مصر: اقتراح لنجل هيكل حول مبادلة الديون بالأصول يشعل جدلًا… وعلاء مبارك يدخل على الخط

مصر: اقتراح لنجل هيكل حول مبادلة الديون بالأصول يشعل جدلًا… وعلاء مبارك يدخل على الخط
تامر هنداوي
القاهرة – : أثار مقترح رجل الأعمال حسن هيكل، ونجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، بإجراء مقايضة كبرى للديون مقابل أراض وأصول في شركات حتى قناة السويس، جدلًا واسعًا في مصر، وسط نفي حكومي.
ماسبيرو “صفر ديون”
وقال هيكل، في تدوينة له عبر موقع “إكس”، إن الدولة طبقت فكرة المقايضة الكبرى في عملية تسوية ديون التلفاز المصري ماسبيرو”، حيث صفرت الديون على ماسبيرو عن طريق مقايضة أصول (أراضٍ بشكل أساسي)، مع نقل الدين على ماسبيرو إلى بنك الاستثمار القومي.
وأضاف أن ماسبيرو، بعد تلك الاتفاقية، أصبح صفر ديون وقادرًا على الإنفاق على تطوير برامج ومحتوى، في حين استفاد بنك الاستثمار القومي، الذي كان صاحب الدين لدى ماسبيرو، بأخذ أصول بقيمة الدين، مما حصل على مستحقاته المتأخرة منذ سنوات.
وذكر بأن تسوية ديون ماسبيرو بهذا الشكل تعيد إحياء فكرة المقايضة الكبرى التي أثارها للتخلص من مديونية الدولة المحلية والسماح بالإنفاق على قطاع التعليم والصحة.
وبين هيكل أن تطبيق الفكرة على مستوى الدولة يعنى استبدال أطراف التسوية بما يتناسب مع حجم الدين العام، قائلًا: “من تسوية ديون ماسبيرو مع بنك الاستثمار القومي، تُحذف كلمة ماسبيرو وتوضع كلمة الدولة، ويُحذف بنك الاستثمار القومي ويوضع البنك المركزي، وتُحذف أراضٍ وتوضع ملكية الدولة في الشركات العامة أو حتى قناة السويس”.
وأكد أن “تصفير الدين العام المحلي يعزز قدرة الدولة”، موضحًا أن “الأهم هو تعزيز قدرتها على الإنفاق في دعم التأمين الطبي الشامل والتعليم، بما يجعل المواطن يشعر بجني ثمار الإصلاح الاقتصادي”.
يطرح هيكل إنشاء صندوق تُجمع فيه أصول الدولة، ثم مبادلة هذه الأصول بالديون المحلية لمصر بعد نقلها إلى البنك المركزي
وفي توضيح لاحق لطرحه بشأن الأصول التي يمكن استخدامها في المقايضة، قال هيكل إن العملية ممكن أن تتضمن ملكيات وزارة المالية في البنوك أو الشركات العامة.
وتابع: “فيما يتعلق بقناة السويس لن يتغير الأمر من الناحية السيادية، سواء الملكية لوزارة المالية أو البنك المركزي”.
كان هيكل قد عرض في يناير/ كانون الثاني الماضي فكرته المعروفة إعلاميًا باسم “المقايضة الكبرى”، وتقوم على إنشاء صندوق تُجمع فيه أصول الدولة، ثم مبادلة هذه الأصول بالديون المحلية لمصر بعد نقلها إلى البنك المركزي.
ووفقًا لآخر الإحصائيات الرسمية، ارتفع الدين المحلي المصري بنهاية يونيو/ حزيران 2025 بنسبة 3.5 % ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه، مقابل 10.685 تريليون جنيه خلال الربع الأول من العام نفسه، حسب البيانات المنشورة على موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي المصرية.
اتفاقية “ماسبيرو”
ووقعت الهيئة الوطنية للإعلام وبنك الاستثمار القومي اتفاقية لتسوية مديونية الهيئة البالغة نحو 88.3 مليار جنيه.
وحسب بيان نشرته صفحة رئاسة مجلس الوزراء على “فيسبوك”، جاءت الاتفاقية تنفيذًا لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنهاء وإغلاق ملف تسوية المديونيات والتشابكات المالية بين بنك الاستثمار القومي والجهات الوطنية.
وقعت الهيئة الوطنية للإعلام وبنك الاستثمار القومي اتفاقية لتسوية مديونية الهيئة البالغة نحو 88.3 مليار جنيه
ووفق مصادر، فإن التسوية تشمل 44 قطعة أرض في القاهرة وعدد من المحافظات، إلى جانب نحو 3 آلاف فدان في العاصمة الإدارية الجديدة ومنطقة الزعفرانة بمحافظة البحر الأحمر.
وستنتقل ملكية هذه الأصول إلى بنك الاستثمار القومي خلال الأيام المقبلة، في إطار تنفيذ اتفاقية تسوية المديونية.
وبلغ إجمالي مديونية الهيئة الوطنية للإعلام واتحاد الإذاعة والتلفزيون “ماسبيرو” لدى بنك الاستثمار القومي، حتى العام الجاري، نحو 88.3 مليار جنيه، شاملة فوائد الديون.
مخاطرة كبرى
وانتقد علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، مقترح هيكل.
وقال خلال تدوينة له عبر صفحته على منصة “إكس”، إن “الخبير الاقتصادي الذي تحدث عن المقايضة الكبرى يجهل أهمية قناة السويس كممر عالمي وشريان حيوي ورمز للسيادة الوطنية”.
وأضاف أن أي “اقتراح لرهن قناة السويس أو مقايضتها لتسوية ديون محلية يمثل مخاطرة كبرى تمس السيادة الوطنية والأمن القومي المصري”.
وبين أن “قناة السويس ليست مجرد أصل عادي يمكن التعامل معه كقطعة أرض أو شركة من الشركات من أجل تصفير دين محلي”، مؤكدًا أن قيمة هذا الممر الحيوي “تتجاوز أي ديون قائمة”.
وشدد على أنه لا يجوز إدخال قناة السويس في أي مقايضة أو رهن أو المساس بملكيتها أو ربطها بملف الديون حتى لو كان الطرف الآخر جهة محلية.
رأى مدحت الزاهد، رئيس حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” السابق، في المقترح، “هزيمة واستسلام وتبعية ومهانة مصر”
فيما اعتبر محمد عبد العزيز، عضو مجلس النواب السابق، “أكبر مشكلة عند حسن هيكل أنه لم يقرأ كتب أبيه محمد حسنين هيكل”، مضيفًا: “أنصحه بقراءة كتب والده الآتية: ملفات السويس، سنوات الغليان، الانفجار، أكتوبر السلاح والسياسة”.
وفيما رأى مدحت الزاهد، رئيس حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” السابق، في المقترح، “هزيمة واستسلام وتبعية ومهانة مصر”، كتب علاء الخيام، رئيس حزب “الدستور” السابق: “من يبيع مصدر دخله لسداد ديونه، ثم يكتشف أن الدين مؤقت والأصل دائم، لا يكون قد حل أزمته، بل باع مستقبله. تفكير العجزة تفكير الفاشلين. لقد ابتليت مصر بمثل هذا المسؤول”.
أما الباحث عمار علي حسن، فعلق: “إلا قناة السويس، فبعدها الأهرامات، ما يقال عن مبادلة القناة بالديون المحلية كلام سخيف ومخيف، لكنه يكشف كم انحدروا بنا إلى هاوية”.
“تخاريف”
في حين، كتب الصحافي المصري محمد حماد، على صفحته على “فيسبوك” تحت عنوان “الصمت جريمة وعار”: “الذين يُحجمون اليوم عن نقد ورفض تخاريف حسن هيكل، سيجنون غدًا الخزي والعار، حين ينتقل ما يستخدم فيه حسن هيكل الآن لجسّ نبض قوة الرفض إلى منطقة التنفيذ”.
وأضاف: “ليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها حسن مثل هذه التخاريف، ولا يُعقل أن يكون كل هذا الصمت مجرد حياد أو حكمة أو انتظار لما ستؤول إليه الأمور، من يتردد اليوم في رفض هذا العبث وإدانته، قد يجد نفسه غدًا شريكًا في تمريره؛ ومن يظن أن الصمت يُجنّبه المسؤولية، سيكتشف متأخرًا أن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس موقفًا محايدًا، وإنما تواطؤ بالعجز أو خوفٌ من دفع ثمن الرفض”.
وزاد: “إما أن نترك حسن يختبر، مرة بعد أخرى، حدود الرفض الشعبي، ثم نستيقظ بعد انتقال الفكرة إلى حيز التنفيذ لنتبادل عبارات الدهشة والندم، فذلك هو الخزي بعينه، مرة أخرى الله يرحمك يا هيكل”.
أيضًا، تساءل الخبير الاقتصادي زهدي الشامي: “هل حسن هيكل وحده أم هناك من يقفون خلفه؟”.
وكتب على صفحته على “فيسبوك” تحت عنوان “قناة السويس خط أحمر”: “ما يقال غير منفصل عن صناديق سيادية هي الباب الملكي للخصخصة والجهاز الجديد الذي أسسوه وكلها تتعامل في كافة الأصول المصرية”.
تساءل الخبير الاقتصادي زهدي الشامي: “هل حسن هيكل وحده أم هناك من يقفون خلفه؟”
وأضاف: “لكن وصول الأمر لقناة السويس، قدس أقداس الشعب المصري، يعني أن كل شيء في مصر أصبح مستباحًا”.
وذكر الشامي، بما فعله الخديوي إسماعيل عندما باع حصة مصر في قناة السويس لسداد ديون بذخه المعروف، قبل أن يستردها الشعب المصري بالدم عام 1956.
نفي رسمي
وأمام حالة الجدل، خرجت الحكومة لتنفي وجود نية لمقايضة الديون المحلية مقابل أصول الدولة.
وقال مجلس الوزراء المصري، في بيان، إن ما تم تداوله خلال الساعات الماضية على بعض المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن طرح لإحدى الشخصيات العامة، يتناول فكرة نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري، في مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة؛ يعبر عن رؤية شخصية خالصة لصاحبها، ولا يمثل بأي حال من الأحوال توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة المصرية.
وبين مجلس الوزراء أن أفكارًا تتعلق بمقايضة مثل هذه الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية بالدولة، في إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وانتهت إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.
وبينت أن ذلك يأتي في ضوء عدد من الاعتبارات الاقتصادية والمالية والمؤسسية، في مقدمتها أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل، كما أن معالجة الدين العام تتطلب النظر بصورة متكاملة إلى هيكل الدين، وتكلفة خدمته، والسيولة المحلية، وتأثيراتها على السياسة النقدية والمالية، فضلًا عن الحفاظ على كفاءة إدارة الأصول العامة وتعظيم عوائدها الاقتصادية بصورة مستدامة.
قالت الحكومة إنها تتبنى في إدارة وخفض الدين العام مسارًا متكاملًا يقوم على تحسين مؤشرات المالية العامة
وشدد مجلس الوزراء، على نحو قاطع، على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد أية توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، مؤكدًا أن القناة مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلًا عن دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية.
وأكد أن ما تم مؤخرًا بشأن تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي يمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفق أوضاعها القانونية والمالية وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين، ولا يجوز القياس عليها أو اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.
مسار متكامل
وقالت الحكومة إنها تتبنى في إدارة وخفض الدين العام مسارًا متكاملًا يقوم على تحسين مؤشرات المالية العامة، وتحقيق فوائض أولية مستدامة، وزيادة موارد الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وإطالة آجال الدين وخفض تكلفة خدمته، إلى جانب تعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة في إطار سياسة ملكية الدولة وبرامج الطروحات والشراكة مع القطاع الخاص، وفق أطر واضحة وشفافة تحقق أعلى عائد للاقتصاد المصري وتحافظ على حقوق الدولة والأجيال القادمة.
“القدس العربي”



