لبنان على مفترق الطرق: بين ضغوط التسوية واستحقاقات السيادة

لبنان على مفترق الطرق: بين ضغوط التسوية واستحقاقات السيادة
بقلم:رئيس التحرير
في ظل تصاعد المؤشرات حول ضغوط أميركية على بنيامين نتنياهو للدفع نحو وقف إطلاق النار في الجبهة اللبنانية، يجد لبنان نفسه أمام لحظة سياسية مفصلية تعيد طرح أسئلة السيادة والقرار الوطني. فالمشهد لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى رسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، وما قد تحمله من ترتيبات سياسية وأمنية ذات تداعيات عميقة على الداخل اللبناني.
ووفق المعطيات المتداولة تشير إلى تقاطع مصالح دولية وإقليمية لاحتواء التصعيد، في مقدمتها الولايات المتحدة، إلى جانب دور فاعل لـ إيران في إدارة إيقاع المواجهة. إلا أن جوهر الأزمة لا يكمن في وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل في طبيعة الشروط التي قد تُفرض على لبنان في سياق أي تسوية.
تاريخ لبنان الحديث يقدم شواهد واضحة على مخاطر الاتفاقات غير المتوازنة، كما في اتفاق 17 أيار 1983، الذي سقط بفعل افتقاره إلى الإجماع الوطني وتوازن القوى، أو في تداعيات اتفاق 14 أيار 1976، التي أعادت تشكيل المشهد اللبناني لعقود.
هذه التجارب تؤكد أن أي تسوية تُفرض من الخارج دون سند داخلي، تبقى عرضة للانهيار، وتتحول إلى مصدر أزمات لاحقة.
وفي سياق البحث عن نماذج في إدارة الأزمات، تبرز تجربة الرئيس الأسبق إميل لحود، الذي شكّل في مراحل معينة عنواناً لمقاربة تقوم على رفض الإملاءات الخارجية، والتمسك بهامش القرار الوطني.
سواء في موقفه من الضغوط السياسية لنزع سلاح المقاومة، أو في تعامله مع الطروحات الدولية خلال عدوان 2006، الذي تزامن مع تحركات دبلوماسية قادتها كونداليزا رايس، فإن الثابت في تلك المرحلة كان السعي للحفاظ على تماسك الموقف الداخلي، ورفض تقديم تنازلات تحت ضغط الحرب.
وبغض النظر عن التباينات في تقييم تلك المرحلة، فإنها تطرح مسألة جوهرية: قدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل في لحظات الأزمات.
ان التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم يتمثل في هشاشة الجبهة الداخلية. فالانقسام السياسي الحاد حول قضايا سيادية، وفي مقدمتها سلاح المقاومة، يضعف القدرة على التفاوض ويمنح الأطراف الخارجية هامشاً أوسع لفرض شروطها.
لقد أظهرت تجربة حرب لبنان 2006 أن الحد الأدنى من التماسك الداخلي كان عاملاً حاسماً في الصمود، فيما تشير المعطيات الحالية إلى واقع أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
كما أن الانخراط في مفاوضات تحت الضغط العسكري يحمل مخاطر جدية، إذ غالباً ما تُستخدم طاولات التفاوض لفرض وقائع ميدانية، لا لمعالجتها. من هنا، تبرز أهمية الفصل بين مسار وقف إطلاق النار ومسار التفاوض السياسي.
وفي ظل التحولات الإقليمية، لا يمكن للبنان أن يواجه التحديات الراهنة بمعزل عن محيطه العربي. فإعادة تفعيل دور جامعة الدول العربية، واستحضار مبادرة السلام العربية، يشكلان مدخلاً لتأمين غطاء سياسي يحول دون فرض حلول متجزأة.
كما أن التنسيق العربي يمكن أن يسهم في إعادة التوازن إلى الموقف اللبناني، ويمنحه هامشاً أوسع في مواجهة الضغوط الدولية.
إن أي مسار واقعي للخروج من الأزمة يجب أن ينطلق من مجموعة من المحددات:– وقف فوري لإطلاق النار دون شروط مسبقة، عبر وساطات متعددة الأطراف.تشكيل وفد لبناني موحد لإدارة مفاوضات غير مباشرة، بما يعكس توازنات الداخل. والتمسك بانسحاب إسرائيلي كامل من المناطق المتنازع عليها، ووقف الخروقات. وتحييد القضايا الخلافية الداخلية عن مسار التفاوض، للحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية. وضرورة تفعيل الحضور العربي كرافعة سياسية داعمة للموقف اللبناني.
وخلاصة القول ؟؟؟ يقف لبنان اليوم أمام اختبار جديد يعيد طرح معادلة السيادة في مواجهة الضغوط. وبين خيار الانخراط في تسويات مفروضة، وخيار التمسك بالقرار الوطني، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
التجارب السابقة تؤكد أن الرهان على الخارج دون تحصين الداخل يؤدي إلى مزيد من الأزمات، فيما يبقى التماسك الوطني والقرار السيادي الركيزة الأساسية لأي استقرار مستدام.
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لا يحتاج لبنان إلى حلول سريعة بقدر ما يحتاج إلى رؤية استراتيجية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.




