الافتتاحيهرئيسي

مقابلة فانس وتصدّع التحالف الأمريكي – الإسرائيلي

مقابلة فانس وتصدّع التحالف الأمريكي – الإسرائيلي

هل يعيد تيار «أمريكا أولاً» رسم معادلة العلاقة مع إسرائيل؟

بقلم: رئيس التحرير 

أثارت مقابلة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مع مقدم البودكاست الشهير جو روغان جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأمريكية، لما حملته من إشارات إلى تحولات داخلية تتعلق بمستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وحدود الالتزام الأمريكي بسياسات الحكومة الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

تصريحات فانس لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل عكست صراعاً متنامياً داخل الولايات المتحدة حول سؤال جوهري: من يحدد أولويات المصالح الأمريكية في المنطقة، الإدارة الأمريكية أم حلفاؤها الخارجيون؟

فقد اتهم فانس جهات داخل الولايات المتحدة بالسعي للتأثير على الرأي العام وصناعة القرار بهدف استمرار المواجهات العسكرية، خصوصاً في الملف الإيراني، معتبراً أن بعض الأطراف تدفع باتجاه حروب مفتوحة لا تمتلك أهدافاً سياسية واضحة ولا تخدم بالضرورة المصالح الأمريكية.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من موقع مطلقها، ففانس يمثل تياراً صاعداً داخل الحزب الجمهوري مرتبطاً برؤية «أمريكا أولاً» التي تركز على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية، ورفض تحمل الولايات المتحدة أعباء صراعات طويلة لا تحقق نتائج استراتيجية واضحة، أو تعرض القوات والمصالح الأمريكية للخطر.

هذا الخطاب لا يعني تحولاً أمريكياً نحو تبني مواقف مؤيدة للقضايا العربية أو الفلسطينية، لكنه يعكس إعادة نظر في طبيعة التحالفات الخارجية وفق معيار المصلحة الوطنية الأمريكية. فالعلاقة مع إسرائيل، التي ظلت لعقود من الثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية، بدأت تواجه أسئلة جديدة داخل المجتمع السياسي الأمريكي: هل الدعم غير المشروط لكل سياسات الحكومة الإسرائيلية يخدم المصالح الأمريكية، أم يفرض أعباء سياسية وأمنية متزايدة على واشنطن؟

وتشير هذه التطورات إلى تغير في الخطاب الجمهوري التقليدي الذي كان ينظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً ثابتاً. فهناك جيل جديد داخل الحزب الجمهوري أصبح أكثر تشككاً في جدوى الانخراط العسكري الخارجي، وأكثر انتقاداً للسياسات التي قد تقود إلى حروب إقليمية مفتوحة، وهو جيل وجد في منصات البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير بعيداً عن المؤسسات الإعلامية والسياسية التقليدية.

ومن هنا تأتي أهمية منصة جو روغان، التي أصبحت إحدى أدوات التأثير السياسي الجديدة في الولايات المتحدة، خصوصاً لدى الشباب الذين باتوا أقل ارتباطاً بالمؤسسات التقليدية وأكثر اهتماماً بمناقشة قضايا السياسة الخارجية بمنظور مختلف.

في المقابل، تكشف هذه التحولات عن قلق إسرائيلي من تراجع مكانة التأييد غير المشروط داخل الولايات المتحدة. فإسرائيل التي اعتادت التعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره ثابتاً استراتيجياً تواجه اليوم بيئة سياسية أكثر تعقيداً، حيث بدأت أصوات أمريكية تطالب بإعادة تقييم العلاقة على أساس المصالح المشتركة وليس الالتزامات التاريخية فقط.

وقد يفسر ذلك اندفاع الحكومة الإسرائيلية نحو فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة عبر تسريع الاستيطان في الضفة الغربية ومحاولة حسم ملفات إقليمية قبل اتساع دائرة المراجعة داخل واشنطن.

إن مقابلة فانس لا تعني انهيار التحالف الأمريكي – الإسرائيلي، لكنه مؤشر على بداية مرحلة جديدة لم يعد فيها هذا التحالف بمنأى عن النقاش والمراجعة. فصعود تيار «أمريكا أولاً» يطرح تساؤلات حول مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وحول مدى قدرة إسرائيل على الحفاظ على مكانتها التقليدية في القرار الأمريكي.

المؤكد أن التحولات داخل الولايات المتحدة ستكون لها انعكاسات تتجاوز حدود السياسة الداخلية الأمريكية، لتؤثر في مستقبل المنطقة وطبيعة الدور الأمريكي في أزماتها وصراعاتها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب