مفاوضات سويسرا بين إيران وأمريكا: لبنان في قلب المقايضات الإقليمية ومعضلة “وحدة الساحات” أمام الحسابات الإسرائيلية

مفاوضات سويسرا بين إيران وأمريكا: لبنان في قلب المقايضات الإقليمية ومعضلة “وحدة الساحات” أمام الحسابات الإسرائيلية
بقلم رئيس التحرير
لا تبدو المفاوضات الإيرانية – الأميركية في سويسرا مجرد جولة تفاوضية تبحث في ملفات أمنية محددة، بل تعكس صراعاً أوسع حول شكل النظام الإقليمي القادم، وحدود النفوذ، ومستقبل الترتيبات الأمنية في منطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لتداخل الحسابات الدولية والإقليمية. وفي قلب هذه المعادلة يبرز لبنان، ليس باعتباره ملفاً هامشياً، بل باعتباره إحدى العقد الرئيسية التي تختبر قدرة الأطراف المتصارعة على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسويات.
فلبنان اليوم يقف عند تقاطع مشاريع متعددة: مشروع أميركي – إسرائيلي يسعى إلى إعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود الشمالية لإسرائيل، ومشروع إيراني يحاول الحفاظ على أوراق النفوذ ضمن معادلة الردع الإقليمية، فيما تدفع الدولة اللبنانية ثمن هذا الاشتباك السياسي والاستراتيجي وهي تحاول استعادة دورها وسيادتها وسط أزمات داخلية خانقة.
الولايات المتحدة تنظر إلى استقرار الجبهة اللبنانية باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى منع توسع الصراع، وضمان أمن إسرائيل، وتهيئة الظروف لترتيبات سياسية وأمنية طويلة المدى. وفي المقابل، ترى إيران أن أي تسوية لا تتضمن معالجة شاملة لمعادلة المواجهة، بما فيها وقف العمليات الإسرائيلية وضمانات تمنع تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية، لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بصيغة جديدة.
وهنا تكمن حساسية ملف حزب الله، باعتباره أحد أبرز عناصر التوازن في المعادلة اللبنانية والإقليمية. فبينما تطرح واشنطن وتل أبيب ضرورة إعادة ترتيب الوضع الأمني في الجنوب اللبناني استناداً إلى القرار 1701، تؤكد طهران أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تمر عبر الحوار اللبناني الداخلي، لا عبر ضغوط خارجية تسعى إلى فرض وقائع جديدة.
لكن جوهر الصراع يتجاوز حدود لبنان؛ فهو مرتبط بنتائج الحرب وتداعياتها. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تمنع تكرار الهجمات التي كشفت هشاشة منظومتها الأمنية، وتحاول تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. في المقابل، ترى إيران أن تقديم تنازلات دون مقابل واضح سيعني منح إسرائيل ما لم تستطع تحقيقه بالكامل عبر العمليات العسكرية.
ومن هنا تظهر معضلة مفهوم “وحدة الساحات” الذي أصبح عنواناً بارزاً في الصراع الإقليمي. فقد شكل هذا المفهوم محاولة لربط جبهات متعددة ضمن إطار ردع مشترك، لكنه في الوقت ذاته كشف حجم التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات التي تحولت إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
لبنان هو الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة؛ فهو دولة ذات سيادة ومؤسسات، لكنه يعيش تحت ضغط توازنات داخلية وإقليمية معقدة. وأي اتفاق لا يضع إعادة بناء الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها في صلبه سيبقى اتفاقاً هشاً معرضاً للانتكاس، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى فقط عبر الترتيبات الأمنية، بل عبر معالجة جذور الأزمة السياسية.
أما إسرائيل فتواجه معضلة استراتيجية واضحة؛ فهي تريد إنهاء التهديد على حدودها الشمالية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد الظهور أمام جمهورها بأنها قدمت تنازلات نتيجة ضغوط خارجية أو عجز عن فرض شروطها ميدانياً. لذلك يبقى موقفها محكوماً بالتردد بين البحث عن تهدئة تضمن الأمن، والحفاظ على هامش يسمح لها بالتحرك العسكري عند الحاجة.
إن أهمية مفاوضات سويسرا لا تكمن فقط في ما ستنتجه من تفاهمات مباشرة بين واشنطن وطهران، بل في قدرتها على تحديد اتجاه المنطقة: هل تتجه نحو تسويات تقلل من احتمالات الانفجار، أم نحو مرحلة جديدة من الصراع بالوكالة تتعدد فيها الجبهات وتتوسع فيها المخاطر؟
الخلاصة أن أي تسوية مستدامة في لبنان والمنطقة لا يمكن أن تقوم على إدارة الأزمات فقط، بل تحتاج إلى معالجة أسبابها الأساسية: احترام سيادة الدول، تطبيق القرارات الدولية، وقف الاعتداءات، وإنهاء منطق الحروب المفتوحة. فلبنان لا يحتاج إلى هدنة مؤقتة بقدر حاجته إلى استعادة الدولة لدورها الكامل، بعيداً عن أن يكون ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين.
وفي النهاية، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده فقط موازين القوة العسكرية، بل قدرة الأطراف على إدراك أن الأمن الحقيقي لا يُفرض بالقوة وحدها، وأن الاستقرار لا يُبنى على إضعاف الدول، وإنما على تمكينها من حماية مصالحها وشعوبها.