فلسطين

متحف طولكرم الوطني… ذاكرة وطن تحفظ التاريخ وتصون الهوية الفلسطينية

صرح حضاري يروي تعاقب الحضارات على أرض فلسطين... والراحل خالد الهمشري أحد أبرز رواد تأسيسه

متحف طولكرم الوطني… ذاكرة وطن تحفظ التاريخ وتصون الهوية الفلسطينية

صرح حضاري يروي تعاقب الحضارات على أرض فلسطين… والراحل خالد الهمشري أحد أبرز رواد تأسيسه

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
في قلب البلدة القديمة بمدينة طولكرم، يقف متحف طولكرم الوطني شامخاً كشاهد حي على تاريخ مدينة عريقة، وكمؤسسة وطنية تحمل رسالة تتجاوز حفظ الآثار إلى صون الذاكرة الفلسطينية وحماية الهوية الوطنية. فالمتحف ليس مجرد قاعات تعرض مقتنيات أثرية، بل هو سجل حضاري يوثق مسيرة الإنسان الفلسطيني عبر آلاف السنين، ويجسد عمق انتمائه لأرضه في مواجهة محاولات الطمس والتزييف التي استهدفت التاريخ والرواية الفلسطينية.
لا يتوفر وصف للصورة.
يقع المتحف في مبنى تاريخي شُيد عام 1908 في أواخر العهد العثماني ليكون مقراً لدائرة البرق والبريد في قضاء بني صعب، وظل يؤدي وظائف إدارية متعددة خلال مراحل تاريخية متعاقبة، إذ استخدم في فترة الانتداب البريطاني، ثم أصبح مقراً للقائم مقام في العهد الأردني، كما احتضن عيادات طبية ومدرسة للبنات، قبل أن تستملكه السلطة الوطنية الفلسطينية عقب قيامها، ليخضع لأعمال ترميم وتأهيل انتهت بافتتاحه متحفاً وطنياً عام 1996، ثم شهد عملية تطوير شاملة عام 2009.
ويعد المتحف اليوم المتحف المركزي للآثار في شمال الضفة الغربية، ويتبع وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، ويستقبل الباحثين والوفود الأكاديمية وطلبة المدارس والجامعات والزوار من مختلف المحافظات، ليؤدي دوراً ثقافياً وتربوياً يتجاوز حدود العرض المتحفي التقليدي، نحو ترسيخ الوعي بالتاريخ الفلسطيني وتعزيز الانتماء الوطني.
لا يتوفر وصف للصورة.
ولا يمكن الحديث عن متحف طولكرم دون استحضار اسم الراحل خالد الهمشري، الذي ارتبط اسمه بولادة هذا المشروع الوطني، وكان من أوائل المؤمنين بضرورة إنشاء متحف يحفظ آثار المحافظة ووثائقها التاريخية. فقد كرّس سنوات طويلة لجمع المقتنيات الأثرية، وتوثيق المخطوطات والوثائق، والتواصل مع المؤسسات الرسمية والأهلية، وتشجيع المواطنين على الحفاظ على ما يمتلكونه من إرث تاريخي وتسليمه للمتحف، إدراكاً منه بأن حماية الآثار ليست عملاً ثقافياً فحسب، بل هي دفاع عن الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات التزوير والسرقة.
قد تكون صورة ‏نص‏
ويؤكد من عاصروا تلك المرحلة أن الراحل خالد الهمشري تعامل مع المتحف باعتباره مشروعاً وطنياً ورسالة للأجيال، فكان حاضراً في كل تفاصيل تأسيسه، وأسهم بجهد استثنائي في تحويل فكرة المتحف إلى مؤسسة ثقافية راسخة أصبحت اليوم إحدى أهم معالم مدينة طولكرم.
ويحتضن المتحف أكثر من 750 قطعة أثرية وتراثية تمثل مختلف العصور التي مرت على فلسطين، بدءاً من العصور الحجرية والكنعانية والبرونزية والحديدية، مروراً بالعصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية، وصولاً إلى مرحلة ما قبل نكبة عام 1948. كما يضم مجموعات نادرة من العملات التاريخية، والمخطوطات، والوثائق العثمانية، والأدوات الزراعية التقليدية، والأزياء الشعبية، والجرار الفخارية، ونحو مائتي سراج روماني وبيزنطي وفارسي، إضافة إلى لقى حجرية ضخمة ومعاصر زيتون رومانية معروضة في حديقة المتحف.
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏‎Poltical life េ្ 1918. 1936, British troops Tulkarm area, and since various forms months revolution mpacted During popular alestinian pndor ්ට alrani M orected Juriediction dor growins ฏูอพท์กฏ truco Tulkarm leading hecoast, District withdra cilizens. both new policy Ieituati situatior и remaine ined developing ofTulkarm aimed mH accompar gradualiy rehabilitating‎‏'‏
ومن بين أبرز مقتنيات المتحف أجزاء من طائرة بريطانية أسقطها الثوار الفلسطينيون خلال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، إلى جانب أقدم حصادة زراعية في فلسطين، ووثائق عثمانية نادرة عُثر عليها أثناء ترميم المبنى، كانت مخبأة داخل سقفه منذ نهاية الحكم العثماني، لتشكل شاهداً تاريخياً فريداً على أهمية هذا الصرح.
ولم يسلم المتحف من الاعتداءات الإسرائيلية، إذ تعرض خلال اجتياح مدينة طولكرم عام 2002 لأضرار جسيمة نتيجة القصف، غير أن نقل المقتنيات الأثرية إلى أماكن آمنة قبل الاجتياح حال دون ضياع إرث حضاري لا يقدر بثمن. وبعد سنوات أُعيد تأهيل المبنى واستئناف رسالته الثقافية والوطنية.
طائرة بلعا شاهدة على الثورة الفلسطينية وصامدة في متحف طولكرم ...
واليوم، وفي ظل ما تتعرض له المدن الفلسطينية من استهداف لمعالمها التاريخية والثقافية، تزداد أهمية متحف طولكرم بوصفه أحد أهم الحصون التي تحمي الذاكرة الوطنية، إذ يقدم للأجيال الشابة شواهد مادية تؤكد عمق الوجود الفلسطيني واستمرار حضارته عبر آلاف السنين، بعيداً عن محاولات الاحتلال طمس الحقائق أو تزوير التاريخ.
إن الحفاظ على متحف طولكرم وتطويره لم يعد مسؤولية وزارة السياحة والآثار وحدها، بل أصبح واجباً وطنياً وثقافياً ومجتمعياً، يستدعي توفير الدعم اللازم لتوسيع مقتنياته، ورقمنة وثائقه، وتطوير برامجه التعليمية والبحثية، وتعزيز حضوره على المستويين العربي والدولي باعتباره أحد أبرز معالم التراث الفلسطيني.
 متحف طولكرم.. شاهد على الحقب والحضارات والاحتلال المتعاقب على المنطقة
كما أن الوفاء لتاريخ هذا الصرح يقتضي توثيق جهود رجالاته الأوائل، وفي مقدمتهم الراحل خالد الهمشري، الذي سيظل اسمه مرتبطاً بميلاد متحف طولكرم، بعدما آمن بأن حماية قطعة أثرية أو وثيقة تاريخية تعادل حماية صفحة من تاريخ فلسطين، وأن الحفاظ على الذاكرة الوطنية هو أحد أشكال المقاومة الثقافية في مواجهة محاولات الاقتلاع والتزييف.
ويبقى متحف طولكرم الوطني أكثر من مبنى أثري؛ إنه ذاكرة مدينة، وسجل وطن، ومنارة ثقافية تؤكد أن فلسطين، رغم ما تعرضت له من احتلال وتدمير، ما زالت تحتفظ بشواهد حضارتها، وأن أبناءها سيواصلون حماية تاريخهم وتراثهم باعتبارهما جزءاً أصيلاً من معركة الدفاع عن الهوية والحق والرواية الوطنية
لا يتوفر وصف للصورة.لا يتوفر وصف للصورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب