معاريف لـ “حكومة أكتوبر 2026”: تفقدون إسرائيل مستقبلها

معاريف لـ “حكومة أكتوبر 2026”: تفقدون إسرائيل مستقبلها
يصعب الجدال مع الأرقام. في 31 كانون الأول 2025، مثلما في كل عام، وضع مكتب الإحصاء المركزي أمامنا خلاصة العام المنصرم. ومع أننا أردنا الفرح بعد عامين قاسيين، تضربنا هذه الأرقام. وبالمناسبة، ليس ذلك بمفاجأة كاملة. ما شعرنا به في الأشهر الأخيرة، وبمدى آخذ بالتزايد، يتحقق بالفعل.
في العام الماضي، غادر إسرائيل 69.300 إسرائيل وعاد إليها 19.000. إذا ما أضفنا إلى عدد الوافدين المهاجرين الجدد أيضاً – 24 ألفاً، تبقى إسرائيل في ميزان سلبي. فقدنا 20 ألف إسرائيلي خرجوا إلى طرق العالم. وثمة معطيات أخرى أصدرها مكتب الإحصاء المركزي تفيد بأن أعداد المهاجرين الجدد أدنى مما كانوا في العام الماضي. وكذلك عدد الذين يأتون ضمن لم شمل العائلات. هذه المعطيات غير مفاجئة، لأن كلاً منا سمع ورأى في سياق عامي الحرب وحتى في الفترة التي سبقتهما – فترة الانقلاب النظامي والاحتجاج ضده – مزيداً من الإسرائيليين الذين يفضلون لملمة البيت والعائلة وإيجاد دولة أخرى على وجه الكرة الأرضية.
في الماضي حدثت موجات هجرة من إسرائيل، كما في 1948 بعد قيام الدولة. كانت الظروف في إسرائيل قاسية جداً وجاء مهاجرون جدد كثيرون، ثم خرجوا. وحدث أيضاً موجة أخرى في 1967، عشية حرب الأيام الستة. الوضع الاقتصادي في إسرائيل تدهور، حيث ركود، وكثيرون غادروا. النكتة الغبية التي سادت في حينه كانت تقول: “فليطفئ الأخير النور”. النور لم ينطفأ، كما هو معروف، وحرب الأيام الستة ضخت إلى إسرائيل موجة مهاجرين جدد كثيرين بالذات، وأساساً من الدول الغربية، وتوازنت الأرقام.
لكن الأمور تبدو مختلفة هذه المرة، وينبغي أن تقلقنا جميعاً. إسرائيل تدفع ثمناً باهظاً على التغييرات النظامية الداخلية وعلى الحرب الطويلة، التي وإن انتهت ظاهراً، لكنها متواصلة بهذه الطرق وغيرها. غلاء المعيشة في إسرائيل عال دون أي سبب ظاهر للعيان، والمواصلات باعثة على اليأس، ولا ببنى تحتية جديدة، وفوق كل ذلك الانشقاق والانقسام الاجتماعي. كل عائلة تقرر المغادرة تفعل هذا بدافع آخر، لكن النتيجة مشتركة: موجة كبيرة وعالية تهجر إسرائيل.
هذا هو التحدي الأكبر الذي نقف أمامه اليوم من بين التحديات؛ نفقد جمهوراً كبيراً، متعلماً، قادراً، يرحل من هنا وينزع أثره من مستقبل هذه البلاد. مهنيون مطلوبون، مستثمرو تكنولوجيا عليا، شباب وشابات مؤهلون مستقبلهم أمامهم. الضرر ليس فورياً، كما أنه ليس ظاهراً بالضرورة، لكنه لا شك سيؤثر في تشكيلة السكان وفي إنجازاتنا الاقتصادية والاجتماعية على مدى الزمن. الرسالة التي يمررها المهاجرون الجدد من البلاد هي أن إسرائيل ليست بيتاً آمناً، بيتا يمكن تربية الأطفال فيه، وبيتاً يمكن رؤية مستقبل فيه. هذه رسالة قاسية تتغلغل إلى المجتمع الإسرائيلي وقد تشجع آخرين أيضاً على خطوة مشابهة.
عن الأرقام والآراء
في بداية طريق الحكومة الحالية، أنهى الرئيس مهام المسؤول الإحصائي، وبحث عن بديل. كان مرشحه البديل هو مقربه -يوسي شيلي. لم يكن لشيلي أي خلفية مهنية، وفي الوقت نفسه، كان النقد الجماهيري سيرتفع ليمنع التعيين الغريب. وشكراً للرب، فقد انتخب للمنصب مهني، هو البروفيسور يرون بلوس. كانت الفكرة التأسيسية واضحة –نريد أحداً ما منا يتأكد من تطابق الأرقام مع أفكارنا. أما السبب فقد تجلى الآن. خير أن يدير مكتب الإحصاء المركزي أناس مهنتهم هي الإحصاء وليست السياسة.
كوزير الشتات، اطلعتُ على الهجرة الإسرائيلية المضادة، على المنفى الإسرائيلي الجديد بكل مداه. كان الأمر مخيفاً. نحو مليون مواطن إسرائيلي يسكنون خارج إسرائيل. بعضهم مهاجرون جدد جاءوا إلى البلاد وواصلوا من هنا إلى مناف أخرى، لكن كثيرين جداً هم أبناء هذه البلاد ممن تربوا وتعلموا هنا، وربوا أطفالهم هنا أيضاً ورأوا فيها وطنهم. في يوم ما صاف، قرروا الانسحاب. قالوا أحياناً: “لزمن قصير”، وأحياناً اعترفوا “هذا فصل جديد في حياتنا”.
تتردد حكومة إسرائيل بين تحديات عديدة، لكنها تركز الآن أساساً على بقائها. لهذا السبب، تضحي بقيم عزيزة – قيمنا الأساس؛ تتخلى عن وحدة الصف، والمساواة، وتوزيع العبء وما شابه، وكل ذلك من أجل البقاء. الهجرة الإسرائيلية المضادة لا تظهر في سلم أولوياتها، لا تعالجها، ولا تبحث فيها حتى، بل وتتنكر لها. ما يظهر أن نظرها قصير انتظارها أكتوبر 2026، الموعد المخصص للانتخابات. وهذا خطأ جسيم. الحكومة، بكونها ذات صلاحيات وقدرات، ملزمة بالعمل بكل ما تستطيع كي تبطئ وتيرة الهجرة المضادة. نملك الأدوات والقدرات ولكننا نفقد الإرادة. لعلها تفكر بأن مقترعي الأحزاب الأخرى هم الذين يغادرون البلاد. وهذا هراء مطلق. لقد سبق أن قلت إن مغادري البلاد أناس طيبون، قادرون، أناس طيبون نحتاجهم اليوم وفي المستقبل. لا يهم فكرهم السياسي، نحن نفقد مستقبلنا.
ثمن هذا الإخفاق سندفعه في السنوات القادمة، مثلما لا تعطي الحكومة رأيها في خطط مستقبلية، هكذا هذه الجبهة أيضاً؛ تبقيها سائبة.
د. نحمان شاي
معاريف 2/1/2026




