«منام القيلولة» رواية الجزائري أمين الزاوي: استجواب الماضي عبر انفتاح الذاكرة

«منام القيلولة» رواية الجزائري أمين الزاوي: استجواب الماضي عبر انفتاح الذاكرة
حمودة الزاوي
يقول محمود درويش:
«لا تعتذر عماّ فعلت – أقول في سرّّي
أقول لآخري الشخصي:
ها هي ذكرياتك كلها مرئية:
ضجر الظهيرة في نعاس القط
عرف الديك
عطر المريمية
قهوة الأم»…
ولعل هذه الكلمات، وإن لم ترد في رواية أمين الزاوي «منام القيلولة»، إلا أنها تبدو وكأنها خرجت من صميمها، لا بوصفها اقتباسا، بل كصدى بعيد لها، كأن النصين يتجاوران في منطقة خفية من الذاكرة، حيث لا يعود ممكنا التمييز بين ما قيل شعرا وما كتب سردا. لأن ما يفعله الزاوي لا يختلف كثيرا عما يلمح إليه درويش: استدعاء الذاكرة لا كما حدثت، بل كما تبقت، كما ترسبت في الحواس، كما نجت من الانمحاء وهي في حالة نصف يقظة، نصف غياب. ولهذا لا تفتتح هذه الكلمات نصا شعريا بقدر ما تفتح بابا صدئا لذاكرة لم تعد تعرف إن كانت تخص صاحبها أم تخصّ زمنا سقط منه، لأن القيلولة في هذا السياق ليست استراحة، بل انسحاب خفيف من الواقع، انسحاب لا يعلن نفسه، بل يتخفى في هيئة نعاس، في حين أنه في العمق شكل من أشكال مقاومة المعنى، أو الهروب منه.
ففي هذه الرواية، لا يستعاد الماضي، بل يستجوب وهو نائم، يحاصر في لحظة رخاوة/ هيولى، حين لا يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، أو حتى على ترتيب وقائعه، ولذلك تتحول القيلولة من فعل يومي بسيط إلى بنية وجودية كاملة، إلى زمن مائع لا يقاس بالدقائق بل بدرجة خفوت الصوت في الداخل، وبمدى قدرة الذاكرة على التسرب بدون أن تمسك. فالظهيرة أو فترة الصمت والارتخاء، هنا ليست ساعة في النهار بل حالة من التعليق بين اليقظة والانطفاء، بين أن ترى العالم وأن تفقده في اللحظة نفسها، ولهذا يبدو العنوان «منام القيلولة» ليس مجازا جماليا بل توصيفا دقيقا لحالة كونية، حيث كل شيء موجود لكنه فاقد للحركة، وكل شيء حيّ لكنه مؤجل، وكأن العالم نفسه قد قرر أن يستريح قليلا من فظاعة أن يكون مفهوما، فينكمش داخل تفاصيل صغيرة: قهوة العصر، قهوة الأم، صوت الديك، غرفة العولة، بوشراوط، لا بوصفها ذكريات بل بوصفها بقايا حياة نجت من مجزرة المعنى، بقايا لم تنقذ لأنها مهمة، بل لأنها غير ملحوظة بما يكفي لكي تمحى.
وإذا كان هذا الدخول يتم عبر الذاكرة، فإن الخروج منه لا يتم أبدا، لأن الرواية منذ صفحتها الأولى تزرع قارئها داخل مفارقة لا فكاك منها، حين يقول الزاوي: «الموت ليس غريبا، هو الوجه الآخر للحياة، فقط طريقة حضوره هي الغريبة، نتخطاه مع كل خطوة، نقيم له سريرا خاصا به إلى جانب الحياة، لكنهما ينامان متعانقين على سرير واحد، ورأساهما على مخدة واحدة وحلم واحد»، ص 15. فهنا لا يعود الموت حدثا طارئا بل يصبح البنية التحتية لكل ما يحدث، لا كخاتمة بل كقرين دائم، كظل لا يرى إلا حين نحاول تجاهله، وكأن الحياة ليست إلا طريقة مؤقتة لتأجيل الاعتراف بالموت، أو لنقل لتعويد الذات عليه تدريجيا. وهذا ما يجعل الرواية لا تحكي عن الموت بقدر ما تطبّّعه، تدخله في تفاصيل اليومي حتى يصبح النوم نفسه تمرينا عليه، وحتى تصبح القيلولة بروفة صغيرة على الغياب، تجربة مصغرة للفناء، تمارس يوميا دون وعي.
هذا التداخل بين الحياة والموت لا ينتج فقط رؤية فلسفية، بل ينتج أيضا ارتباكا سرديا مقصودا، حيث يغيب الراوي، أو يتأخر ظهوره، أو يتشظى إلى أصوات غير قابلة للتحديد، إذ حتى الصفحة 38 لا نعرف من يتكلم، لا لأن الكاتب عاجز عن تحديده، بل لأن الصوت نفسه فقد مرجعيته، لم يعد هناك «أنا» يمكن الوثوق بها، بل هناك بقايا وعي تتناوب على الكلام. كأن الرواية تروى من داخل رأس مكسور، أو من داخل ذاكرة جماعية فقدت حقها في التماسك، وهذا الغياب ليس تقنيا بل هو وجودي، لأن الرواية نفسها تكتب من موقع الشك في إمكانية الحكي، من داخل أزمة المعنى لا من خارجه.
ومن هذه المنطقة المأزومة ينبثق إدريس، لا كشخصية بل كحادثة، ككسر فجائي في منطق العالم، ككائن استيقظ من نومه ليكتشف أن ذاكرته سرقت منه دفعة واحدة، لا بالتدريج، فصار يطارد الحيوانات، يخاف منه الأطفال، وتكبّّله أمه بالأصفاد، لا لأنه خطر حقيقي بل لأنه لا يُفُهم، لأنه يذكرهم بشيء لا يريدون تذكره. وهنا تتحول صورته إلى ما يشبه مجازا قاسيا لوطن بلا ذاكرة، وطن فقد ماضيه فلم يعد قادرا على تفسير حاضره، فصار إما مفترسا أو مقيدا، لا يملك إلا أن يتخبط داخل ذاته. وكأن الجنون هنا ليس حالة فردية بل نتيجة منطقية لفقدان السردية، وهذا ما يجعل القسوة التي تمارسها مسعودة عليه ليست مجرد قسوة أم، بل قسوة ذاكرة تحاول أن تخُضع ما تبقى منها حتى لا تنفجر، لأن ما لا يُُفهم يُكبّّل، وما لا يُُروى يتحول إلى خطر.
وفي هذا المجتمع، لا تدار الأخلاق وفق القيم بل وفق الخوف، وهو ما تكشفه الجملة القاسية: «تردم الفضيحة تحت تراب الزواج البارد»، حيث يتحول الزواج من رابطة إنسانية إلى آلية دفن، من بداية إلى نهاية، ومن وعد إلى ستر. وهنا تختزل المرأة في حليمة، لا كفرد بل كجسد مهدد بالانفجار، كقنبلة يجب تعطيلها قبل أن تشتعل. ولذلك توُقف عن الدراسة، يُُسلب حلمها بأن تصبح قائدة طائرة، وتسُاق إلى وهران لا كاختيار بل كترحيل، وكأن المدينة نفسها ليست فضاء للحرية بل مرحلة أخرى من القسر، لكن بقناع أكثر تهذيبا، لأن الرواية لا تقد م ثنائية بسيطة بين القرية والمدينة، بل تفضح الاثنين معا، حين تقول:
«في المدن الكبيرة يشعر الإنسان بالغربة التي تمنحه الحرية، وحضور الناس مزعج في القرية وغيابه رهيب في المدينة». حيث تتحول القرية إلى فضاء للرقابة الجماعية، والمدينة إلى فضاء للعزلة الفردية، الأولى تخنقك بالناس، والثانية تفرغك منهم، وبين الاثنين تضيع الذات، لا لأنها تبحث عن الحرية، بل لأنها لا تجد شكلا ممكنا للعيش من دون أن تكون مراقبة أو متروكة، من دون أن تكون مرئية أكثر مما يجب أو غير مرئية تماما.
وإذا كان المكان يتشظى، فإن الزمن ينهار تماما، فلا يعود هناك فرق واضح بين ثورة التحرير، ومرحلة بناء الدولة، والعشرية السوداء، بل يبدو الزمن وكأنه كتلة واحدة متلاصقة، يتكرر فيها العنف بأسماء مختلفة، وهو ما يلمّح إليه الزاوي بقوله: «المجاهد إنسان بشر قد يضعف وقد يخون». جملة تهدم قداسة السردية الوطنية وتعيدها إلى مستوى الإنسان، بما يحمله من ضعف وخيانة، ثم تتكرر هذه الفكرة في صورة أكثر قسوة: «القتلة، الخونة عادوا، الحركة الجدد عادوا»، حيث لا يعود الفرق واضحا بين المستعمر والمتطرف، بين العميل والمجاهد المنحرف، لأن الجميع يلتقون في نقطة واحدة: العنف، وكأن التاريخ لا يتقدم بل يعيد إنتاج نفسه، وهو ما يتأكد في العبارة الأكثر كثافة: «تنتهي الحرب لتبدأ أخرى، وأيام السلم هي استراحة بين حربين، والناس الأبرياء حطبها ووقودها»، حيث لا يعود السلم حالة طبيعية بل استثناء مؤقت، فاصلا قصيرا بين حربين.
وفي هذا العالم الذي فقد منطقه، لا يعود الواقع قابلا للوصف إلا عبر الغرائبية، لا كزخرفة بل كضرورة، حيث يولد الأطفال في أقل من خمسة وأربعين يوما، وتلد النساء دفعة واحدة تحت تأثير أنزار إله المطر، وتدفن الذباب في قبور جماعية، وهي ليست مبالغات بقدر ما هي اعتراف ضمني بأن الواقع نفسه صار غير معقول، وأن اللغة الواقعية لم تعد كافية لاحتوائه، فلا بد من كسرها، من إدخالها في منطقة الهذيان حتى تقترب من الحقيقة، لأن الحقيقة هنا ليست ما حدث، بل ما لا يمكن تصديقه.
وفي قلب هذا كله، ينبثق السؤال الطفولي: «أين يذهب اللون الأبيض حين يذوب الثلج»، وهو ليس سؤالا عن اللون بل عن الزوال، عما يحدث للأشياء حين تختفي، عن الذاكرة حين تمحى، عن الوطن حين يتفكك، عن الإنسان حين يفقد نفسه، وكأن الرواية كلها محاولة للإجابة عن هذا السؤال بدون أن تقوله، أو ربما محاولة للإبقاء عليه مفتوحا، لأن الإجابة تعني النهاية، والرواية ترفض النهاية.
ولهذا، حين تقول: «نصبح كبارا حين ندفن أمهاتنا…»، يبدو الأمر وكأنه وعد بالنضج، لكن الرواية تسحب هذا الوعد بهدوء، لأن أحدا لا يكبر هنا، الجميع يظلون عالقين في ظهيرة طويلة، في قيلولة ممتدة، حيث الزمن لا يتحرك، والذاكرة لا تكتمل، والحياة لا تُعاش بل تؤجل، وكأن الوطن نفسه قد استلقى أخيرا، لا ليرتاح، بل لأنه لم يعد يعرف كيف ينهض.
في رواية «منام القيلولة» يبرز حضور القاموس المحلي كعنصر سردي محوري، ينسج بين الأصالة والرمزية. مصطلحات مثل العولة، الايلة، القارح، أعنان، سيدي سليمان، جبل زندل، بورابح، بوشراوط، البياضة، البوبوش ليست مجرد مفردات مكانية أو زمانية، بل أدوات لتثبيت الأرضية الثقافية للشخصيات، وإضفاء طابع محلي متماسك يربط القارئ ببيئة مألوفة لكنها متخيلة في أحيان كثيرة. غياب الزمن الصريح في الرواية يقابله حضور أماكن رمزية، مثل قرية أعنان الصغيرة المتخيلة، وقرية ينبو الواقعية، الواقعة في دائرة باب العسة والمعروفة تاريخيا برحاها الممتازة للقمح، لتصبح مقصدا للناس من كل القرى المجاورة، وهو ما يعكس قدرة الرواية على المزج بين الواقع والخيال بشكل سلس يعكس الذاكرة الجمعية والرمزية المكانية.
أما في الشخصيات، فصورة الإرهابي المنغلق باللباس الأفغاني وسليم الملتحي، ابن عم حليمة، تقدم مفارقة صادمة: الرجل المتطرف يظهر صامتا، انطوائيا، مرضيا، يترك زوجته الحامل بدون دخل أو حماية، ويختفي في الجبال لينضم إلى الجماعات المسلحة المتطرفة، بينما تشرع حليمة في رحلة البحث عن عمل، متجاوزة القسر الاجتماعي لتصبح رمزاً للمعاناة المستمرة التي تلحقها الدولة والظروف القاسية بالعائلات. هذه الشخصيات المركبة تجسد تلاقيا بين الانحراف الفردي والمعاناة المجتمعية، وتحمل في طياتها نقدا لاذعا للسلطة الاجتماعية والقانونية التي تفشل في حماية الأبرياء، كما تكشف عن بنية اجتماعية مشوهة، حيث الجبال والمجتمعات المحلية تتحول إلى مسرح لصراعات القوة والعدالة الإلهية المعلقة.
بينما تتحول الحيوانات؛ الحمير والأرانب في فضاء زينب فرحاني إلى رموز كافكاوية للغموض والاضطراب، تذكر بأن عالم الرواية ليس واقعا مستقرا، بل فضاء متحركا تتداخل فيه الحياة والرمز. هذا الحضور الحيواني يوازي حضور الكتب والأدب، مع أسماء لامعة يعشقها الكاتب مثل المعري، أبي نواس، الجاحظ، ما يعكس التقاء القيم الثقافية والفكرية بالواقع اليومي للشخصيات، حيث يصبح الأدب مرجعية أخلاقية ومعرفية، بل سلاحا ضد الغياب العقلي والفوضى المجتمعية.
يظهر ذلك بوضوح في العلاقة الغريبة بين المصحف الشريف وكتاب «البخلاء» للجاحظ: فعبد القادر القارح يبعد ابن مسعودة عن المصحف، بينما تحاول مسعودة أن تقرب «البخلاء» من المصحف لتطارد الشياطين وتحمي عقل ابنها، في مقابل شقيقه إدريس، الذي يبدو خارج نطاق الحماية، كأنها محاولة لتوجيه التربية الأخلاقية والفكرية عبر أدوات ثقافية وعقلية متشابكة، ما يعكس اهتمام الرواية بالتأثير العميق للذاكرة والتعليم على تشكيل الأفراد.
وأخيرا، يقدم الكاتب نقدا صادقا للدولة الوطنية، من خلال حلم عبد القادر بأن يصبح رئيسا، وهو حلم ينهار أمام رؤية الكاتب الواقعية: الرؤساء لا يصنعهم الحلم الفردي ولا الإرادة الشعبية، بل مخططات العسكر، ما يضع السلطة السياسية تحت المجهر، ويكشف التناقض بين الطموحات الفردية والأنظمة التي تحكمها مصالح فوقية، في إدانة صريحة لكل الوهم المؤسس على الحلم البريء في مجتمع يسوده القسر والسيطرة.
«منام القيلولة» ليست مجرد نص سردي، بل هي فضاء تجريبي يتحدى التصنيفات التقليدية للرواية، ويعيد تعريف العلاقة بين الزمن والذاكرة والوعي. في هذا النص، يغيب البطل الصريح يتحرك في محور درامي، بل نجد تعددية الوعي، حيث تتناوب الأصوات ـ حليمة، عبد القادر المخ، مسعودة القارح، إدريس ـ على احتلال الحيز السردي، وتخلق شبكة من التجارب الإنسانية المتشابكة، كأنها لقطات في حلم جماعي أو سيمفونية من الوعي المتصدع. الرواية لا تروى من منظور خارجي، بل من داخل ذاكرتها، من داخل وعي الشخصية، أو ربما من وعي مجتمع بأكمله، بحيث يتحول السرد إلى تجربة معرفية تأملية، أكثر من كونه سردا تقليديا.
وهكذا، «منام القيلولة» هي تأمل فلسفي، نص شعري سردي، نقد وجودي، تجربة تقود القارئ إلى داخل الذات، إلى وعي متقطع لكنه مكثف، حيث كل كلمة، كل فعل، كل تفاعل بين الشخصيات يصبح رمزا لما وراء الواقع، محاولة لتفسير الوجود بطريقة شعرية وفلسفية. وكأن الكاتب يعيد صياغة سؤال الإنسان الأزلي: ما معنى الحياة حين يكون الموت متحكما؟ وما معنى الوطن حين يختفي الوقت والمكان؟ وكيف يمكن للفرد أن يجد ذاته وسط شظايا التاريخ والذاكرة؟ هذه الرواية، بهذا العمق، تتجاوز السرد لتصبح نصا ينقل المحلي إلى الكوني، نصا فكرياً، نصا شعريا، نصا يفتح عوالم المعرفة والموت والحياة والذاكرة، لتظل محفورة في الوعي، مثل منام طويل في قيلولة لم تنته بعد.
أمين الزاوي: «منام القيلولة»
دار العين، القاهرة 2025
256 صفحة.

