من الحرب الروسية الأوكرانية إلى المواجهة الكبرى: هل يتجه العالم إلى نظام دولي تحكمه القوة والسلاح؟

من الحرب الروسية الأوكرانية إلى المواجهة الكبرى: هل يتجه العالم إلى نظام دولي تحكمه القوة والسلاح؟
بقلم رئيس التحرير
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع إقليمي بين دولتين، بل تحولت إلى محطة مفصلية في مسار النظام الدولي، وكشفت عن حجم التحولات التي أصابت موازين القوى العالمية، وعن تراجع فاعلية منظومة الأمن الجماعي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. فاستمرار الحرب، واتساع الإنفاق العسكري، وعودة سياسات التعبئة والاستعداد الشعبي للحروب في عدد من الدول الأوروبية، كلها مؤشرات على أن العالم دخل مرحلة جديدة تتقدم فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية على حسابات التسوية السياسية والدبلوماسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تقف البشرية على أعتاب مواجهة عالمية واسعة، أم أن ما نشهده هو إعادة تشكيل للنظام الدولي وفق معادلات الردع والقوة والنفوذ؟
الاستعداد الأوروبي.. السلام لم يعد مضموناً
تكشف الإجراءات التي تتخذها النرويج وفنلندا وبولندا عن تحول واضح في العقيدة الأمنية الأوروبية. فهذه الدول تعمل على تعزيز قوات الاحتياط، وتطوير منظومات الدفاع المدني، وتجهيز الملاجئ، وتوسيع برامج التوعية والتدريب على التعامل مع الطوارئ، وصولاً إلى إدماج مفاهيم الأمن والدفاع المدني في المؤسسات التعليمية والمجتمعية.
فالنرويج تعتمد مفهوم «الدفاع الشامل»، الذي يقوم على إشراك المؤسسات المدنية والاقتصادية والمواطنين في منظومة حماية الدولة. أما فنلندا، التي تمتلك خبرة تاريخية طويلة في الاستعداد للأزمات، فقد طورت شبكة واسعة من الملاجئ المدنية القادرة على استيعاب ملايين السكان. وفي بولندا، يتوسع الاهتمام بالتدريب الدفاعي والتوعية بمخاطر الطوارئ، بالتوازي مع زيادة القدرات العسكرية.
هذه الإجراءات لا تعني أن الحرب أصبحت وشيكة أو أن قراراً أوروبياً بالمواجهة قد اتخذ، لكنها تعكس قناعة متزايدة لدى الحكومات الأوروبية بأن البيئة الأمنية تغيرت، وأن الاعتماد على المظلة الدفاعية التقليدية لم يعد كافياً وحده لمواجهة التحديات المحتملة.
روسيا وحلف الناتو.. معادلة الردع ومخاطر الانزلاق
تتمثل إحدى أخطر نتائج الحرب الأوكرانية في تعميق المواجهة السياسية والعسكرية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. فموسكو تنظر إلى توسع الحلف وتعاظم الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا باعتبارهما تهديداً لمصالحها الأمنية والاستراتيجية، في حين ترى الدول الغربية أن دعم أوكرانيا يرتبط بسيادة الدول الأوروبية وحقها في حماية أراضيها واختيار ترتيباتها الأمنية.
وبين هذين الموقفين تتسع مساحة التوتر، وتزداد احتمالات سوء التقدير، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وتطور الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية.
إن الخطر لا يكمن بالضرورة في قرار متعمد بإشعال حرب عالمية، بل في احتمال وقوع حادث عسكري أو استهداف غير محسوب أو تصعيد متبادل يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا ودولة عضو في الناتو، بما يضع الأطراف أمام التزامات وتحالفات يصعب التراجع عنها سياسياً.
وتزداد حساسية هذه المعادلة في ظل امتلاك روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى ترسانات نووية، الأمر الذي يجعل أي مواجهة مباشرة تحمل مخاطر تتجاوز حدود ساحات القتال التقليدية.
من الردع العسكري إلى عسكرة المجتمعات
التحول اللافت في أوروبا لا يقتصر على زيادة الموازنات الدفاعية وشراء الأسلحة وتحديث الجيوش، بل يمتد إلى إعادة تأهيل المجتمعات للتعامل مع احتمالات الحرب والأزمات الكبرى.
فالدفاع المدني، وتدريب الاحتياط، وتجهيز الملاجئ، وتخزين المواد الأساسية، وضمان استمرار الخدمات الحيوية، أصبحت عناصر أساسية في سياسات الأمن الوطني لدى عدد من الدول.
وهذا التحول يعكس انتقالاً من مفهوم الدفاع العسكري التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل، الذي لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يشمل حماية السكان والبنية التحتية والطاقة والاتصالات والاقتصاد وسلاسل الإمداد.
غير أن توسع الإنفاق العسكري يطرح تساؤلات حول مستقبل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى قدرة الدول على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات المواطنين في الصحة والتعليم والتنمية والحماية الاجتماعية.
النظام الدولي.. تراجع القانون وصعود منطق القوة
الحرب الروسية الأوكرانية أعادت إلى الواجهة إشكالية جوهرية تتعلق بمستقبل القانون الدولي وفاعلية الأمم المتحدة ومجلس الأمن في منع الحروب وتسوية النزاعات.
فميثاق الأمم المتحدة يقوم على مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول، مع إقرار حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51، وإسناد مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين إلى مجلس الأمن.
لكن الممارسة الدولية تكشف عن فجوة متزايدة بين المبادئ القانونية وآليات تنفيذها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعارض مصالح القوى الكبرى أو استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: إذا أصبح احترام القانون الدولي مرتبطاً بموازين القوة، وإذا تمكنت الدول الكبرى من تجاوز قواعد الشرعية الدولية عندما تتعارض مع مصالحها، فإن النظام الدولي يفقد تدريجياً قدرته على توفير الحماية المتكافئة للدول والشعوب.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على الحرب الأوكرانية، بل تمتد إلى أزمات دولية أخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث تتواصل معاناة الشعب الفلسطيني في ظل تحديات تطبيق قرارات الشرعية الدولية، بما يطرح تساؤلات جدية حول ازدواجية المعايير وفاعلية النظام الدولي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب.
التداعيات الاقتصادية.. فاتورة الحرب تتجاوز ساحات القتال
أي توسع للمواجهة الروسية الغربية ستكون له انعكاسات تتجاوز القارة الأوروبية، فالعالم مترابط اقتصادياً، وأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة أو سلاسل الإمداد سينعكس على الاقتصادات النامية والدول المستوردة للغذاء والطاقة.
ومن أبرز التداعيات المحتملة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، واضطراب التجارة الدولية، وزيادة الإنفاق العسكري على حساب البرامج التنموية، فضلاً عن احتمالات اتساع العقوبات الاقتصادية والقيود التجارية والمالية.
أما الدول العربية، فهي ليست بمنأى عن هذه التحولات، خصوصاً في ظل ارتباط اقتصاداتها بأسواق الطاقة والتجارة العالمية، واعتماد عدد منها على استيراد الحبوب والمواد الغذائية. كما أن استمرار الاستقطاب الدولي قد يضع الدول أمام ضغوط سياسية واقتصادية تتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الدولية، بما يحفظ مصالحها وسيادتها ويجنبها الانخراط في صراعات المحاور.
هل العالم أمام حرب عالمية ثالثة؟
من الضروري التمييز بين ارتفاع مستوى الاستعداد العسكري وبين اقتراب اندلاع حرب عالمية. فتعزيز الجيوش والاحتياط والملاجئ قد يكون جزءاً من سياسة الردع ومنع الحرب، وليس دليلاً قاطعاً على أن الحرب باتت حتمية.
لكن المؤكد أن العالم يمر بمرحلة اضطراب استراتيجي، تتراجع فيها الثقة المتبادلة، وتتزايد فيها النزاعات، وتتقدم فيها الحسابات العسكرية على الحلول السياسية. وتبقى احتمالات التصعيد مرتبطة بقدرة الأطراف على ضبط المواجهة، وتجنب الاحتكاك المباشر، وإعادة فتح قنوات الحوار والتفاوض.
إن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بما تمتلكه الدول من أسلحة وقدرات عسكرية، بل بمدى قدرتها على بناء قواعد مشتركة تحكم العلاقات الدولية، وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى حروب مفتوحة.
الخلاصة: لا أمن مستداماً دون عدالة دولية
إن التحولات التي تشهدها أوروبا والعالم تؤكد أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة لم تعد قائمة بصورتها السابقة، وأن النظام الدولي يواجه اختباراً حقيقياً بين منطق القوة ومنطق القانون، وبين سباق التسلح ومتطلبات الاستقرار.
ولا يمكن بناء أمن دولي مستدام عبر تكديس السلاح وحده، أو من خلال فرض الإرادات السياسية بالقوة، وإنما عبر احترام سيادة الدول، وتطبيق القانون الدولي دون انتقائية، ومعالجة جذور النزاعات، وإحياء دور الأمم المتحدة ومؤسساتها في منع الحروب وصون السلم والأمن الدوليين.
إن العالم لا يحتاج إلى حرب عالمية ثالثة لإعادة ترتيب موازين القوى، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تمنع انزلاقه نحو مواجهة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. فالتاريخ يثبت أن الحروب الكبرى قد تبدأ بحسابات ضيقة وأخطاء في التقدير، لكن أثمانها تدفعها الشعوب والأجيال القادمة.
ويبقى السؤال الأهم أمام المجتمع الدولي: هل ينتصر منطق القانون والدبلوماسية، أم يستمر العالم في الانزلاق نحو نظام تحكمه القوة والسلاح، وتصبح فيه قواعد القانون الدولي رهينة لموازين النفوذ والمصالح؟

