عربي دولي

أول نشرة بيانات للنفط السوري: لا إجابات شافية

أول نشرة بيانات للنفط السوري: لا إجابات شافية

أثارت أول نشرة رسمية عن أداء قطاع النفط السوري خلال النصف الأول من العام الحالي تساؤلات واسعة، بعد ظهور فروقات في أرقام الإنتاج والتكرير والاستهلاك والمستوردات، فتحت الباب أمام أسئلة عن دقة البيانات الرسمية وأسباب اختناقات توزيع المشتقات النفطية.

دمشق | لا يزال قطاع النفط السوري، في بعض جوانبه، أسير حال من الغموض وغياب الشفافية. إذ بقدر ما تضمّنته البيانات الأخيرة المنشورة عن أداء القطاع خلال النصف الأول من العام الحالي، من أرقام ومعلومات، فهي أثارت، في المقابل، مزيداً من التساؤلات والمخاوف، سواء حيال دقّة الأرقام المقدّمة، أو على مستوى أداء القطاع ككل، ولا سيما في ضوء اختناقات التوزيع التي شهدتها البلاد أخيراً.
ومن ثمّ، جاءت بيانات وزارة المالية المتعلّقة بتتبّع تنفيذ الموازنة العامة للنصف الأول، وما حملته من توضيحات حيال مساهمة النفط في الإيرادات المتحقّقة وتوقيت توريدها، لتضاعف تلك التساؤلات، التي يبدو أن الحكومة الانتقالية ليست جاهزة للإجابة عنها بشفافية وموضوعية، خصوصاً أنها ستكون مضطرّة، والحال هذه، إلى إدانة أداء بعض مؤسّساتها. فهل تكمن المشكلة في ضعف عملية إنتاج البيانات وجمعها، أم في طريقة عرضها وتقديمها إلى الرأي العام؟

من الإنتاج إلى الاستيراد

حرصت وزارة الطاقة، في تقرير الأداء الموجز الذي أصدرته أخيراً، على تقديم بيانات كميّة يَصعُب معها على المتابع تقييم الأداء ومقارنته بسنوات سابقة، وتحديداً في بندَي تكرير النفط والمشتقات المطروحة للاستهلاك المحلي. ولذلك، يجدُر تفصيل هذه البيانات وتحليلها، بغية الوصول إلى رؤية أكثر موضوعية لأداء القطاع النفطي خلال المدة الماضية، والأهمّ تفسير أزمات التوزيع الأخيرة، من سوء مواصفات بعض المشتقّات المنتجة إلى عدم توافرها في محطات الوقود.
بحسب بيانات الوزارة المنشورة، بلغت كمية النفط المنتَجة، خلال الأشهر الستة الأولى، نحو 14.8 مليون برميل، أي بمتوسط يومي يقارب 82 ألف برميل. وهذا الرقم يقلّ بنحو 51 ألف برميل عن ذلك الذي أعلنه مدير «الشركة السورية للبترول» في نيسان الماضي، حين قال إن الإنتاج اليومي وصل، بعد استلام حقول النفط في المنطقة الشرقية، إلى نحو 133 ألف برميل، علماً أن مدير الشركة نفسه كان قد تحدّث، في شباط الماضي، عن وصول الإنتاج اليومي آنذاك إلى نحو 100 ألف برميل!

وتُظهر عملية احتساب المتوسط اليومي أيضاً، أن إنتاج الغاز الطبيعي النظيف بلغ، خلال المدة المذكورة، نحو 6.9 ملايين متر مكعب يومياً، بانخفاض واضح عن المتوسّط المسجّل في عام 2024. وهو ما يطرح تساؤلات عن الأسباب الحقيقية لهذا الانخفاض، ولا سيما بعد مرور عام ونصف العام على سقوط النظام السابق، وما تخلّل هذه المدة من تطورات إيجابية على صعيد رفع العقوبات الغربية، ودخول شركات عربية وأجنبية للاستثمار في قطاع الغاز، وعودة حقول النفط والغاز إلى سيطرة الحكومة الانتقالية، وما إلى ذلك.
أمّا في مجال الاستيراد، الذي بقيت البلاد مضطرّة إليه، فتكشف أرقام الوزارة، بعد تحويلها من الطن إلى وحدات القياس المتداولة لكلّ مادة، أن متوسط مستوردات سوريا اليومية من النفط الخام بلغ نحو 60 ألف برميل، ومن المازوت نحو 3.7 ملايين ليتر، ومن البنزين نحو 2.09 مليون ليتر، ومن الفيول نحو 177 طناً. كذلك، بلغت مستوردات الغاز الطبيعي نحو 5.6 ملايين متر مكعب يومياً، والغاز المنزلي أكثر من ألف طن، أي ما يعادل 100 ألف أسطوانة سعة 10 كيلوغرامات.
غير أن الوزارة لم تذكر قيمة هذه المستوردات، كما هو متعارف عليه، سواءً بشكل إجمالي أو لكلّ مادة على حدة، كما لم تحدّد مصادرها، ولا سيما مستوردات الغاز الطبيعي.

مصيبة بيانات التكرير

على أن الجانب الأكثر إثارة للغموض والجدل، يتعلّق ببيانات تكرير النفط الخام. إذ اكتفت الوزارة بذكر رقمَين فقط: كمية النفط الخام المكرّر، والبالغة نحو مليونَي طن، وكمية المشتقات النفطية الناتجة من عمليات التكرير تلك، والمقدّرة بنحو 1.97 مليون طن. وبلغة وحدة القياس الأكثر تداولاً للنفط، أي «البرميل»، يبلغ متوسط كمّيات الخام المكرَّرة يومياً، استناداً إلى بيانات الوزارة، نحو 80 ألف برميل. وهذا الرقم يقلّ بنحو 62 ألف برميل عن مجموع متوسّط الإنتاج المحلّي اليومي ومتوسّط الخام المستورد يومياً. فأين ذهب الفارق؟ وهل يعود إلى خطأ في إعداد البيانات وجمعها في مراحلها المختلفة، أم أن ثمة تفسيراً آخر؟
بعض المعنيين في القطاع النفطي، ممّن تحدّثت إليهم «الأخبار»، رجّحوا أن تكون بيانات التكرير الواردة في مؤشرات وزارة الطاقة مقتصرة على الكميات التي استقبلتها مصفاتا «حمص» و«بانياس»، فيما ذهب جزء من بقية النفط الخام إلى التخزين، وخُصّص جزء آخر، غير معلن، للحراقات التي لا تزال تعمل في مناطق الشمال. ويستند هؤلاء إلى ما أُثير أخيراً عن وجود رواسب بكميات كبيرة في بعض شحنات البنزين الموزّعة على محطات الوقود، والتي تبيّن أنها كميات جرى تكريرها في الحراقات. وهنا، يبرز سؤالان: ما كمية النفط الخام التي تحصل عليها هذه الحراقات؟ ولماذا لا تزال تعمل ما دامت الطاقة الإنتاجية للمصفاتَين المذكورتَين تتجاوز 220 ألف برميل يومياً؟
أبعد من ذلك؛ ففي الوقت الذي تشير فيه البيانات الرسمية إلى أن كمية المشتقات النفطية المطروحة للاستهلاك بلغت نحو 3.5 مليون طن خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، تخلص عملية جمع الكميات المستوردة من المشتقات مع نظيرتها المكرَّرة محلياً، إلى إجمالي يبلغ نحو 3.079 ملايين طن. ويعني ذلك أن ثمّة فارقاً قدره نحو 421 ألف طن بين ما قيل إنه طُرح للاستهلاك، وبين مجموع المستورد والمنتج محلياً. فهل يُفهم من ما تقدّم، أن الوزارة طرحت تلك الكمية من المخزون الاحتياطي لتلبية احتياجات الاستهلاك؟ وإذا كان الأمر كما ذُكر، فهل جرى ترميم هذا المخزون مع اقتراب فصل الشتاء؟

يتعلّق الجانب الأكثر إثارة للغموض والجدل ببيانات تكرير النفط الخام

أمّا المشتقات النفطية الناتجة من عمليات التكرير، فقد ذكرتها الوزارة في رقم إجمالي وحيد يبلغ 1.97 مليون طن، من دون تقديم أيّ تفاصيل عن تركيبة هذا الإنتاج. لكن، بالاستناد إلى بيانات سابقة لعمل مصفاتَي حمص وبانياس، يمكن تقدير كمية المشتقات المنتَجة بحسب كلّ مادة، وتحديداً المواد الرئيسة منها. إذ وفقاً لتقديرات أحد الخبراء، فإن كميات المازوت الناتجة يومياً من عمليات تكرير الكمية المذكورة من النفط الخام، تتجاوز 3.5 ملايين ليتر، فيما تبلغ كمية البنزين نحو 2.8 مليون ليتر، والفيول نحو 5.5 آلاف طن، والغاز المنزلي نحو 116 طناً، فضلاً عن منتجات أخرى تدخل ضمن الإجمالي.
هكذا، وبناءً على أرقام الوزارة المتعلّقة بمستوردات البلاد من المشتقات النفطية الرئيسة، وتقديرات تركيبة المشتقات المكرَّرة محلياً، فإن متوسط ما هو مطروح تقديرياً في الأسواق المحلية يومياً من إجمالي مادة المازوت، يقدَّر وسطياً بنحو 7.2 مليون ليتر، ومن مادة البنزين (بنوعَيه العادي والأوكتان) بنحو 4.8 مليون ليتر، ومن مادة الغاز المنزلي بنحو 120 ألف أسطوانة، ومن مادة الفيول بأكثر من 5.6 آلاف طن يومياً.

لكن ماذا تعني هذه الأرقام غير الرسمية؟ وهل تكفي لسدّ احتياجات السوق المحلية المتزايدة، لا سيما في ضوء التطورات التي شهدتها المدة الماضية وعزّزت الحاجة إلى المشتقات النفطية؟ أم أن سياسة توفير الحدّ الأدنى من احتياجات السوق لا تزال هي السائدة؟ بالمقارنة مع الكميات الرسمية المتاحة للاستهلاك في عام 2024، ثمّة زيادة ملحوظة حالياً في كميات المازوت والبنزين المطروحة للاستهلاك. إلا أن حجم هذه الزيادة يبقى مثاراً للجدل والنقاش، خصوصاً في ضوء الحديث الرسمي عن زيادة المساحات المزروعة، وعودة الكثير من المعامل والورش إلى الإنتاج، فضلاً عن دخول عشرات آلاف السيارات الحديثة والمستعملة إلى البلاد خلال الأشهر الماضية، وغير ذلك.
تعقيباً على ما سبق، يعتقد بعض الاقتصاديين، في حديثهم إلى «الأخبار»، أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار تبدّل معطيات استهلاك المادّتَين بين مدة النظام السابق والمدة الحالية. وفي مقدّمة تلك المعطيات المتغيّرة، تحرير أسعار جميع المشتقات النفطية، وإلغاء الدعم الحكومي عنها، وما أسفر عنه ذلك من انخفاض «إجباري» أو طوعي في كميات الاستهلاك، إضافة إلى توقف عمل الكثير من منشآت القطاع العام الصناعي وشركاته، وغير ما تقدّم.
ومع هذا، لا مفرّ من السؤال التالي: هل الكميات المطروحة حالياً تحقّق فعلاً توازناً مقبولاً بين العرض والطلب في بلد يقال إن اقتصاده يتعافى، ومعدل نموّ ناتجه المحلي قد يصل، بنهاية هذا العام، إلى 11%؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب