرفة مصير أبنائها ليس منّة من أحد، وليس ورقة تفاوض، وليس ملفاً يمكن استخدامه سياسياً. إنه حق إنساني وقانوني أصيل، حيث لا يتعامل القانون الدولي الإنساني مع المفقودين باعتبارهم أرقاماً، بل يفرض على أطراف النزاع واجبات تتعلّق بالبحث عن المفقودين، وتسجيل الوفيات، وحماية رفات الموتى، وتوفير المعلومات التي تمكّن العائلات من معرفة مصير أحبائها، غير أن إسرائيل لا تقيم أيّ وزن واعتبار للقانون الدولي الإنساني”. ويتابع صالحة أن “السؤال الذي نوجّهه اليوم إلى المجتمع الدولي، ليس كم عدد المفقودين؟ بل ماذا ستفعلون لمعرفة مصيرهم؟ نريد آلية واضحة، ومستقلّة، وشفافة، وذات صلاحيات حقيقية”.
من جهتهم، طالب المشاركون في الفعالية، “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، بتعزيز دورها في البحث عن المفقودين، ومتابعة حالاتهم، ودعم العائلات في الوصول إلى المعلومات عنهم، وإطلاق برنامج دولي عاجل لدعم قدرات الطب الشرعي، والتعرّف إلى الجثامين في قطاع غزة، بما في ذلك المختبرات والمعدّات والخبرات. كما طالبوها بضمان توثيق جميع حالات المفقودين والمحتجزين والمجهولي المصير، وعدم السماح بأن تختفي أسماؤهم من السجلّات مع مرور الوقت.
على أن الأخطر ممّا تقدّم، هو سعي الاحتلال إلى طمس آثار هذا الملف برمّته، وذلك عبر ممارسات إجرامية يقوم بها في مناطق “الخطّ الأصفر” التي تمثّل ما نسبته 70% من مساحة القطاع، إذ يشير صالحة إلى أنه “منذ أشهر، يقوم الاحتلال بسرقة ركام المنازل المقصوفة والمُدمّرة، مع ما تحتها من رفات وجثامين الشهداء. وتدخل كميات الركام تلك في كسارات ومطاحن ضخمة، تطحن مع الإسمنت والحديد، ما تبقّى من عظام الشهداء ورفاتهم، ويعاد تدويرها في صناعة الحجارة ومواد البناء، وهي عملية منظّمة، يسعى الاحتلال من خلالها لطمس جرائمه وإخفاء الآثار المادية لجرائم القتل الجماعي”.




