تحقيقات وتقارير

مراجع غيث عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الليبي سابقاً: تعديل سعر الصرف قرار متسرع وجاء في وقت غير مناسب

مراجع غيث عضو مجلس إدارة المصرف المركزي الليبي سابقاً: تعديل سعر الصرف قرار متسرع وجاء في وقت غير مناسب

حاورته: نسرين سليمان

تزامناً مع الجمود السياسي الذي تمر به ليبيا منذ فترة، أثار قرار تعديل سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية قلقاً واسعاً وجدد المخاوف من انعكاس الأزمة السياسية التي تعاني منها الدولة الليبية على الاقتصاد الوطني والمستوى المعيشي للمواطن الذي يعيش في دولة منتجة ومصدرة للنفط الخام.
وتصاعد هذا القلق بعد إزاحة مصرف ليبيا المركزي الستار عن تفاصيل الإنفاق الحكومي من قبل السلطات في المنطقة الشرقية والغربية، والذي أدى إلى تصعيد أزمة الدين العام المتراكم من سنوات إثر الانقسامات التي مرت بها ليبيا منذ اندلاع ثورة السابع عشر من شباط/فبراير.
المخاوف صاعدت المطالبات المحلية والدولية، بإصلاحات عاجلة وسريعة تشمل توحيد الميزانية والإنفاق والمضي نحو توحيد المؤسسات في البلاد وترشيد الإنفاق والاستغناء عن أي مصاريف غير ضرورية خاصة مع المبلغ الهائل الذي يصرف من ميزانية الدولة لصالح المرتبات التي صدرت قرارات عدة لزيادتها خلال السنوات القليلة الماضية من دون رقابة فعلية على المستهدفين وأحقيتهم وممارستهم للأعمال المنوطة بهم من عدمه.
وفي الوقت الذي تصدر فيه الوضع الاقتصادي المحادثات في الأوساط المحلية خلال هذا الأسبوع اختارت «القدس العربي» أن تحاور عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، ووكيل وزارة المالية سابقاً مراجع غيث والذي تولى على مدار سنوات مناصب عدة في المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالدولة، وفي ما يأتي نص الحوار.
○ بالحديث عن آخر المستجدات والموضوع الأبرز الذي يشغل الأوساط المحلية حاليا وهو قرار تعديل سعر الصرف، ما تقييمكم للقرار؟
• أعتقد أن قرار تعديل سعر الصرف جاء في وقت غير مناسب، وقد يكون القرار متسرعا ولم يتم اتخاذه في الوقت المناسب. تعديل سعر الصرف أمر طبيعي، ولكن يجب أن تؤخذ كل الاعتبارات في الحسبان، حيث أن مصرف ليبيا المركزي قرر قبل أشهر تخفيض قيمة الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي من 25 في المئة إلى 17 في المئة وهذا أعطى انطباعاً لدى المراقبين والمواطن أيضاً بأن الوضع الاقتصادي للدولة جيد بل وممتاز، وبالتالي تم اتخاذ هذا القرار. والسؤال الآن هو ما المستجد الذي حدث خلال ثلاثة أشهر فقط ليتم اتخاذ قرار كهذا؟ وأنا أشك أن التعديل هو إعادة للضريبة أو تراجع عن قرار تخفيضها بشكل آخر.
○ هل تعتقدون أن الأسباب التي دفعت لاتخاذ القرار كانت مقنعة وموضوعية من الناحية النقدية والاقتصادية؟
• الأسباب التي دفعت لاتخاذ القرار كانت بالنسبة لي غير مقنعة، والمذكرة التي نشرها محافظ مصرف ليبيا المركزي تركزت في معظمها على أمور لا تخص المصرف بل تخص الحكومات، والتي تتعلق بالنفقات والإيرادات، فالحكومة هي من عليها تخفيض نفقاتها ومن الواجب عليها أيضا البحث عن إيراداتها الكثيرة غير المحصلة.
ما يجري الآن هو أن الحكومة تبحث عن إيرادات، والقرار يجعل الأمر سهلا، فتخفيض سعر الصرف يسمح بتوفير وزيادة أموال في يد الحكومة، وبالتالي فالأسباب غير مقنعة على الإطلاق، ولم أقتنع بشكل شخصي بهذه الأسباب.
○ هل جاء القرار استجابة لمتغيرات موضوعية في السوق، أم أنه نتيجة ضغوط سياسية أو مالية؟
• لا توجد أي أسباب موضوعية أو تغيرات في السوق أدت إلى اتخاذ مثل هذا القرار بتخفيض قيمة الدينار الليبي، وأعتقد أن السبب ناتج عن ضغوط سياسية، وبالحديث عن الضغوط المالية فالمشكلة والأزمة هي أزمة الحكومة، والمصرف المركزي كان بإمكانه أن يصرح بأنه سيوفر العملة الصعبة على قدر ما يصله من إيرادات نفط من العملة الصعبة، وأتساءل لماذا ينجر المصرف وراء الحكومة أو السوق الموازي وطرحه للعملة، وما علاقته بها، والمنطق والقانون يقولان إن السوق الموازية في ليبيا مجرمة قانوناً وتشريعاً، وتعتبر جريمة سواءً في قانون الجرائم الاقتصادية أو في قانون المصارف نفسه.
○ برأيكم، هل كان من الممكن تفادي اللجوء إلى تخفيض سعر الصرف لو تم اتباع سياسات معينة في وقت سابق؟
• بكل تأكيد كان من الممكن تفادي الوصول لخطوة تخفيض قيمة الدينار الليبي أو تغيير سعر الصرف، وذلك بإجراء بسيط وهو الجلوس مع الحكومات أو مع حكومة مجلس النواب لدراسة تخفيض النفقات، فالمصرف بالقانون يعد مستشاراً للحكومة أو مستشاراً اقتصادياً، وعليه أن يبدي آراءً للحكومة بما يتوافق مع السياسات الاقتصادية، وبالتالي فنعم وبكل تأكيد كان من الممكن تفادي هذه الخطوة بتخفيض الإنفاق إلى حد الدرجة التي من الممكن المحافظة بها على سعر الصرف، وتحصيل الإيرادات الضائعة سواء ضرائب أو جمارك وتعديل سياسة التحصيل بحد ذاتها، وبالتالي كان من الممكن النظر في كل هذه الإجراءات قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بتغيير سعر الصرف.
○ ما هي أبرز الأخطاء التي وقع فيها المصرف أو الحكومة وأدت بنا إلى هذه المرحلة؟
• الأخطاء ليست أخطاء مجلس الإدارة الحالي للمصرف ولا يمكن أن نظلمه بهذا الحديث، الأخطاء ناتجة عن الإدارة القديمة وبدأت الأزمة منذ سنة 2014/2015، عندها تم إيقاف الاعتمادات عن السلع التي تمثل 65 في المئة من السيولة في السوق، عندها بدأت الأزمة وظهرت ما تسمى بالسوق السوداء إلى العلن، لأن التجار الذين يستوردون تلك السلع وهي السلع المعمرة ومواد البناء والأثاث توجهوا نحو السوق السوداء، ومن هنا ظهرت السوق السوداء وبكل قوة وما زالت قائمة حتى الآن.
الحكومة سلطة تنفيذية، ولكن في ليبيا توجد سلطتان تنفيذيتان ولن تكون أي إجراءات يقوم بها المصرف ذات تأثير كبير طالما لم تكن هناك حكومة واحدة تنفذ هذه الإجراءات وتنسجم معها.
○ كيف تقيمون إدارة النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية؟
• إدارة النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية هي التي أدت إلى ظهور السوق السوداء أو الموازي، فبدأت من الاعتمادات فاتجه الناس نحو السوق السوداء، ثم بعد ذلك ظهرت بدعة ما يسمى بمنحة أرباب الأسر بالدولار، وهي ما جعلت المواطن يأخذ العملة من المصرف ليبيعها للمضاربين في السوق الموازية، وأصبح كل مواطن ليبي يدخل لحسابه 500 إلى ألف دولار ليبيعها للمضاربين، وكان الأجدر إن كان الغرض مساعدة المواطن الليبي أن تعطى للمواطن كدينارات والعملة الأجنبية تعطى للتجار مباشرة ليشتروا بها بضائع من خلال الاعتمادات، وبالتالي ستكون النتائج تجفيف منابع السوق السوداء وتوفير السلع عن طريق الاعتمادات.
○ في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط وارتفاع الإنفاق العام، هل نحن على أعتاب أزمة أكبر؟
• انخفاض أسعار النفط هو العامل الأول والمهم بالنسبة لنا ما لم يكن هناك ارتفاع في الإنتاج وهو أمر يحتاج لسنوات، وفيما يتعلق بانخفاض أسعار النفط، أتوقع أنه إذا انتهت الحرب الأوكرانية الروسية فسيعود النفط الروسي وهي دولة منتجة ضخمة، ثم بعد ذلك هناك أمر مهم وهو أن الولايات المتحدة وهي أكبر منتج وأكبر مستهلك للنفط قد فتحت الباب للشركات للتنقيب ولاستخراج النفط وبذلك فإن الإنتاج سيزيد، والقاعدة واضحة وتقول إذا زاد العرض انخفضت الأسعار، فبالتالي لا مجال أمامنا إلا الإصلاح المالي وترشيد الإنفاق والإ سنكون في أزمة فعلية.
○ ما السيناريو الأسوأ الذي يجب التحذير منه حالياً؟
• السيناريو الأسوأ هو عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها في ظل كبر حجم الباب الأول وهو المرتبات، ومن الممكن تخفيض الإنفاق إلى الحد الأدنى والضروري ومن الممكن أيضا مراجعة المرتبات هل هي مرتبات حقيقية أم لا، وكل هذا سيؤدي إلى تخفيض الإنفاق، ولو استطعنا أن نفعل ذلك فبالتأكيد فإننا قد لا نصل إلى أزمة كبرى ولكن سنصل لأزمة على الأقل.
○ ما طبيعة الإجراءات العاجلة التي ينبغي اتخاذها لتفادي الأزمة؟
• الإجراء المستعجل هو تشكيل حكومة واحدة حتى تستطيع أن تنفذ سياسة اقتصادية واحدة، وما لم تكن هناك حكومة واحدة فأعتقد أن أي سيناريوهات أو إجراءات سنتخذها ستبقى عاجزة. ولكن الإجراء العاجل الآن هو إعداد ميزانية واحدة والبحث عن الإيرادات، والإجراء الآخر هو ضمان أن تكون نفقات الباب الثاني في حدود ما يتم تحصيله من موارد محلية، أي لا تمول من إيرادات النفط، وأيضا دراسة استبدال الدعم وزيادة سعر الوقود وهذا أيضاً يتطلب حكومة واحدة.
○ يتردد أن تخفيض سعر صرف الدينار يساعد في تقليص الدين العام نظرياً، هل هذا صحيح؟
• تغيير سعر الصرف يؤدي إلى تقليص الدين العام، أي أن الحكومة ستتوفر لها أموال أكثر وبالتالي لن تستدين، ولكن في الجانب الآخر فإن تخفيض سعر الصرف سيؤدي إلى زيادة الأسعار على المواطن وسيزداد الضغط على الحكومة لزيادة المرتبات أي ما سيتم توفيره من زيادات من إيرادات النفط سيدفع كمرتبات وسنلجأ مجددا للاقتراض وبالتالي سيتحول إلى عجز في الميزانية.
○ ما هي السياسات المصاحبة المطلوبة لتفادي الآثار السلبية لهذا التخفيض على القدرة الشرائية للمواطن؟
• واحدة من أهم السياسات المصاحبة هي الرقابة على استخدام الأموال الصعبة، وأقصد الاستخدام وليس البيع، والسؤال هنا هل فعلا ما أعطي من اعتمادات في الفترة الماضية استخدم فعلياً لجلب بضائع للسوق، وهل الأسعار التي ذكرت في فواتير الاعتمادات هي أسعار حقيقية وما هي الشركات التي تم فتح اعتمادات لصالحها وما علاقتها بالمستورد؟ وهذا من ناحية المصرف والسياسة النقدية، ومن ناحية الحكومة فيجب ضبط مصاريف السفارات في الخارج والتي يصل إنفاقها إلى مليارات الدولارات ويجب تخفيضها وترشيد الإنفاق على مختلف المستويات وتقليص بعض البنود وإلغائها.
○ كيف تقيمون التباين بين السوق الرسمية والموازية حالياً بعد القرارات الأخيرة؟
• السوق الموازية في ليبيا سوق غير شرعية والقانون يحرمها ويجرمها، وبيع العملة الصعبة عبر قنوات غير رسمية جريمة في قوانين الجرائم الاقتصادية وقانون المصارف، وعلى المصرف المركزي أن لا يتبع السوق السوداء، وعلى المصرف المركزي أن يجفف منابع هذه السوق بشتى الطرق لأن هذه السوق بالإضافة لبيعها للعملة خارج الإطار الرسمي فإن من يشتري العملة لا يعرف أين يستخدمها ومن المعروف أن عملياتها غير مشروعة وغير شرعية وتبدأ من الإتجار في السلع والمخدرات والهجرة غير الشرعية والأعضاء البشرية وتجارة الآثار، وكل هذا يتطلب سوقا موازية لأنها أغراض من غير الممكن أن تعتمد على اعتماد صادر من المصرف المركزي، ولو كانت السوق فقط لاستيراد بضائع وسلع وسيارات فلن أكون ضدها لأن ضررها بسيط، ولكنها تشعبت الآن وأصبحت سوقا عالمية وبالتالي فهي تستنزف العملة الصعبة وبالتالي محاربتها وتجفيف منابعها هي الطريق الصحيح.
○ هل قرارات المصرف بشأن تنظيم شركات الصرافة فعالة فعلاً أم أنها شكلية؟
• بالنسبة لمكاتب الصرافة فإذا كانت هذه المكاتب تملك وسيلة للحصول على الدولار والإتجار ببيعه وأن تكون عليها رقابة شديدة في معاملاتها فهذا أمر جيد أما إذا كانت تعتمد فقط على المصرف المركزي في الحصول على الدولار فهي ليست إلا صورة أخرى للسوق الموازية ولا شك في ذلك.
○ ما هي برأيكم الشروط الأساسية لنجاح أي إصلاح نقدي حقيقي في ليبيا؟
• أي إصلاح نقدي يعتمد على السياسة النقدية وللأسف أدوات السياسة النقدية في ليبيا وأقصد الأدوات التقليدية لا تعمل، سعر الفائدة موقوف والسوق المفتوحة غير موجودة، وبالتالي فعن أي سياسة نقدية سنعتمد؟ لا نملك إلا سعر الصرف وهو لا يحسب ضمن السياسة النقدية، لذا لابد أن نلجأ إلى سياسة نقدية غير تقليدية تعتمد على التسيير الكمي للمشروعات المنتجة وتسهيلات كمية لهذه المشروعات وتحديد هذا التسيير لبعض المشروعات التي نرى أننا نحتاج إليها وتساهم في خلق وظائف بعيدة عن الحكومة.
○ هل تأثرت ثقة المواطن بالمصارف بعد هذه القرارات المتكررة؟ وما المطلوب لاستعادة الثقة؟
• ثقة المواطن بالمصارف تقاس بإيداع المواطن لأموال فيها بدلا من الاحتفاظ بها في منزله، وبالتالي فهي ثقة ما زالت منخفضة جدا بالمصارف والمصارف بدورها لم تحاول أن تحسن من خدماتها، ورغم ادخالها للخدمات الإلكترونية ولكن المواطن يشتكي من المعاملات وبالتالي لم تستطع أن تجذب المواطن للمصرف. والأمر المهم الآخر هو غياب الاتصال المباشر مع المواطن مثل الدعاية والإعلان والإعلان عن الخدمات وكيف تقدم وكيف تعطى وسهولة الإجراءات وكل هذه العوامل هي عوامل بناء ثقة بين المواطن والمصرف وهذه للأسف الشديد ضعيفة جدا والمطلوب هو ما ذكرناه، زيادة الاتصال بالمواطن وشرح أهمية التعامل مع المصارف وأهمية الخدمات التي تقدمها المصارف وسرعة إنجازها وعدم طلب الأوراق والمستندات غير اللازمة على الإطلاق وغير ذات الجدوى لما يحتاجه المواطن لفتح الحساب أو الحصول على بطاقة مصرفية، فتسهيل هذه الأمور هو ما سيؤدي بالمواطن إلى الوثوق بالمصارف مجدداً.
○ ما هو تقييمكم لجودة الخدمات المصرفية الإلكترونية اليوم؟ وهل تواكب التحديات الحقيقية في السوق؟
• الخدمات الإلكترونية متوسطة ومعقولة في المصارف الليبية ولكننا لم نواكب العالم الآخر في كيفية حصول المواطن عليها، أي أنها ما زالت غامضة أمام المواطن في كيفية الحصول عليها، وذلك ناتج عن ضعف في التواصل والإعلان والندوات وتقديم الحوافز للمواطنين في شكل هدايا أو نقاط يستفيد منها عند الشراء لجذبه لاستخدام الصيرفة الإلكترونية، أي أنها كخدمة موجودة وسريعة ولكن سياسة العمولات والنسب خاطئة، فيجب أن تؤخذ العمولة ثابتة عن كل معاملة لا أن تكون في صورة نسبة تختلف حسب القيمة المحولة، لأنها لا تختلف لدى المصرف في شيء فالمعاملة واحدة عند تحويل المئة دينار وعند تحويل الألف أيضاً، وبالتالي لماذا هذه العمولات التي يشتكي منها المواطنون؟ بالإضافة إلى أن بعض التجار فرضوا نسباً أو اختلافًا في أسعار البيع بين البيع نقداً أو بأي معاملة إلكترونية وهذا بالطبع غير صحيح حتى من الناحية الشرعية وهذا كله يعود لعدم الثقة بالمصارف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب