مفاوضات الجنوب اللبناني: هل تتحول الوساطة الأمريكية إلى غطاء لاستمرار الحرب.

مفاوضات الجنوب اللبناني: هل تتحول الوساطة الأمريكية إلى غطاء لاستمرار الحرب.
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
منذ اندلاع المواجهات على الحدود اللبنانية ـ
الإسرائيلية، حاولت الولايات المتحدة إعادة ترتيب
المشهد السياسي والأمني في جنوب لبنان، عبر سحب
هذه الورقة من يد إيران وفتح قناة تفاوض مباشرة بين
إسرائيل ولبنان الرسمي، برعاية ووساطة أمريكية.
وبذلك أصبحت واشنطن، عملياً، الطرف الذي يفترض
أن يدفع بالمفاوضات نحو تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بين
الجانبين.
وانعقدت حتى الآن سبع جولات من اللقاءات بين
الوفدين الإسرائيلي واللبناني، غير أن هذه الاجتماعات
لم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي على الأرض.
فالاتفاقات التي جرى التوصل إليها بقيت، في جانب
كبير منها، حبراً على ورق، بينما استمرت الاعتداءات
الإسرائيلية على مناطق وبلدات في الجنوب اللبناني.
كان يفترض، وفق التفاهم الذي جرى التوصل إليه، أن
تتوقف الهجمات الإسرائيلية على الجنوب، وأن تنسحب
القوات الإسرائيلية من ثلاث مناطق تجريبية، على أن
ينتشر الجيش اللبناني فيها. وبعد تنفيذ هذه الخطوة،
كان من المفترض الانتقال إلى مرحلة ثانية تقضي
بانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تجريبية
أخرى، ليحل الجيش اللبناني محلها.
غير أن المشكلة الأساسية ظهرت في مرحلة التنفيذ.
فإسرائيل لم تلتزم، وفق ما يراه الجانب اللبناني، بجملة
من البنود الأساسية، ولا سيما ما يتعلق بوقف تدمير
البلدات الجنوبية والانسحاب من المناطق التي كان
يفترض أن تشملها المرحلة الثانية. وبدلاً من أن
تتحول المفاوضات إلى مسار يقود إلى تثبيت الهدوء
والانسحاب، بقي الجنوب عرضة للتصعيد والقصف،
وسقط مدنيون بين قتيل وجريح.
وهنا يبرز الدور الأمريكي باعتباره العامل الأكثر
حساسية في هذه المعادلة. فلبنان ينتظر من واشنطن،
بوصفها راعية للمفاوضات، أن تمارس ضغطاً حقيقياً
على إسرائيل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. لكن ما ظهر
حتى الآن هو أن الضغط الأمريكي بقي، في معظمه، في
إطار التصريحات والانتقادات السياسية، من دون أن
يتحول إلى إجراءات قادرة على إجبار الحكومة
الإسرائيلية على الالتزام.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع الولايات
المتحدة أن تكون وسيطاً فعلياً بين لبنان وإسرائيل،
وهي في الوقت نفسه الحليف الأبرز لإسرائيل؟
فالوساطة الناجحة تحتاج إلى قدر من التوازن، أو على
الأقل إلى امتلاك الوسيط أدوات ضغط متساوية على
طرفي النزاع. أما إذا كان أحد الطرفين يدرك أن
الوسيط لن يذهب بعيداً في الضغط عليه، فإن
المفاوضات قد تتحول من وسيلة لإنهاء النزاع إلى
وسيلة لإدارته وإطالة أمده.
ولا يمكن فصل الموقف الإسرائيلي عن الحسابات
السياسية الداخلية. فالحكومة الإسرائيلية تتحرك في
بيئة سياسية شديدة الحساسية، وأي انسحاب أو تنازل
قد يُستخدم ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام
الرأي العام الإسرائيلي والخصوم السياسيين. ولذلك قد
تكون الحسابات الانتخابية والسياسية الداخلية أحد
العوامل التي تجعل الحكومة الإسرائيلية أقل استعداداً
لتنفيذ اتفاق يمكن أن يُفسَّر على أنه تراجع أمام لبنان.
وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة
التعقيد. فهو دخل مسار التفاوض الرسمي، وراهن
على الوساطة الأمريكية للوصول إلى وقف الاعتداءات
واستعادة السيادة على الأراضي اللبنانية. لكن استمرار
العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم المفاوضات، يضع
الدولة اللبنانية أمام سؤال صعب حول جدوى
الاستمرار في مسار لا ينتج نتائج ملموسة.
ومن هنا يعود إلى الواجهة موقف حزب الله الداعي إلى
وقف أو إلغاء هذه المفاوضات، باعتبار أن إسرائيل،
في نظره، تستفيد من المسار التفاوضي من دون أن
تقدم في المقابل التزامات فعلية على الأرض.
لكن تعليق المفاوضات أو إلغاءها ليس قراراً بسيطاً
أيضاً. فلبنان الرسمي قد يرى أن الانسحاب من المسار
التفاوضي يعني التخلي عن إحدى الأدوات السياسية
المتاحة أمامه، وقد يفتح الباب أمام تصعيد جديد تكون
كلفته الأكبر على الدولة والشعب اللبنانيين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل تستمر
المفاوضات أم تتوقف؟ بل أصبح: ما الضمانة التي
يمكن أن تجعل استمرارها مفيداً للبنان؟
إذا بقيت الولايات المتحدة تكتفي بالضغط الإعلامي،
بينما تستمر إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية، فإن
المفاوضات ستفقد تدريجياً معناها ومصداقيتها. أما إذا
أرادت واشنطن فعلاً أن تكون راعية لهذا المسار،
فعليها أن تثبت أن رعايتها ليست مجرد إدارة
للاجتماعات، وإنما امتلاك القدرة والإرادة لفرض تنفيذ
الالتزامات على الطرفين.
فالجنوب اللبناني لا يحتاج إلى جولات تفاوضية جديدة
بقدر ما يحتاج إلى نتائج واضحة على الأرض: وقف
الهجمات، حماية المدنيين، تنفيذ مراحل الانسحاب،
وتعزيز انتشار الجيش اللبناني.
وإذا عجزت الوساطة الأمريكية عن تحقيق هذه
الأهداف، فإن استمرار المفاوضات قد يتحول إلى مجرد
غطاء سياسي لوضع عسكري يستمر فيه طرف واحد
بفرض الأمر الواقع.
وعندها سيكون على الدولة اللبنانية أن تطرح السؤال
الأكثر صراحة: هل تخدم المفاوضات المصلحة اللبنانية
فعلاً، أم أنها أصبحت مساراً مفتوحاً بلا نهاية، بينما
يستمر




