من الانسحاب البريطاني إلى تدويل مضيق هرمز: قصة «تلزيم»

من الانسحاب البريطاني إلى تدويل مضيق هرمز: قصة «تلزيم»
وسام سعادة
كاتب وصحافي لبناني
في البدء، كان قرار الانسحاب البريطاني عام 1968 من «شرق السويس».
فما بقي من مستعمرات ومحميات للتاج البريطاني من بعد استقلال الهند وباكستان في منطقة المحيط الهندي والخليج لم يعد من الميسّر المحافظة عليه بعد حرب يونيو 1967 وإقفال القناة لسنوات، فأصبح على السفن والناقلات البريطانية الدوران حول أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، فضاعفت تكاليف صيانة الممرات والمحميات والقواعد عسكرياً ولوجستياً، وبات إمداد القوات البريطانية في الخليج والمحيط الهندي عبئاً مرهقاً أدى بعد أشهر قليلة من هزيمة العرب الى نكسة حقيقية للجنيه الاسترليني – نوفمبر 1967 – ما أوجب سياسة تقشفية صارمة عنوانها الأبرز التخلي عن الزمن الإمبراطوري بشكل واسع. في أواخر الشهر نفسه استولى الثوار القادمون من جبال ردفان والضالع على عدن بعد أن التحقت بهم الوحدات المحلية التي شكلها الإنكليز، أو ما كان يُعرف بـ»الجيش الاتحادي». أسس ذلك لقيام الجمهورية «الماركسية» اليتيمة في بلاد العرب. لكن توالي تفكك الإمبراطورية البريطانية «شرق السويس» أسس لما هو أكثر استراتيجية: نظام الدول الخليجية المستقلة، ثم سقوط الشاهنشاهية لصالح الثيو-شاهنشاهية في إيران. في 17 يناير 1968 وفي أعقاب هزيمة بلاده في معركة عدن، أعلن رئيس الوزراء البريطاني العمالي هارولز ويلسن بأن بريطانيا ستسحب جميع قواتها العسكرية من القواعد الرئيسية «شرق السويس»، أي من سواحل الخليج وماليزيا وسنغافورة، وفي أعقاب ذلك استقلت البحرين وقطر وتشكلت فدرالية الإمارات. كان لقرار ويلسن الوقع الكارثي على سنغافورة المستقلة قبل سنوات قليلة، إنما التي كانت تعتمد على الإنفاق والحماية العسكريين البريطانيين، فسارع رئيس وزرائها لي كوان يوم الى لندن يطالب بتأجيل الانسحاب لسنوات اضافية. وأوجد الفراغ البريطاني فراغا شرق المحيط، فكانت اتفاقية الدفاع الخماسية وهي المنصة الاستراتيجية التي حوّلت أستراليا إلى لاعب أمني وعسكري رئيسي في جنوب شرق آسيا. استحسنت الولايات المتحدة تلزيم «مضيق ملاكا» للدور الاوستراليا، بمثل ما استحسنت تلزيم مضيق هرمز لإيران البهلوية كبديل «استقراري» في مقابل انسحاب بريطانيا من الخليج. فمضيق هرمز هو شريان النفط العالمي، وأي فراغ فيه يعني تمدد الاتحاد السوفيتي أو الأنظمة «التقدمية» المتواطئة معه (العراق البعثي، اليمين الجنوبي الماركسي، الثورة ذات اللفح الماركسي في ظفار)، مثلما أن مضيق ملاكا هو الممر الرابط بين المحيطين الهندي والهادئ، والثغرة الخطيرة أمام التمدد «الأحمر» في جنوب شرق آسيا.
في ملاكا، اعتمد التلزيم على صيغة خماسية تشمل قوى دولية (بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا) وقوى محلية مشاطئة للمضيق (ماليزيا وسنغافورة). هذا التعدد خلق شبكة أمان مؤسسية مستدامة. لم تفرض أستراليا نفسها كقوة احتلال أو هيمنة فوقية؛ بل جاء دورها بطلب وترحيب مباشر من ماليزيا وسنغافورة لتأمين مظلة حمائية. النفعية البريطانية المشرب ظهر أثرها على التفكير في كل من سنغافورة وماليزيا. الاحتقان الهوياتي كان من نصيب إيران. ومعه الهوس المحموم كي ترث الإمبراطورية الإيرانية تلك البريطانية اقتناعا من محمد رضا بهلوي أن هذه مشيئة الأمريكان وهذا هو التقسيم العالمي لأقاليم العالم تحت زعامتهم. أقبل الشاه على شراء أحدث الأسلحة الأمريكية – مقاتلات F-14 ومدمّرات بحرية، وأنظمة رادار – ليرضي غروره كشرطي الخليج. فعسكر الاقتصاد واستنزف ثروات بلاده وتسبب في تضخم مالي حاد وفي تهميش الطبقات الشعبية والفقيرة. أرسل الشام بحريته لاحتلال الجزر الاستراتيجية الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى) قبل يومين فقط من إعلان اتحاد «الإمارات» في نوفمبر 1971، لكنه لم يستطع تحقيق مراميه لجهة ضم البحرين، وأرسل قواته الى سلطنة عمان لقمع ثورة ظفار. دعم الشاه حركة مصطفى البارزاني في شمال العراق، وفرض واقعا جديد في شط العرب وأرغم حكومة بغداد على توقيع اتفاق انكسار في الجزائر عام 1975: التنازل عن نصف شط العرب لتصبح الحدود في منتصف المجرى المائي خط، في مقابل أن يرفع الشاه يده بالكامل عن دعم الأكراد. أعجب ما حصل في أواخر السبعينيات أن نظاما استطاع فرض معادلاته بهذا القدر على جيرانه العرب، باستعلاء شوفيني لا مثيل له، مستفيدا من وقائع انتصار إسرائيل عام 1967 وانسحاب البريطانيين من المنطقة وتوكيل الأمريكيين له، ما لبث أن انهار من الداخل، وليس لأنه عازته المداخيل.
بعد أزمة 1973 النفطية تضاعفت عوائده في إيران بشكل فلكي، وتولدت النقمة على الشاه لأنه آثر ضخ كل هذه العوائد في شراء الأسلحة وفي التحديث القسري فائق السرعة
بالعكس تماما، فبعد أزمة 1973 النفطية تضاعفت عوائده في إيران بشكل فلكي، وتولدت النقمة على الشاه لأنه آثر ضخ كل هذه العوائد في شراء الأسلحة وفي التحديث القسري فائق السرعة ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار العقارات والمعيشة واستفحال أزمة السكن وتزايد الهجرة الريفية إلى الضواحي والعشوائيات، وكانت «غلطة الشاطر» مسعى الشاه لضرب احتكار تجار السوق التقليدي – البازار – لصالح الشركات الكبرى المرتبطة بالبلاط الملكي، فكان أن تولى تجار البازار تمويل الإضرابات العامة والشاملة التي شلت اقتصاد البلاد ومصافي النفط عام 1978، مستجيبين لفتاوى الإمام الخميني من منفاه، وقد استفاد الأخير من مفاقمة الشاه لمظاهر «الاغتراب الثقافي» ومسعاه لتقديم القومية الفارسية على الإسلام بشكل نافر كمثل إلغاء التقويم الهجري – الذي هو شمسي لا قمري في إيران – واستبداله بتقويم ملكي يبدأ من تأسيس الإمبراطورية الفارسية على يد قورش الكبير. التحول فجأة لى العام 2535 شاهنشاهي سرّع من نهاية امبراطور هو في الأصل حفيد جندي عادي فضابط من فرقة القوزاق. الجرعة «الطاووسية» الزائدة أتت على نظام الشاه، لكنها كانت نتيجة مسار دشنه الانسحاب البريطاني «شرق السويس». لقد اعتقد محمد رضا ان الغرب لا يمكن ان يستغني عنه من بعد هذا الانسحاب. رغم رفضه لاستجابة لقرار الملك فيصل والدول العربية – عبر أوبك – بفرض حظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لإسرائيل، الا أنه استغل الشاه الشح الذي أحدثه الحظر العربي في السوق العالمي ليقود اجتماع أوبك في طهران – ديسمبر 1973 – وفرض رفع سعر برميل النفط بمقدار أربعة أضعاف محققاً عوائد مالية غير مسبوقة على حساب استقرار الاسواق والاقتصادات الغربية. يومها أوعز وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى وسائل الاعلام بتسريبات عن نية بلاده استخدام القوة للسيطرة على مضيق هرمز، ثم فرض على الشاه تسييل جزء كبير من فوائده النفطية لإقراض الدول الغربية المتعثرة (مثل بريطانيا وإيطاليا).
بعد سقوط بهلوي، زاول النظام الإسلامي هو الآخر لعبة هرمز، فتحول المضيق إلى ركيزة ثابتة في استراتيجيته الأمنية والعسكرية. كان الاختبار الأول لذلك غداة لحرب مع العراق، يوم تحولت الملاحة عبر هرمز الى هدف مباشر لإيران فيما عرف بحرب الناقلات، وكانت عملية عملية إيرنست ويل 1987-1988 وهي أضخم عملية حماية ومرافقة بحرية عسكرية قادتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، بهدف حماية ناقلات النفط التجارية وجرى تدمير سفن زرع الألغام الإيرانية ثم عملية «صلاة السرعوف» التي دمرت فيها معظم قطع البحرية الإيرانية آنذاك، وكثيرا ما يُنسى أثر ذلك على اضطرار الخميني قبول وقف إطلاق النار، لصالح العراق.
هل نقترب اليوم من عملية صلاة سرعوف جديدة، بنسخة أوسع وأخطر منها؟ يجري العمل أمريكيا على تحويل المضيق من أداة بيد إيران الى شرك جيوستراتيجي يستنزفها، انطلاقا من تكريس السلوك الإيراني في هرمز على أنه «قرصنة وانتهاك صارخ لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار – الذي هو بالمناسبة النتاج التشريعي المباشر للانسحاب البريطاني من شرق السويس حيث جاء ابتكار «حق المرور العابر» كبديل للمظلة البريطانية. هذا التكييف القانوني جار على قدم وساق لكي يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها – الجاري العمل على إعادة تشكيل لوحتهم على خلفية قضية المضيق – التفويض والغطاء الدوليين لتحويل التواجد العسكري المؤقت في المياه العمانية والخليج إلى «منطقة أمنية معززة دائمة» والانتقال بشكل أو بآخر من تدويل أزمة المضيق الى تدويل المضيق نفسه.
٭ كاتب لبناني



