مقالات

محمد شحرور والتجديد في قراءة النص القرآني: العقل في مواجهة الموروث..

محمد شحرور والتجديد في قراءة النص القرآني: العقل
في مواجهة الموروث..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لم يكن مشروع الدكتور محمد شحرور مجرد محاولة لإعادة
تفسير بعض الآيات أو مراجعة عدد من الأحكام الفقهية، بل
كان، في جوهره، محاولة لإعادة النظر في الطريقة التي
نقرأ بها النص القرآني، وفي العلاقة التي تشكلت عبر
قرون بين القرآن والتراث والعقل.

فقد انطلق شحرور من سؤال بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه
شديد العمق في نتائجه: هل ما وصل إلينا من فهم ديني
يمثل بالضرورة المعنى الذي أراده النص القرآني، أم أن
جزءًا كبيرًا منه هو نتاج بشري ارتبط بظروف تاريخية
وثقافية محددة؟
من هنا بدأ مشروعه الفكري، الذي أثار جدلًا واسعًا في
العالم العربي والإسلامي، لأنه لم يكتفِ بمراجعة بعض
النتائج التي انتهى إليها الفقه التقليدي، وإنما حاول مراجعة
الأدوات والمفاهيم التي أدّت إلى تلك النتائج.
القرآن أولًا… أم الموروث أولًا؟:
تقوم المدرسة الدينية التقليدية على منظومة معرفية واسعة
تشكلت عبر قرون، وتشمل علوم التفسير والحديث والفقه
وأصوله وغيرها. وقد راكم العلماء من خلالها تراثًا ضخمًا
في فهم النصوص واستنباط الأحكام.
غير أن شحرور دعا إلى التمييز بين النص الإلهي وبين
الفهم البشري للنص. فالقرآن، في نظره، شيء، وما أنتجه
الفقهاء والمفسرون حوله شيء آخر. الأول نص مقدس،
أما الثاني فهو اجتهاد إنساني، مهما بلغت قيمته العلمية
والتاريخية.

وهنا تبرز إحدى أهم نقاط الاختلاف بين مشروعه
والمدرسة التقليدية: فالموروث بالنسبة إلى شحرور ليس
سلطة نهائية تحول دون إعادة القراءة، وإنما مادة تاريخية
يمكن دراستها ونقدها والاستفادة منها، دون أن تصبح
حجابًا بين الإنسان والنص القرآني.
العقل ليس خصمًا للنص:
من أبرز سمات مشروع شحرور إصراره على دور العقل
في فهم القرآن. فهو لا يرى أن استعمال العقل يمثل خروجًا
عن الدين، بل يعتبر أن القرآن نفسه يخاطب الإنسان
بوصفه كائنًا عاقلًا قادرًا على التفكير والتدبر.
ولهذا حاول أن يقدم قراءة تعتمد على اللغة والسياق
والترابط الداخلي للنص، بدل الاكتفاء بتكرار ما استقر في
كتب التفسير والفقه.
وقد أدى هذا المنهج إلى نتائج بدت صادمة بالنسبة إلى
كثير من القراء والباحثين، لأنها أعادت طرح قضايا
اعتُبرت لقرون من المسلمات، وفتحت الباب أمام السؤال
حول مدى إمكانية استمرار بعض القراءات القديمة في
عصر تغيرت فيه المعرفة والمجتمع والعلاقات الإنسانية
بصورة عميقة.
بين القرآن والسنة والتراث:

من أكثر القضايا حساسية في مشروع شحرور موقفه من
السنة ومن مصادر التشريع.
فالمدرسة التقليدية تمنح السنة النبوية مكانة مركزية في
فهم الدين واستنباط الأحكام، وترى أن القرآن لا يُفهم
بصورة مكتملة بمعزل عن السنة.
أما شحرور فقد حاول إعادة ترتيب العلاقة بين القرآن
والسنة، والتمييز بين ما يرتبط بالرسالة والتشريع وما
يرتبط بالممارسة التاريخية للنبي بوصفه إنسانًا وقائدًا
ومجتمعًا في زمان معين.
وهذا التمييز كان من أبرز أسباب الجدل حول مشروعه؛ إذ
رأى منتقدوه أنه يضعف مكانة السنة في المنظومة الدينية،
بينما رأى شحرور أن المطلوب هو عدم الخلط بين النص
القرآني وبين كل ما نُسب إلى التراث الديني من فهم وتأويل
وتشريع.
من الأحكام الجامدة إلى مفهوم الحدود:
ربما كان مفهوم الحدود من أكثر الأفكار التي اشتهر بها
شحرور.
ففي القراءة الفقهية التقليدية، تبدو بعض الأحكام وكأنها
صيغ نهائية ثابتة لا مجال كبيرًا لإعادة النظر فيها.

أما شحرور فطرح تصورًا مختلفًا، يقوم على وجود حدود
تشريعية دنيا وعليا في بعض المجالات، مع ترك مساحة
للاجتهاد الإنساني داخل هذه الحدود، بحسب الظروف
والمصلحة وتطور المجتمع.
وهذا التصور يفتح، في نظره، إمكانية التعامل مع القرآن
باعتباره نصًا قادرًا على مواكبة المجتمعات المختلفة عبر
الأزمنة، بدل تحويل اجتهادات تاريخية إلى قواعد أبدية لا
تتغير.
المرأة والأسرة… اختبار حقيقي للقراءة الجديدة:
تظهر أهمية الاختلاف بين شحرور والمدرسة التقليدية
بوضوح أكبر في القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة.
فالكثير من الأحكام المتداولة في الوعي الديني المعاصر
تستند إلى تراكم فقهي طويل تشكل في مجتمعات كانت
تختلف جذريًا عن المجتمعات الحديثة من حيث بنية الأسرة،
والعمل، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية.
وقد حاول شحرور إعادة قراءة هذه القضايا انطلاقًا من
النص القرآني نفسه، معتبرًا أن بعض ما يُقدَّم باعتباره
حكمًا إلهيًا قطعيًا قد يكون في الحقيقة اجتهادًا فقهيًا
تاريخيًا.

ومن هنا جاءت دعوته إلى الفصل بين ما يقوله القرآن
بالفعل، وما قاله الفقهاء في تفسير القرآن.
هل كان شحرور يهدم التراث؟:
هذا السؤال يطرح كثيرًا عند الحديث عن مشروعه.
والأدق أن شحرور لم يكن يدعو إلى محو التراث أو
تجاهله، بقدر ما كان يرفض أن يتحول التراث إلى مرجعية
مغلقة تمنع إعادة التفكير.
فالتراث، في هذا المنظور، جزء من التاريخ الفكري للأمة،
ويمكن الاستفادة منه وفهمه ونقده، لكنه ليس نصًا مقدسًا.
وهنا يكمن الفارق الجوهري: قداسة القرآن لا تعني قداسة
كل ما كُتب حول القرآن.
إنها فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل نتائج فكرية
كبيرة؛ لأنها تضع الإنسان أمام مسؤولية العودة إلى النص،
بدل الاكتفاء بتلقي فهم سابق له.
مشروع أثار الجدل… ولم يحظَ بالإجماع:
لا يمكن تقديم فكر شحرور باعتباره حقيقة دينية متفقًا
عليها. فقد تعرض مشروعه لانتقادات قوية من علماء
وباحثين، خصوصًا بسبب منهجه اللغوي والتأويلي، وبسبب

عدد من النتائج التي توصل إليها في مسائل العقيدة
والتشريع والحديث والفقه.
ويرى منتقدوه أن تجاوز المناهج التقليدية قد يؤدي إلى
قراءة فردية للنص تفتقر إلى الضوابط العلمية المتراكمة في
علوم القرآن والحديث وأصول الفقه.
في المقابل، يرى أنصاره أن قيمة شحرور لا تكمن في أن
جميع نتائجه صحيحة بالضرورة، وإنما في أنه جرؤ على
طرح الأسئلة التي كان من الصعب طرحها داخل المنظومة
التقليدية، ودعا إلى إعادة فتح باب الاجتهاد والتفكير في
العلاقة بين النص والواقع.
وبين الموقفين، تبقى الحاجة إلى قراءة مشروعه بعيدًا عن
التقديس والرفض المطلق.
المعركة الحقيقية: النص أم القراءة؟:
ربما يكون من الخطأ اختزال الخلاف بين شحرور وخصومه
في قضية السنة أو الحدود أو المرأة أو غيرها من القضايا
الجزئية.
فالخلاف الأعمق يتعلق بالسؤال عن مصدر السلطة في فهم
الدين.
هل السلطة النهائية في النص نفسه، أم في التفسيرات التي
تراكمت حوله؟.

وهل يستطيع الإنسان المعاصر أن يعيد قراءة القرآن
بأدوات عصره، أم أن عليه أن يلتزم بالضرورة بالقراءات
التي أنتجتها عصور سابقة؟.
لا يعني فتح هذا السؤال رفض التراث، كما لا يعني احترام
التراث إغلاق باب الاجتهاد.
فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة
مقدسة، وعندما يصبح نقد الموروث وكأنه نقد للدين نفسه.
في النهاية… شحرور والسؤال الذي لم يغلقه:
قد يختلف الناس حول محمد شحرور، وقد يرفض البعض
كثيرًا من أطروحاته، وقد يرى آخرون أنه قدم مساهمة
جريئة في الفكر الديني المعاصر.
لكن المؤكد أن مشروعه وضع قضية أساسية على طاولة
النقاش: كيف نعيد قراءة النص القرآني في عصر تغيرت
فيه المعرفة والعلوم والمجتمعات، من دون أن نفقد صلة
الإنسان بالنص؟.
لقد حاول شحرور أن ينقل النقاش من سؤال: ماذا قال
السابقون؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يقول النص نفسه،
وكيف نفهمه بعقل الإنسان المعاصر؟.

وربما هنا تكمن القيمة الأهم لمشروعه، حتى بالنسبة إلى
من يختلفون معه: أنه أعاد الاعتبار إلى السؤال، وإلى حق
العقل في البحث والمراجعة والنقد.
فالتراث يمكن أن يكون جسرًا إلى الماضي، لكنه لا ينبغي
أن يتحول إلى جدار يحجب المستقبل.
وبين قداسة النص وبشرية القراءة، يبقى الاجتهاد مفتوحًا،
ويبقى القرآن أمام الإنسان سؤالًا لا ينتهي، ما دام العقل
قادرًا على التدبر، وما دامت الحياة مستمرة في طرح أسئلة
جديدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب