ثقافة وفنون

لا تلوموه

لا تلوموه
محمود الجاف

لا تلوموه ..
فربما أنتم تنظرون إلى جسدٍ ما زال يتحرك، بينما رحلت منه أشياء كثيرة لا تُرى.

فليس كل من يمشي قد بقي حيا من الداخل، ولا كل من يتحدث حاضرًا، ولا كل عينٍ تنظر ترى. هناك أجساد تؤدي واجب البقاء فقط؛ تتنفس، وتأكل، وتمضي في الطرقات، لكنها فقدت ذلك الجزء الخفي الذي كان يمنح الأشياء معناها. وربما لم يبقَ فيه إلا قلبٌ اعتاد النبض، ورئتان لا تعرفان سوى التنفس، وعينان تحفظان الطريق . أما الإنسان الذي كان يسكن هذا الجسد، فقد يكون ما يزال واقفًا عند لحظةٍ لم تنتهِ، أو عند ذكرى لم يستطع تجاوزها، أو عند انكسار لم يلتئم رغم مرور السنين.

ماذا لو أن الذي أمامكم فقد وجهًا كان يضيء أيامه؟

أو انطفأ صوت كان إذا سمعه شعر أن العالم ما زال صالحًا للحياة؟
ماذا لو رحل ابنٌ كان قطعةً من روحه، أو زوجة كانت نصف عمره، أو حبيب كان يجعل عالمه أقل قسوة؟

بعض الفقد لا يترك جرحًا على الجسد، لكنه يترك فراغًا تعجز السنوات كلها عن ملئه.

لذلك.
لا تتعجلوا الحكم على أحد.
فأنتم لا تعرفون كم جنازةً حملها في داخله، وهو ما يزال يمشي بينكم.

ولا تنظروا إلى صمته على أنه قسوة؛ فقد يكون الصمت آخر ما بقي له. ولا تفسروا بروده بأنه غيابٌ للمشاعر؛ فلعلّه استنزفها كلها في معارك لم يشهدها أو يسمع عنها أحد.

لا يغركم أنه يقف على قدميه؛ فبعض الناس لا يمشون لأنهم أقوياء، بل لأن السقوط أصبح رفاهيةً لا يملكون وقتًا لها.

هناك من يحمل ألمًا واحدًا، وهناك من يحمل أعمارًا كاملة من الآلام.

فإذا رأيتم إنسانًا قد تغيّر، فلا تسألوا فقط:
ماذا فعل؟
اسألوا أيضًا:
ماذا فقد؟

فربما أننم لا تقفون أمام شخصٍ بلا قلب .
بل أمام قلبٍ أنهكه النزيف حتى تعلّم أن يخفي وجعه بدل أن يشتكيه.
فالإنسان لا يموت دائمًا حين يتوقف قلبه .
أحيانًا يموت يوم يفقد آخر سبب كان يجعله يرغب في الحياة.09:47 ص ‎27/‎07/‎26

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب