مراجعة إسرائيلية للتقديرات العسكرية وحدود القرار الأميركي

مراجعة إسرائيلية للتقديرات العسكرية وحدود القرار الأميركي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتزايد المؤشرات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية على وجود فجوة بين الأهداف المعلنة للحرب والواقع الميداني الذي أفرزته تطوراتها. فرغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب “شارفت على نهايتها” وقد تنتهي قريباً، إلا أن المعطيات العسكرية والسياسية تشير إلى حالة من الضبابية بشأن توقيت انتهاء العمليات وشروط وقفها.
هذا التباين لم يعد يقتصر على التقديرات الخارجية، بل بدأ يظهر في التحليلات الصادرة عن الإعلام الإسرائيلي نفسه. فقد نشرت صحيفة يديعوت احرونوت تحليلاً للمحلل الأمني الإسرائيلي روتين بريغمان أشار فيه إلى أن إسرائيل لم تقدّر بدقة حجم القدرات الإيرانية قبل اندلاع الحرب، وأن مسار العمليات بدأ يأخذ طابع “التوحّل”، في ظل غياب أهداف واضحة يمكن قياس النجاح العسكري على أساسها.
وتعكس هذه التقديرات وجود خلل في الحسابات الاستراتيجية التي سبقت الحرب، إذ ساد الاعتقاد في بعض الأوساط الإسرائيلية والأميركية أن الضربات العسكرية الواسعة قد تؤدي إلى اهتزاز الوضع الداخلي في إيران أو إلى إضعاف سريع للنظام السياسي. غير أن التطورات الميدانية أظهرت خلاف ذلك، حيث لم تشهد العاصمة طهران اضطرابات واسعة كما كان متوقعاً، بل أظهر النظام الإيراني قدرة على الحفاظ على تماسك مؤسساته وإدارة شؤون الدولة في ظل ظروف الحرب.
كما كشفت التطورات عن مفاجآت ميدانية لم تكن ضمن الحسابات الإسرائيلية المسبقة، من بينها حجم الانخراط غير المباشر لقوى إقليمية في الصراع، وفي مقدمتها حزب الله الأمر الذي أسهم في توسيع دائرة التوتر الإقليمي ورفع مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة.
ومن القضايا التي ما زالت تمثل عقدة أساسية في مسار الحرب مسألة البرنامج النووي الإيراني. فوفق تقديرات إسرائيلية، ما زال هناك مخزون من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة يقارب 440 كيلوغراماً، يُعتقد أنه مخزّن في منشآت نووية محصنة، من بينها منشأة أصفهان في مدينة أصفهان وتشير هذه التقديرات إلى أن تدمير هذه المواد عبر القصف الجوي ليس أمراً سهلاً، إذ يتطلب إجراءات تقنية معقدة، وهو ما يعني أن أحد الأهداف الأساسية للحرب، والمتمثل في تعطيل البرنامج النووي الإيراني بصورة حاسمة، لم يتحقق حتى الآن.
وتشير التحليلات الإسرائيلية أيضاً إلى إشكالية أخرى تتعلق بتبدل أهداف الحرب مع مرور الوقت. ففي حين كان التركيز في البداية على الملف النووي الإيراني، جرى لاحقاً إبراز تدمير أجزاء كبيرة من الأسطول البحري الإيراني باعتباره إنجازاً رئيسياً للحرب، رغم أن هذا الهدف لم يكن مطروحاً ضمن أولويات العمليات العسكرية في بدايتها.
ويعكس هذا التحول، وفق تقديرات بعض المراقبين في إسرائيل، محاولة إبراز إنجازات عسكرية جزئية في إطار خطاب سياسي يهدف إلى تقديم صورة عن تحقيق تقدم ميداني، في وقت ما تزال فيه الأهداف الاستراتيجية الكبرى للحرب محل نقاش.
وفي السياق ذاته، تكشف هذه التقديرات عن تحول ملحوظ في طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة خلال إدارة الحرب. فبينما لعب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دوراً مهماً في الدفع نحو خيار المواجهة العسكرية، تشير المعطيات الحالية إلى أن القرار المتعلق بإنهاء الحرب وتحديد شروط وقفها بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بالقرار السياسي في واشنطن.
وتعكس هذه المعادلة واقعاً جديداً في إدارة الصراع، حيث يبدو أن الدور الإسرائيلي في تحديد مآلات الحرب أصبح أكثر محدودية مقارنة بدور الولايات المتحدة، وهو ما يعكس طبيعة التوازنات داخل التحالف بين الطرفين.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو الحرب أمام مرحلة معقدة من الاستنزاف السياسي والعسكري، في ظل غياب حسم واضح لأهدافها الأساسية، سواء ما يتعلق بتقييد القدرات النووية الإيرانية أو إحداث تغيير جوهري في بنية النظام السياسي في إيران.
إن القراءة المتأنية لهذه المعطيات تشير إلى أن الحروب التي تُبنى على تقديرات غير دقيقة أو أهداف غير محددة قد تتحول مع مرور الوقت إلى صراعات مفتوحة يصعب التحكم بمسارها. وفي حالة الصراع مع إيران، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والإقليمية، في مشهد يعكس تعقيد البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط واحتمالات استمرار التوتر فيه لفترة غير قصيرة.




