مالكوم إكس… أيقونة العنف الثوري

مالكوم إكس… أيقونة العنف الثوري
يشهد الغرب والولايات المتحدة خصوصاً صعوداً لسلطة اليمين «الأبيض». وفي ذكرى مئوية المناضل مالكوم اكس (1925 ــ 1965)، تتبدّى ضرورة استعادة سيرته التي طمست طويلاً، والإضاءة على ذلك «المناضل الإستراتيجي لكرامة السود » كما وصفه المثقف التونسي صدري خياري.
الطفل «الزنجي»
وُلد الحاج مالك الشباز المعروف بمالكوم اكس في مدينة أوماها في الولايات المتحدة الأميركية. كان والده من أتباع ماركوس غارفي الذي أنشأ جمعية في نيويورك ونادى بصفاء الجنس الأسود وعودته إلى أرض أجداده في أفريقيا.
أما أمه، فكانت من جزر الهند الغربية، لكن لم تكن لها لهجة الزنوج، وضعته وعمرها ثمانية وعشرون عاماً. كانت العنصرية في ذروتها حينذاك في الولايات المتحدة، وكان الزنجي الناجح في المدينة التي يعيشون فيها هو ماسح الأحذية أو البواب!
-

ناثي نغوباني
كان أبوه إيرل ليتل قسيساً معمدانياً وناشطاً سياسياً في أكبر منظمة للسود آنذاك وهي «الرابطة العالمية لتنمية الزنوج وعصبة المجتمعات الأفريقية». كانت حياة عائلة مالكوم سلسلة من النكبات: شهد الأب مقتل أربعة من إخوته الستة على يد العنصريين البيض، وتعرّض لمضايقات وتهديدات من قبل العنصريين البيض بسبب نشاطه السياسي، فرحل إلى مدينة لانسنغ في ولاية ميشيغان في عام 1928.
اعتبر أنّ حركة الحقوق المدنية الأميركية جزء من النضال العالمي ضد الاستعمار
بعد مرور أشهر، أحرقت منظمة «كوكلوكس كلان» العنصرية منزل العائلة، فرحلت العائلة من جديد إلى ضواحي مدينة لانسنغ. وفي عام 1931 قُتل والد مالكوم بصورة وحشية على يد العنصريين البيض. لكنّ السلطات ادعت أنه مات دهساً، فقامت أمه بتربية أطفالها الثمانية من دون مورد للرزق، ولا سيما أنّ السلطات حجبت عنها كل الإعانات أو الحقوق المالية. وفي عام 1939 أصيبت أمه بانهيار عصبي ودخلت مصحّة للأمراض العقلية.
حياة من التسكع والسرقة
التحق مالكوم بالمدرسة وهو في الخامسة من عمره. كانت تبعد عن مدينته ثمانية أميال، كان هو وعائلته «الزنوج» الوحيدين في المدينة. لذا، كان البيض يطلقون عليه تسمية الزنجي أو الأسود، حتى خُيّل له بأن هذه الصفات جزء من هويته. يقول مالكوم: «لقد تعلمت باكراً أن الحق لا يعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يحدث الضجيج حتى يحصل على ما يريد».
عاش مالكوم ، فطُرد من المدرسة وهو في السادسة عشرة من العمر وأودع سجن الأحداث. أكمل تعليمه الثانوي وهو في السجن. في تلك المدة، كان شاباً يافعاً قوي البنية، وكانت نظرات البيض المعجبة بقوته تشعره بأنه حيوان لا شعور له ولا إدراك.
كان بعض البيض يعاملونه معاملةً حسنة، غير أن ذلك لم يكن كافياً للقضاء على الغضب المعتمل في نفسه. يقول إنّ «حسن المعاملة لا يعني شيئاً ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليّ كما ينظر إلى نفسه. وعندما تتوغل في أعماق نفسه، تجد أنه ما يزال مقتنعاً بأنه أفضل مني».
-

في أحد مساجد القاهرة بعد رحلة الحج إلى مكة عام 1964
كان مالكوم إكس ذكياً تفوّق على جميع أقرانه، فشعر أساتذته بالخوف منه، ما حدا بهم إلى تحطيمه نفسياً ومعنوياً والسخرية منه. فقد تخرج من الثانوية بتفوق وحصل على أعلى الدرجات بين زملائه وكان يطمح أن يصبح محامياً. إلا أنّ أحد المدرّسين الذي كانت تربطه به علاقة احترام وتقدير متبادل، نبّهه بأنّ حلمه بالذهاب إلى كلية الحقوق بعيد كل البعد عن الواقع لأنّه «زنجي». يومها، نصحه بأن يصبح نجّاراً. كانت كلمات الأستاذ قاسيةً على وجدان الشاب لأن الأستاذ شجّع جميع الطلاب على ما تمنوه إلا صاحب اللون الأسود لأنه في نظره لم يكن مؤهلاً لما يريد، فكانت هذه هي نقطة التحول في حياته، فترك بعدها المدرسة وتنقل بين الأعمال المناسبة لـ «الزنوج».
السجن ثم «أمّة الإسلام»
في عام 1941، انتقل مالكوم إلى بوسطن في ولاية ماساشوسيتس حيث عمل في مسح الأحذية وغسل الصحون، ثم في سكّة الحديد، ودخل عالم الجريمة. ثم انتقل في عام 1943 إلى نيويورك للعمل في سكّة الحديد أيضاً، وفي بيع السندويشات لكنه فُصل من عمله بسبب تعاطيه الكحول والمخدرات.
عاد إلى بوسطن عام 1945، وفي السنة التالية اعتقل مرات عدة بتهمة حمل السلاح والسرقة. ومن ثمّ حكم عليه بالسجن عشر سنوات مع مجموعة من «الزنوج» لاقتناء السلاح، وهو يعدّ حكماً مشدّداً جداً، وكان سبب ذلك أنهم أشركوا فتاتين من البشرة البيضاء معهم وكانت هذه جريمة فادحة حينها.
أثناء وجوده في السجن، انضمّ مالكوم إلى «أمة الإسلام»، وهي طائفة صغيرة من المسلمين السود تتبنى أيديولوجية القومية السوداء، أي فكرة أنّ الأميركيين السود بحاجة إلى إنشاء دولتهم الخاصة المنفصلة تماماً عن البيض لضمان الحرية والعدالة والمساواة.
اسم جديد… ودعوة إلى العنف الثوري
بعدما أصبح مالكوم إكس رجلاً حراً، انتقل إلى ديترويت حيث تعاون مع زعيم «أمة الإسلام»، إيليجا محمد، لتعزيز انتشار الحركة بين الأميركيين السود على مستوى البلاد. وسمّى مالكوم ليتل نفسه بـ مالكوم X لأنّ حرف الـ X صار بديلاً من صفة زنجي أو عبد، وهو يدلّ على المجهول كما في الرياضيات… ذلك المجهول الذي محى أثره المستعمر الأوروبي.
تولى مالكوم إكس منصب المسؤول عن معبد رقم 7 في هارلم ومعبد رقم 11 في بوسطن، بينما أسس معابد جديدة في هارتفورد وفيلادلفيا. وفي عام 1960، أنشأ صحيفة وطنية باسم «محمد يتحدث» لتعزيز رسالة «أمة الإسلام» على نطاق أوسع.
ببلاغته وشغفه وكاريزماه الخطابية الملهمة، حثّ مالكوم إكس السود على التخلص من قيود العنصرية «بأي وسيلة ضرورية»، بما في ذلك العنف. إذ قال: «لا ثورة سلمية. لا يوجد ثورة تدير الخدّ الأيسر. لا يوجد شيء اسمه ثورة غير عنيفة».
شكّلت مقترحاته الجذرية التي تدعو إلى ثورة عنيفة بغية إقامة دولة سوداء مستقلة إلى انضمام كثيرين إلى حركته. كذلك، كان له منتقدون شرسون. وبفضل جهود مالكوم إكس بشكل أساسي، زاد عدد أعضاء «أمة الإسلام» من 400 عضو عند إطلاق سراحه عام 1952، إلى 40,000 بحلول عام 1960.
في مطلع ستينيات القرن العشرين، برز مالكوم إكس كأحد الأصوات الرئيسية لتيار متشدّد داخل حركة الحقوق المدنية، مقدماً رؤية بديلة جذرية لرؤية مارتن لوثر كينغ الابن الداعية إلى مجتمع متكامل عرقياً عبر وسائل سلمية.
كان لوثر كينغ ينتقد أساليب مالكوم إلا أنّه تجنب مهاجمته مباشرة. رغم وعي كل منهما بالآخر وعملهما نحو الهدف ذاته، التقى الزعيمان مرةً واحدة فقط، ولوقت وجيز في مبنى الكابيتول خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ حول مشروع قانون لمكافحة التمييز.
التحوّل إلى الإسلام السني السائد
في عام 1963، أصيب مالكوم بخيبة تجاه معلّمه اليجاه محمد، فقد اكتشف أنّ لهذا الرجل أولاداً من «علاقات غير شرعية» وأنّه يخالف تعاليم الإسلام، فقرّر الانفصال عنه جذرياً، وترك «أمة الاسلام» بعد اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي في عام 1964.
وفي العام ذاته، انطلق مالكوم إكس في رحلة مطوّلة عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أصبحت منعطفاً سياسياً وروحياً في حياته. فقد أدرك أنّ حركة الحقوق المدنية الأميركية هي جزء من النضال العالمي ضد الاستعمار، متبنّياً الأفكار الاشتراكية والقومية الأفريقية. أدّى مناسك الحج في مكة. وخلال هذه الرحلة، اعتنق الإسلام السني التقليدي وغيّر اسمه مرة أخرى إلى الحاجّ مالك الشباز.
-

لا ثورة سلمية. لا ثورة تدير الخدّ الأيسر. لا شيء اسمه ثورة غير عنيفة (م.ا)
بعد تجربته الروحية في مكة، عاد إكس إلى الولايات المتحدة أكثر تفاؤلاً بإمكانية حلّ المشكلة العرقية سلمياً. وقال: «لقد أثّر فيّ الإخاء الحقيقي الذي رأيته، وأدركت أنّ الغضب يمكن أن يعمي الرؤية. أميركا هي بلدي الأوّل ويمكنها أن تشهد ثورة بلا دماء».
هذا التحوّل الجذري في فكره جعله يتقارب مع بعض مبادئ مارتن لوثر كينغ، رغم احتفاظه بنقده اللاذع للعنصرية الهيكلية في أميركا. لكن مسيرته الجديدة قُطعت قصيراً باغتياله في شباط (فبراير) 1965، تاركاً إرثاً من التطور الفكري الذي ما يزال يؤثر في حركات العدالة الاجتماعية حتى اليوم.
ظل مالكوم إكس حتى اغتياله عام 1965 يمثل الصوت الأكثر راديكاليةً في النضال من أجل الحقوق المدنية. دعا إلى حق الدفاع عن النفس للسود وانتقد بشدة ما وصفه «خداع البيض الليبراليين»، في حين واصل كينغ التركيز على المقاومة السلمية والتشريعات الفيدرالية كوسائل للتغيير. هذا الانقسام في المنهجية يعكس التنوع الإستراتيجي داخل حركة الحقوق المدنية الأميركية خلال حقبة الستينيات الحاسمة.
لموقف من الكيان الصهيوني الفاشي
قال مالكوم إكس في مقالة إنه في «حال كان الصهاينة الإسرائيليون، يعتقدون أنّ احتلالهم الحالي لفلسطين العربية هو تحقيق لتنبؤات أنبيائهم اليهود، فإنهم يعتقدون أنّ إسرائيل يجب أن تحقق مهمتها الإلهية بحكم جميع الأمم الأخرى بعصا من حديد، وهو ما يعني فقط شكلاً مختلفاً من الحكم الحديدي، وأكثر رسوخاً حتى من حكم القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة».
وأضاف أنّ «الصهاينة الإسرائيليين مقتنعون بأنهم نجحوا في تمويه نوعهم الجديد من الاستعمار. ويبدو أنّ استعمارهم أكثر خبثاً، وهو نظام يحكمون به ببساطة عن طريق جعل ضحاياهم المحتملين، يقبلون عروضهم الودية من المساعدات الاقتصادية وغيرها من الهدايا المغرية التي يعلقونها أمام أعينهم».
وذكر أنّ «السلاح الأول لإمبريالية القرن العشرين هو الدولرة الصهيونية، وإحدى القواعد الأساسية لهذا السلاح هي إسرائيل الصهيونية. لقد وضع الإمبرياليون الأوروبيون المتآمرون إسرائيل بحكمة، حيث يمكنها تقسيم العالم العربي جغرافياً، والتسلل وزرع بذور الشقاق بين القادة الأفارقة، وكذلك فصل الأفارقة عن الآسيويين».
وأشار إلى أنّ «الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي لفلسطين العربية، أجبر العالم العربي على إهدار مليارات الدولارات الثمينة على التسلّح، ما يجعل من المستحيل على هذه الدول العربية المستقلة حديثاً التركيز على تعزيز اقتصادات بلدانها، ورفع مستوى معيشة شعوبها ».
وشدّد على أنّ «الإمبرياليين يجعلون أنفسهم دائماً يبدون بمظهر جيد، لكن ذلك فقط لأنهم يتنافسون ضد البلدان المستقلة حديثاً والمشلولة اقتصادياً، وقد أصيبت اقتصاداتها بالشلل بالفعل بسبب المؤامرة الصهيونية الرأسمالية».






