معهد دراسات عبري: المعركة على باب المندب فرصة سياسية وأمنية لإسرائيل لبناء شراكة مع السعودية

معهد دراسات عبري: المعركة على باب المندب فرصة سياسية وأمنية لإسرائيل لبناء شراكة مع السعودية
وديع عواودة
الناصرة- : يرى معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أن الحصار الاستراتيجي المحيط بالسعودية الآن عقب سيطرة الحوثيين على باب المندب، يمثل فرصة سياسية وأمنية سانحة لإسرائيل.
وفي ورقة عمل جديدة، يرى “المعهد” أنه عندما تكتشف الرياض محدودية الدعم الأمريكي، وترى الفجوة بين تصريحات شركائها الجدد وبين استعدادهم الفعلي لاستخدام القوة، تستطيع إسرائيل إثبات قيمتها كشريك أمني من خلال تقديم مساعدة غير مباشرة.
وحول طبيعة المساعدة يضيف: “لا يشترط أن تكون هذه المساعدة مشروطة، إذ يُرجّح أن المملكة ستتذكر هذه الخدمة، تماماً كما كان للمساعدات الإسرائيلية السابقة لدول الخليج قيمة سياسية لاحقاً”. ويشدد المعهد على أن الهدف المباشر المطلوب الآن هو منع إيران ووكلائها من اكتساب نفوذ استراتيجي على بوابتي المنطقة البحريتين، أما الهدف طويل الأجل، فهو جعل تداخل المصالح أساساً لشراكة إسرائيلية سعودية أعمق في اليوم التالي.
هناك مصلحة مباشرة لإسرائيل في احتواء الحوثيين ومنعهم من التمركز في باب المندب، وعليها التواصل مع السعودية وتقديم مساعدة سرية لها
ويقول المعهد إنه بينما انصبّ الاهتمام العالمي في الأشهر الأخيرة على مضيق هرمز، تتصاعد المعركة على مضيق باب المندب بوتيرة متسارعة. ويقول أيضا إنه لم يعد تصاعد الحرب في اليمن وتزايد تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر ساحتين منفصلتين، بل جبهة أخرى في الحرب الإقليمية مع إيران.
وعن انعكاسات ذلك على السعودية، يضيف المعهد الإسرائيلي: “تعيش السعودية أزمة حقيقية وضغطا استراتيجيا غير مسبوق. فمضيق هرمز معطّل من الشرق، وخط أنابيب النفط بين الشرق والغرب مُتضرر، والحوثيون يشنّون هجمات على أراضيها، والطريق البديل عبر البحر الأحمر مُهدد. وبالتالي، فإن قدرتها على الدفاع عن أراضيها وتأمين صادراتها النفطية تتعرض لضغوط من عدة جهات في آن واحد”.
وطبقا للمعهد، تُمثل هذه الأزمة اختبارًا للتحالفات الجديدة التي بنتها الرياض (تحالف مكة) وكذلك للولايات المتحدة. وأنه بالنسبة لإدارة ترامب التي تسعى إلى تقليص تواجدها في المنطقة، يكمن التحدي في مساعدة حليف رئيسي وضمان حرية الملاحة دون الانجرار إلى جبهة أخرى ضد الحوثيين وتوسيع نطاق الحرب مع إيران.
ويرى أن هناك مصلحة مباشرة لإسرائيل في احتواء الحوثيين ومنعهم من التمركز في باب المندب، وأنه عليها التواصل مع السعودية وتقديم مساعدة سرية لها، دون شروط أو محاولة الحصول على تعويضات سياسية فورية. ويقول المعهد إن احتواء الحوثيين وإبقاء باب المندب مفتوحًا بات مصلحة مشتركة بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل.
حرب إقليمية
وحسب معهد دراسات الأمن القومي، تُظهر التطورات الأخيرة في اليمن أن الحرب مع إيران تتحول تدريجياً من حرب محدودة إلى حرب إقليمية متعددة القطاعات في اليمن والعراق، وأن الساحة البحرية لم تعد منفصلة: إيران تُعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز، والحوثيون يمارسون ضغوطاً على السعودية ويُعززون سيطرتهم على منطقة باب المندب، والميليشيات الموالية لإيران في العراق تنضم إلى الحملة.
وهكذا، يعمل المحور الإيراني كشبكة لا مركزية قادرة على ممارسة ضغط تراكمي من عدة اتجاهات، حتى بدون قيادة وسيطرة إيرانية مباشرة على كل مكون من مكوناته. ويقول المعهد في هذا السياق إنه في الوقت نفسه أصبحت السيطرة على الممرات البحرية الضيقة أداة استراتيجية بحد ذاتها، وإنه لا يتعين على إيران إغلاق مضيق هرمز بالكامل ولا يتعين على الحوثيين إغلاق باب المندب بالكامل. ويعلل تقديراته هذه بالقول إن القدرة على تهديد الملاحة لفترة طويلة، ورفع أسعار التأمين والنقل وجعل طرق التصدير غير موثوقة، كافية لتوليد نفوذ يتجاوز بكثير قوتهم العسكرية.
جدوى التحالفات
من هنا يستنتج المعهد: “يكمن السيناريو الخطير في تشكيل كمّاشة بحرية حول شبه الجزيرة العربية، حيث تستطيع إيران ووكلاؤها تعطيل شريانَي الملاحة الرئيسيين في المنطقة في آنٍ واحد”.
وبحسب المعهد، تكشف الأزمة أيضاً عن قصور التحالفات الجديدة في المنطقة. فقد وسّعت السعودية نطاق دعمها الأمني في السنوات الأخيرة – من الولايات المتحدة إلى التحالف البحري في البحر الأحمر، وتحالف مكة مع تركيا وباكستان – لكن في الوقت الراهن، لا يقدم أي منها ردا كاملا على التحدي الذي تواجهه.
ويضيف في هذا السياق: “تمتنع تركيا وباكستان حالياً عن التدخل العسكري المباشر، وتتردد الولايات المتحدة في توسيع حملتها، ويعاني المعسكر المناهض للحوثيين في اليمن من التشرذم والضعف. وهذا تعبير آخر عن مبدأ أوسع. فالتحالفات المتعددة تمنح الدول خيارات ومرونة ومجالاً أوسع للمناورة، لكنها لا تضمن مزيداً من الأمن”.
ويرى المعهد لإسرائيلي أن السعودية تتعرض فعلياً لحصار استراتيجي، ويعلل ذلك بالقول إن مضيق هرمز مغلق من الشرق، وتضرر خط أنابيب يمتد من الشرق إلى الغرب كان مصمماً لتجاوز المضيق، وفي الجنوب يُحكم الحوثيون قبضتهم على منطقة باب المندب، مهددين بذلك الطريق البديل عبر البحر الأحمر. منوها أنه حتى البدائل التي بنتها المملكة للحد من تعرضها للخطر أصبحت هي نفسها أهدافاً.
التقدم الحوثي يخلق مصلحة مشتركة واضحة وقوية بين إسرائيل والسعودية: منع ترسخ الحوثيين الذي قد يسمح لإيران وحلفائها بتهديد هرمز وباب المندب في آن واحد.
وعن الفجوة بين الموجود والمفقود، يتابع المعهد بالقول: “لا تعاني المملكة من نقص في النفط، بل من عدم القدرة على نقله بأمان إلى الأسواق. يمكن للمخزونات أن توفر متنفساً مؤقتاً ويمكن إصلاح البنية التحتية المتضررة، لكن إصلاح خط الأنابيب لا ينهي الأزمة: ما يُصلح اليوم قد يتضرر مجدداً غداً. لذا، لا يقتصر التحدي على استئناف الصادرات فحسب، بل يتعداه إلى تأمين شرايين التصدير التي يمكن حمايتها على المدى الطويل.
حصار استراتيجي
وحسب الرؤية الإسرائيلية هذه، يتخذ الحصار الاستراتيجي أيضاً بعداً يتمثل في كونه تهديداً مباشراً للجبهة الداخلية السعودية. ففي الأيام الأخيرة، اضطرت السلطات إلى إصدار تحذيرات متكررة لسكان المدن الجنوبية من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة، بعد أن تسببت هجمات سابقة في سقوط عشرات الضحايا وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة.
ويستنتج المعهد الإسرائيلي من ذلك القول إنه يتعين على المملكة العربية السعودية حماية طرق صادراتها، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية المتضررة وحماية مدنها من أي هجمات أخرى.
وعن الزاوية الإسرائيلية يضيف المعهد: “من وجهة نظر إسرائيلية، تكمن الأهمية الرئيسية في أن تهديد الحوثيين لم يعد شأناً يمنياً فحسب، ولا يقتصر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، بل هو جزء من مواجهة كبرى مقابل إيران، ومحاولة للضغط على دول المنطقة عبر السيطرة على خطوط إمدادها الحيوية. وهذا برأيه يخلق مصلحة مشتركة واضحة وقوية بين إسرائيل والسعودية: منع ترسخ الحوثيين الذي قد يسمح لإيران وحلفائها بتهديد هرمز وباب المندب في آن واحد.
“القدس العربي”




